Saturday, May 26, 2012

وقفة مع السلطة الخامسة ... حاضر ومستقبل صحافة المواطن في السودان

طلال الناير

المقدمة:
تُعتبر التكنولوجيا أحد أوجه تطور الإنسان وتقدمه. وإذا عرّفنا التكنولوجيا في أبسط صورة فهي الإستخدام البشري الواعي للأدوات والمواد الخام والأنظمة. وربما يكون إستخدام الإنسان الحجري للصخر كأدوات كنقطة بداية مطلقة للتأريخ للتكنولوجيا. وربما تكون الكتابة على الصخور وجذور الأشجار هى أول وسائل الإعلام في التاريخ. قام اليونانيون بإبتكار مصطلح (تكنولوجيا) للتعبير بشكلٍ عام عن العلوم المفيدة، وظل المصطلح بهذه الصورة العامة حتي بداية القرن العشرين حتى كتب عالم الاجتماع ريد براين أن "التكنولوجيا تتضمن جميع الأدوات، الآلات، الآنية، الأسلحة، الأجهزة، الكسوة، سبل التواصل، وأجهزة النقل، والمهارات التي ننتج بفضلها ونستعملها."، وأصبح الأكثر شيوعاً بيين دارسي علم الإجتماع. (1)

يُعرف بيرنارد ستيغلر التكنولوجيا بأنها "السعي وراء الحياة بطرق مختلفة عن الحياة"، وهو ما يقودنا للبحث عن ظواهر وتفاصيل هذه الحياة. البعض يعتبر بأن إستخدام التكونولوجيا في حد ذاته هو مقياس للرقي والحضارة، ولكن هذه الحضارة تصبح بلا معني بدون النظر لتوجهات التفكير البشري وإستخداماته للتكنولوجيا. المخرج الجنوب أفريقي جيمس أويس صور فيلماً كوميدياً وضع في مقدمته مقاربات سريعة للمقارنة بين وعي مستخدمي التنكولوجيا المتقدمة والبدائية. يقول أويس في ملخص اللقطات بأن كل العلوم والتكنولوجيا المتقدمة التي يمتلكها الرجل الغربي لن تساعده في العيش في صحراء كلهاري بدون ماء مثل قبائل البوشمن التي تستطيع إيجاد المياه بوسائل مبتكرة ومدهشة قد لا تخطر للرجل الأوروبي الذي قد يعتقد إمتلاكه للمعرفة الكاملة بمجرد معرفته بإحداثيات الكون ومواقع المجرات، وأظهر أويس بأن ركوب الطائرات وإستخدام الهاتف والفاكس جعل الحياة أكثر تعقيداً، والكون أكثر تلوثاً. الأدوات الحجرية والخشبية تمثل قمة تطور التكنولوجيا عند قبائل البوشمن التي تمتلك نظاماً أكثر وعياً بالبيئة يجعلهم لا يصطادون الحيوانات إلا للحالات القصوى، والصياد من قبائل البوشمن يمتلك من الوعي الذي يجعله يقدم أسفه وإعتذاره العميق لطريدته لأنه أضطر لإصطيادها وأكلها. (2)

الفيسلوف الأنجليزى ألدوس هُكسلى فى رائعته Brave New World صوّر حال الإنسان في دولة يوتوبيا الفوردية التي تستغل السلطة فيها التكنولوجيا ببشاعة لتجعل أعضاء الحكومة العالمية فى مكانة الآلهة فيخلقون من خلال التكنولوجيا بشراً بالمواصفات البدنية والعقلية التى يحبونهامن خلال فقاسات صناعية عملاقة، بشر راضين عن وضعهم الطبقي والإقتصادي الذي وضعته الدولة العالمية لأي مواطن، حتي قبل أن يولد. فعليا،ً لا يستطيع إنسان ذلك الزمان المستقبلي معرفة معني الفوارق الطبقية أو إدارك أي شئ في العالم بعدما قامت الحكومة العالمية بترويضه عن طريق الجنس والمخدرات وغسيل الدماغ الصعق الكهربائي. (3) في هذه الرواية يعكس لنا هُكسلي وجهة نظر مفادها بأن إمتلاك التكنولوجيا في حد ذاته لا تجعل العالم يتقدم، فالمفصل هنا هو إمتلاك القيمة الإنسانية النبيلة.

