Monday, September 3, 2012

بِيِرِنّسْ نِيِكْوُ إِمّبْاَرَغّاَ: رَقْصٌ بَيِنَ الّجِيِتَاَرِ وَاّلبُنّدْقَيِةِ

مكانة برينس نيكو إمّباراغا لموسيقى الهايلايف تماثل مكانة بوب مارلي للريغي، وشهرة لويس أرمسترونغ بالنسبة لموسيقى الجاز. نشأت موسيقى الهايلايف أولاً في غانا ثم إنتقلت إلي سيراليون وبعدها إلى نيجيريا وليبريا وكل الدول الناطقة باللغة الإنجليزية في غرب إفريقيا. الجيتارات الكونغولية المتعددة الإيقاعات هى الميزة الرئيسية لهذا النوع من الموسيقى الذي قام بتطويره عدد من الفنانين كالموسيقار الغاني كوابينّا بوا-آنبوسيم (كو نيمو) الذي أسس فرقة بالم واين ميوزيك. فيما ساهم فريق أورينتال براذرس إنترناشونال باند النيجيري الذي أسسه سير وويريار في إعطاء هذه الموسيقى زخماً جماهيرياً بعدما كنت موسيقى الضواحي المهمشة.


برينس نيكو إمّباراغا

كوابينّا بوا-آنبوسيم

أورينتال براذرس إنترناشونال

صعد نجم عازف الترومبيت الشهير فيكتور أوليايا خلال حقبة الستينات في سماء الموسيقى الإفريقية، ومثل باباه كِن أوكولولو أيقونة الهايلايف، بالإضافة إلى فيلا كوتي. وكانت حقبة الثمانيات هى قمة جماهيرية هذه الموسيقي وأصبح الحضور القوي لبرينس نيكو إمّبراغا طاغياً وكان يتنافس معه عدد من الفنانين المشاهير من أمثال الغاني دادي لومبا وأورلاندو أوشا، ولكن إمّبارغا كان صاحب الكعب الأعلى حينها.


فيكتور أوليايا

باباه كِن أوكولولو

دادي لومبا 

أورلاندو أوشا

ولد نيكو إمباراغا في بلدة أباكالكي في إقليم بيافرا بجنوب نيجيريا عام 1950، وقد ظهر تنوع موسيقاه من إختلاف الخلفية الثقافية لوالديه، فوالده من قومية الإيبو، أما والدته فمن قومية اليوربا. التقدير الذي ناله إمبارغا جاء لدوره في إعادة إحياء موسيقى الهايلايف في نيجيريا عقب الحرب الأهلية التي نتجت من محاولة إقليم بيافرا الإنفصال عن الإتحاد الفيدرالي عام 1967. دعاة الإنفصال تلقّوا دعماً مباشر من جمهورية بنين، وساندتهم إسرائيل وفرنسا وجنوب إفريقيا والبرتغال، فيما أستعان الرئيس النيجيري يعقوبو غوون بالقوات الجوية المصرية التي أرسلها الرئيس جمال عبد الناصر، وأدار غوون حربه ضد ثوار بيافرا  بدعم لوجيستي إنجليزي سوفييتي. وكان عدد من المشاهير حول العالم يدعمون معنوياً حركة إستقلال بيافرا مثل المغني البريطاني الشهير جون لينون وعازف الجيتار الأمريكي جيمي هيندريكس.


الجنرال كولونيل أوجووو رئيس حركة بيافرا

 الجنرال يعقوبو غوون قائد الجيس الفيدرالي ورئيس نيجيريا


أستمرت الحرب الطاحنة بين القوى الدولية المتصارعة على النفط في نيجيريا لمدة ثلاثة سنوات هرب فيها معظم الموسيقيين النيجريين خارج البلاد، وقد قضى ظل إمبارغا في الكاميرون خمسة سنوات. مدينة أباكالكي مسقط رأس أمبارغا، والمكان الذي عاش فيه سنوات الطفولة والمراهقة، أصبحت ساحةً للحرب. كانت أسوء فترات المدينة هي الفترة التي سبقت سيطرة الجيش الفيدرالي عليها، وقد عانت بشدة من القصف الجوي العنيف الذي ألحق خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات بمدينة أباكالكي مما تسبب  في كسر معنويات ثوار مدينة انيوجو؛ عاصمة إقليم بيافرا التي دخلها الجيش الفيدرالي في أكتوبر من العام 1967م.


صورة عقب هجوم الجيش الفيدرالي النيجيري على مدينة أباكالكي

قومية الإيبو كانت الأكثر تضرراً من الحرب  في إقليم بيافرا ، وكانت الأكثر هجرة خارج البلاد، وهى ذات القومية التى ينحدر منها الكاتب النيجيري العظيم تشينوا أتشيبي الحائز على جائزة نوبل للآداب، وهى كذلك القومية التي ينتمي إليها نيكو إمبارغا الذي كان يؤدي أغانيه باللغة الإنجليزية والفرنسية، وبلغة الإيبو واليوبا كذلك. ومع إهتمام بعض موسيقيي الهايلايف بأداء أغاني بلغة الإيبو أصبح هناك فرع يسمي بالـ Igbo Highlife، وتحت هذا التصنيف تم وضع عدد من الفنانين من أمثال سير وويريار، شِيف إستيفان أوساديبي، وبرايت شيميزياه.


سير وويريار وفرقته

شِيف إستيفان أوساديبي

برايت شيميزياه
كان إمبارغا بارعاً في عزف عدد من الآلات الموسيقية، ولكن براعته تجلّت في الجيتار الكهربائي مما ساعده لأن يبدأ مسيرته الفنية في العام 1970 كعازف في فرقة صغيرة تعزف تسمي ميلودي أوركسترا . تعاون إمّبارغا فنياً مع شِيف إسيتفان أوساديبي حيث كان يقوم بالتوزيع الموسيقي وتلحين بعض أغانيه، والسبب الأساسي للتعاون بين إمبارغا وأوساديبي هو أنهما يؤديان موسيقى تركز على نقد هادئ ذي الطابع الإجتماعي، ولم يكونا يميلان لمواجهة الحكومة العسكرية والطبقة الحاكمة في نيجيريا كما كان يفعل فيلا كوتي الذي كان يستخدم موسيقاه لمساندة الإشتراكية وحركة البانافريكانيزم في المقام الأول. الحرب والإضطراب السياسي في نيجيريا أثرا على الموسيقى التي أضحت أحد أشكال مقاومة الحكم اللعسكري، حيث قام باباه كِن أوكولولو بتأسيس أحد أبرز الفرق الموسيقية التي تبنت المقاومة السياسية وهو فريق مونومونو والذي يعني أسمه في لغة اليوربا "فجر الوعي". 


غلاف إلبوم لـ فيلا كوتي

غلاف إلبوم لفرقة مونومونو


بعد إنتهاء الحرب في العام 1970 ظل إمبارغا في الكاميرون يراقب الوضع ولم يعد لنيجيريا إلا في العام 1972، ليقوم حينها بالإنفصال ودياً عن فريق ميلودي أوركسترا ويؤسس فرقته الموسيقية الخاصة التى أطلق عليها إسم "روكافيل جاز إنترناشونال" المكونة من عازفين من الكاميرون ونيجيريا وغانا. بدأ إمبارغا وفرقته السير في طريق الشهرة من خلال الغزف في الفنادق والحانات، وبدأت الأضواء تُسلط عليه بعد عزفه في فندق نازا بمدينة أونّتشا التي قال عنها تشينوا أتشيبي: " عوالم خفية يتدفق منها الابداع بجلاء ساطع".

برينس نيكو إمبارغا

أول أغنية أطلقها إمبارغا على صعيد جماهيري هي "I No Go Marry My Papa"، حيث إنتشرت بسرعة في نيجيريا ثم تنطلق نحو كل دول غرب إفريقيا. كانت موسيقى إمبارغا ذات وعي إجتماعي عالٍ، وإستطاعت بطريقة بارعة أن تتناول مواضع جادة ليحولها إلى إيقاعات راقصة من خلال الجيتارات الكونغولية. وبالتدقيق في مضامين الأغاني فسنجد بأن إمبارغا كرّس كل مجهوداته لتطوير المجتمع من خلال الموسيقى كـ Nature، و Another woman's Husband




تسبب  إنخراط شباب نيجيريا في الحرب الأهلية إلى تدهور التعليم بالبلاد، ولتشجيع العودة للمدارس قامت الحكومة الفيدرالية بإعلان مجانية التعليم في البلاد عام 1967، وقد كان إمبارغا أحد المتضريين من الحرب، وأحد المتضريين من الحكومة الفيدرالية لأنها تسببت في دمار مسقط رأسه وتشريد ومقتل أسرته، إلا أن وعى الرجل جعله تسامى فوق جراحه الشخصية وقام بدعم مجهودات تطوير التعليم في البلاد من خلال موسيقاه، وقد قام بجولة في نيجيريا لدعم هذه الخطة بعد توقف الحرب من خلال أغنية Free Education in Nigeria ضمن إلبوم Aki Special.