التكنولوجيا والتغيير:
يرجع أصل كلمة media التي تستخدم كمرادف لكلمة الإعلام إلى كلمة medium، وهو مصطلح يعني "وسيلة". الإعلام مؤسسة طويلة الأمد تقوم بدور في توجيه مزاج المجتمع، مثله مثل أي مؤسسة أخرى كمؤسسة الدين، التعليم، والأسرة وغيرها. وهو يساهم في تشكيل الهوية الجماعية وتوجيه المواقف تجاه مؤسسات أخرى كالمؤسسة السياسية، ما يؤدي لنشوء صراع قد تكسبه المؤسسة السياسية، أو مؤسسة الإعلام. هناك علاقة وثيقة بين الحركات التغيير وتطور وسائل الإتصالات والتكنولوجيا. بدأت عام 1984م الثورة السلمية ضد الديكتاتور الفليبيني (فردناند ماركوس) وأستمرت لمدة ثلاثة سنوات متتالية قام فيها ناشطو "ثورة سلطة الشعب" بإشغال فتيل الثورة السلمية عبر الإستفادة من خدمة الهاتف وهو ما جعل ماركوس يفر مع زوجته إلى جزيرة هاواي عام 1986م، عام بداية الجمهورية الخامسة التي تحكم الفلبيين منذ ذلك الوقت وحتى الآن. ساهمت خدمة الرسائل القصيرة، بالإضافة للهروات الخشبية في الإطاحة بالرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش عام 1999م.

قام الإيرانيون بإنقلاب على الشاه الإيرانى فى العام 1979م، إلا الدور الأكبر فى الثورة لم يكن لقوات عسكرية أو مليشات لمقاتلة نظام آل بهلوى، بل كان مرجع الأمر إلى أشرطة الكاسيت التى تحتوى على خُطب الخمينى القابع فى باريس. وللمفارقة، فقد كادت التكنولوجيا أن تُسقط حكومة الملالي الإيرانية عن السلطة؛ وتحديداً من خلال موقع تويتر الذى أستخدمه أنصار المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي فى التحضير والتنسيق لإحتجاجاتهم على تزوير الإنتخابات عام 2009م. عندما أنشأ مارك زوكربيرج موقع الفيسبوك تخيله فى البداية سيكون مجرد منتدى صغير للتواصل بين طلاب جامعة هارفرد، ولكن شيئاً فشيئاً تضخم الموقع بصورة غير متوقعة فأضحى الآن يضم بين جنباته مليار إنسان دفعة واحدة. فأضحى الموقع نقطة تحول فى تاريخ الأنترنت والتاريخ البشري وساهم في تغيير الكثير من مفاهيم العلاقات الإجتماعية، وتجاوز بعض مستخدميه مرحلة الدردشة ليجعلوه سلاحاً ثورياً فتاكاً ساهم بعالية في تغيير الأنظمة السياسية في منطقة الشرق الأوسط فيم يُعرف بـ(الربيع العربي).

السلطة وصحافة المواطن:
يُفضل البعض قصر تعريف صحافة المواطن بأنها صحافة الإنترنت، ولكنني أراها أكثر إتساعاً لتشمل كل الأنشطة التي يتم تشاركها بواسطة وسائل الإعلام، فأنا أعتبرها أي نوع من الأنشطة الإعلامية الصحفية التي تقوم بجمع جمع و نقل و تحليل و نشر الأخبار و المعلومات من أجل رفع الوعي الشعبي. وهذا الإعلام نشأ كظاهرة معقدة نتيجة للتطور التكنولوجي الذي يجعل وسائل الإعلام الكلاسيكية أقل كفاءة ً في نقل الأخبار من جهة، وتطبيق عملي للتمرد على أدوات الإعلام التي أصبحت في يد الحكومات وحلفائها. مثلت ومازالت تمثل حرية الصحافة ثيرمومتير لقياس لصحة وإعتلال الممارسة الديموقراطية لأي نظام سياسي، وبمقدار ضمان هذه الحرية يتم فرز الأنظمة وتصنيفها إلي ديموقراطية أي شمولية. إعتبر وليم هازلت بأن الصحافة هي "السلطة الرابعة" إلي جوار السلطات الثلاثة التقليدية في أوروبا القرن التاسع عشر؛ الملك والكنيسة والسلطة البرلمانية الجديدة. لقد إبتدع هازلت مصلطح السلطة الرابعة عندما كان يتابع نقاشاً بين أعضاء البرلمان الإنجليزي، فلمح مندوب إحدي الصحف وقال: "... وهذا هو ممثل السلطة الرابعة!"، قاصداً بذلك التأثير علي تحريك الجماهير!