قمة نجاح إمبارغا كانت عندما أصدر أغنية Sweet Mother  في العام 1976 والتي باع منها أكثر من 13 مليون نسخة، وهو ما جعلها أحد أعظم الأغاني في إفريقيا على مر التاريخ، حيث إختار قراء هيئة الإذاعة البريطانية الأغنية في العام 2004 كأفضل اغنية إفريقية، وأصبح يطلق عليها كذلك لقب "نشيد إفريقيا". من المفارقات بأن شركة EMI  فسخت تعقاهدها مع إمبارغا عام 1974 لأن القائمين عليها إعتبروا بأن الأغنية طفولية وسوف تتسبب في خسارة الشركة. إمبارغا تمسك بموقفه وإنتظر عامين حتى تعاقد مع شركة Rogers All Stars، ومع النجاح الساحق للأغنية التي مزجت بين الإيقاعات في نيجيريا والكاميرون والكونغو تعاظم تأثير إمبارغا ليتعدي إفريقيا ليصل إلى بعض الفرق الموسيقية الكاريبية. 





بعد ذلك أصدر إمبارغا وفرقة روكافيل جاز إنترناشونال تسعة إلبومات ناجحة كان آخرها إلبوم Family Movement الذي صدر في العام 1981، وكان آخر ما أصدره في نيجيريا قبل أن ينتقل إلي إنكلترا عام 1982. من لندن يبدأ إمبارغا مسيرة مختلفة نوعياً، حيث قدم عدد من العروض الموسيقية المميزة هناك بالتعاون مع فرقة أيفوريكوسترز التي تعزف الهفلايف في لندن، وقام كذلك بالتعاون مع المغنية الكاميرونية لويزيانا تيلدا.  حقق إمبارغا نجاحاً كبيراً في إنكلترا جعله يعود إلى نيجيريا ليقوم بتأسيس شركة للإنتاج الفني. في يوم 22 أغسطس من العام 1986 وقع إنفجار ضخم في بحيرة نيوس البركانية في الكاميرون تسبب في مقتل 1700 شخص في ساعة الإنفجار، وقتلت الغازات السامة الحيوانات والنباتات وكل ما يتحرك في محيط  25 كيلومتر حول البحيرة. إمبارغا في تأثر بهذا الحادث وقام بتخليد ذكرى الضحايا في أغنية بعنوان Lake Nyos التي أصدرها لاحقاً في إلبوم Sweet Family


بقرة ماتت إختناقاً بالغار في حادثة بحيرة نيوس عام 1986


وقع الشقاق بين أعضاء فرقة روكافيل جاز إنترناشونال، وتصاعدت الخلافات بعد إستعانة إمبارغا بخدمات فرقة أيفوريكوسترز أثناء فترة وجوده في لندن، وبعد عودته إلى نيجيريا بدأ العازفين الكاميرونيين والغانيين في التذمر وقاموا بالرحيل من الفرقة تِباعاً، ليقوم بعدها إمبارغا بمحاولة إدخال عازفين جدد لإنقاذ الموقف، ولكن الفريق الجديد لم يحقق نفس النجاح القديم. بدأت الأضواء تنحسر تدريجياً من برينس نيكو إمبارغا الذي فقد الرغبة في أن يقدم موسيقى أقل من المستوى الذي قدمه في الماضي، فأعتزال الغناء والعزف وبدأ في العمل في إدارة فندقين، أطلق على أحدهما إسم Sweet Mother، تيمناً بالأغنية التي حققت له النجاح الباهر في مشواره الموسيقي. وفي يوم 24 يونيو من العام 1997 توقف قلب إمبارغا عن الخفقان بعد حادث حركة أليم عن طريق دراجة بخارية، توقف قلب إمبارغا الذي تغنى للأم والمرأة وإفريقيا والحب، ولكن اللمسة الإنسانية التي ميزت موسيقاه مستمرة على الرغم من طول السنين. الأغنية التي قامت بتلخيص كل فلسفة إمبارغا هي Sweet Family والتي كان يحلم فيها بعالم يوتوبياوي تكون فيه الأسرة الصغيرة أساساً لسعادة كونية في عالم خالٍ من العنف والتفرقة العنصرية. عاش إمبارغا تجربة الحرب والتشرد والحرمان وفقدان الأسرة فأراد أن يعكس تجاربه الشخصية في موسيقاه، فأخرج بجيتاره موسيقى راقصة من بين صوت زخات رصاص البنادق.




Post a Comment