مصطلح (السلطة الرابعة) لم يكن دوماً بالصورة الإيجابية التي يتصورها البعض الآن، فالصحافة حينها كانت الوسيلة الأنجع والأسرع في إثارة الغوغاء والرعاع من الجماهير وتهييجها في وجه السلطات الثلاثة، السلطات الثلاث إستشعرت خطر هذه القوة الجديدة فسعت حثياً للسطرة عليها، وهو ما حصل بالفعل في أكثرية دول العالم. لاحقاً أصبحت الصحافة الورقية المنافس الأكثر ضعفاً في الميدان الإعلامي في وجود منافسين أكثر ديناميكية وقدرة علي التجديد والإبتكار؛ فالتلفزيون والإذاعات لها الأسبقية علي الصحف في إيراد الأخبار ولها دائرة تأثير أكبر. والطبع كانت هذه الوسائل أيضاً تحت السيطرة الحكومية التي بدأت بالتصدع بعد ظهور الإنترنت الذي إنعتق بواسطته الكثيرون من سلطة الإعلام الرسمي، بل وإزدهرت صحافة المواطن التي جعلت رجل الشارع سلطة رابعة بالمعني الحرفي للكلمة، ولكن للدقة والترتيب فأنه بإمكاننا إعتباره السلطة الخامسة!

تقريباً، توجد في دساتير كل دول العالم نصوصاً رائعة عن حرية الصحافة، إلا إن فوبيا العلاقة بين الصحافة والسلطة الحاكمة إدت إلي فقدان الثقة بين الطرفين، ووهو ما أفقد الجماهير حقها في تملُّك المعلومات. ومع مرور الوقت خرج المواطن العادي من هذه الدوامة وأصبح غير مقتنعاً بوضعه التقليدي كمتلقي سلبي للأخبار ومتابعتها، فأصبح يمتلك القدرة في صنع الأحداث نفسها من دون الحوجة للخضوع للسلطة الحاكمة التي فقدت إمتيازاتها التاريخية وسيطرتها على وسائل الإعلام التقليدية، فمواقع الإنترنت تتيح لأي شخص أن يكتب فيها أراءه بحرية، ومن خلال جهاز الموبايل أمتلك الكثيرون المقدرة على تسجيل ملفات فيديو يتناول محتواها الشئون الشخصية ليتسع إلى الأوضاع السياسية والشئون الدولية، وقد أصبح هذا الإعلام من الديناميكية بحيث حاولت الحكومات السيطرة عليه من خلال قطع الإنترنت وحظر المواقع، وأحياناً إعتقال وإغتيال المشاركين في هذه الثورة التكنولوجية. صحافة المواطن حوَّلت المستخدمين السابقين إلى منتجين جدد رسائل إعلامية، وحققت لهم مفهوم الجمهور النشط بكافة أبعاده، ورفعت من محتوى المعلومات بشكل ليس له مثيل في التاريخ البشري، كماً ونوعاً. الغالبية العظمى من الناشطين في صحافة الإنترنت لا يرجون من نشاطهم الكسب المادي، وإنما عرض وجهة النظر والتعبير عنها، وإستمالة الناس نحوها لتأييد أطروحاتهم السياسية والإجتماعية وحشد الدعم لخلفياتهم الأيدولوجية. الجانب التطوعي في صحافة المواطن جعل هؤلاء النشطاء يخرجون بصورة شبه كاملة عن السيطرة، خصوصاً من جانب سلطة المال التي تحرك الصحافة، فيصبح هنا (الضمير) هو السلطة الأخلاقية العليا عند هؤلاء النشطاء الإعلاميين الجدد.

صحافة المواطن في السودان:
يقول أحمد آدم عن مفهوم السلطة: " كثيرا ما يختلط مفهوم السلطة مع مفهوم الدولة، رغم أن الأمر ليس كذلك بالضرورة ، فالدولة سلطة ولكن ليست كل سلطة دولة ، بمعنى أن السلطة لا توجد فقط كأجهزة ومؤسسات سياسية وادارية (أجهزة الدولة) بل نجد السلطة متشابكة داخل النسيج الاجتماعي كما يذهب الى ذلك ميشيل فوكو عبر مساهمته في تقديم ممهدات فكرية تحض على اخراج النظر النقدي لاستراتيجيات السيطرة ومقاومتها من المنظومة التقليدية المتوارثة والدائرة على تعقل الظاهر في علاقات السلطة ، كي يخوض في باطن هذه العلاقات بالاستناد الى أعمال محللين وفلاسفة مثل فرويد ، نيتشة وماركس....".(4) ولا يمكننا قراءة واقع صحافة المجتمع بدون دراسة مفهوم السلطة وتقييم علاقة الحكومات العسكرية والحركات المنادية بالديموقراطية في السودان. قال الناشط السياسي حسان الحاجبي من تونس: "هل يجب علينا أن نسميها صحافة المواطن؟ هذه الصحافة ليست لنقل الأخبار، وإنما لصناعة البديل السياسي ... إنها صحافة المقاومة!".(5) وعلى ضوء إتفاقي مع حسان فيمكنني إعتبار تجربة صحافة المواطن في السودان جزء لا يتجزء من مسيرة النضال من أجل إسترجاع الديموقراطية في البلاد، وهنا يتعاظم دور المنسبين للسلطة الخامسة كحركة تغيير إجتماعي وسياسي ينظر إليها البعض بشغف، والبعض بريبة وتوجس.

بعد إستيلاء الجبهة القومية الإسلامية على السلطة عام 1989م بإنقلاب عسكري قامت بمصادرة وإغلاق كل الصحف وأصبحت تتحكم في الإعلام بصورة كاملة. ولكن هذه السيطرة بدأت تضعف مع دخول الإنترنت للبلاد. في البداية لم يكن هناك شكل واضح للعمل السياسي من خلال الإنترنت، ولاحقاً شكل ظهور المنتديات الإلكترونية مثل (الراكوبة)، (سودايز أونلاين)، (سودان فور أول)، (سودانيات) وغيرها بوابة جديدة للإعلام الجديد الذي يضم كذلك المدونات ومواقع التوصل الإجتماعية. من خلال هذه المواقع تبدلت العديد من المفاهيم السياسية وبدأت تشكل قوى جديدة بمفاهيم مغايرة أخذت في عاتقها التغيير الإجتماعي والسياسي. الأجيال الجديدة إستشعرت مسئولية التغيير لتعرفها على الفرص المفتوحة التي يتيحها الإعلام الجديد الذي عزز الترابط والتكامل بين أفراد المجتمع الذين أصبحوا يتبادولون الحوار المباشر بطريقة لم يعتادوها من قبل، وهو ما رفع أيضاً من إحتمالات التصادم بين مكونات المجتمع التي ظلت الحكومات تسيطر عليه وتحاول إخفاء الفروقات الطبقية والثقافية بين أفراده من جهة، وبين هؤلاء الأفراد والحكومة من جهةٍ أخرى، وبين الأفراد والتنظيمات السياسية من جهة ثالثة. ومن خلال الإنترنت أستطاع بعض الناشطين إبراز فجوات في جسم الأحزاب الأحزاب السياسية (حكومةً ومعارضةً) لم تكن لتحدث لولا إنتشار الإنترنت، وهي في نهاية الأمر ظاهرة صحية، فتجربة العمل السياسي من خلال الإنترنت بكل ما فيها من سلبيات قادرة على إنضاج تجارب الأحزاب السياسية والأفراد في سبيل بناء ديموقراطية في ظل إنغلاق ساحة العمل السياسي المباشر.

مثّل الإنترنت وتكنولوجيا الكمبيوتر والهواتف النقالة والكاميرات الشخصية عماد صحافة الإنترنت فهي قد فتحت أبواباً للتحرر من سطوة الإعلام الموجه. وقد قام بعض الناشطين في الإنترنت ببث مواد صحفية شكلت هزات عنيفة لدى النظام الحاكم الذي كان دوماً يسخر من الناشطين السياسيين على الإنترنت فأطلق عليهم ألقاباً يتندر فيها منهم، مثل (مناضلي الكيبورد) و (المناتلين)، ولكن الضربات الموجعة التي وجهه هؤلاء النشطاء جعلت الحكومة تعيد النظر مرتين قبل أن تسخر منهم ومن دورهم الضعيف في التأثير على الساحة السياسية السودانية!

عقب فشل هجوم حركة العدل والمساواة على مدينة أمدرمان يوم 10/5/2008م قامت الحكومة السودانية بحملة أمنية في العاصمة قائمة على تنميط عنصري جعلت جهاز الشرطة يلقي القبض على كل من يحمل سحنة سكان غرب السودان وقامت الحكومة بإطلاق شائعة بأن الحركة الدارفورية المسلحة هجمت على العاصمة الوطنية بمساعدة مرتزقة من دولة تشاد! أظهر شريط فيديو مسرب الإهانات العنصرية التي لقيها أطفال مشردون تم القبض عليهم عقب الأحداث، وأظهر الفيديو الذي تم تصويره بموبايل التعذيب الجسدي القاسي لأطفال قاصرين.

من خلال مواقع الإنترنت قام نشطاء بطرح تغطيات وتقديم مستندات شكلاً إحراجاً للحكومة، وللصحافة الرسمية المتمركزة حول المكاتب والتي تعجز عن مواكبة الأحداث وتغطيتها وإعادة نشرها بدون موافقة الحكومة العسكرية. ففي العام 2011م قام جعفر حضر من خلال موقع سودانيز أونلاين بنشر ملفات تخص قضية فساد أكاديمي ومالي في جامعة القضارف وذلك عقب نشره لمستندات القضية وهو ما جعل القضية تخرج من الموقع الإلكتروني ليتم نقل القضية إلى أروقة القضاء ومحاكمة جعفر خضر.

من خلال موقع اليوتيوب شاهد مئات الآف لقطات الفيديو الذي سُجل من خلال موبايل في ساحة قسم الكبجاب بمدينة أمدرمان، يظهر في الفيديو الجلد العلني القاسي لفتاة بسبب إرتدائها البنطلون الممنوع حسب قوانين الشريعة الإسلامية في السودان. صراخ وعويل الفتاة أيقظ كل العالم، ومع سرعة إنتشار الفيديو زاد غضب الحكومة السودانية ذات السجل السئ في مجال حقوق الإنسان. السجل الذي تخطي مرحلة التعذيب المنهجي والإعتقال ليصل سقف الإنتهاكات فيه لدرجة توجيه إتهامات المحمكة الجنائية الدولية الإبادة الجماعية والقيام بجرائم ضد الإنسانية لرئيس الجمهورية السودانية. ومن خلال مواقع الإنترنت وصفحات الفيسبوك والمدونات إنتشر تسجيل صاعق للفنانة التشكيلية والناشطة السياسية صفية أسحاق تتحدث فيه عن تجربتها المريرة مع أفراد من جهاز الأمن والمخابرات الذين قاموا بإغتصابها بصورة جماعية في مكاتبهم في مدينة الخرطوم بحري وذلك لمشاركتها في مسيرة 30 يناير 2010م. بعض المواضيع سبب إحراجاً للرئيس البشير رغم طرافتها، ومنها مقطع فيديو مسرب يوضح الرقص الحماسي للرئيس السوداني مع مجموعة من الفتيات في إحد الأعراس. فإذا تجاوزنا طريقة رقص البشير التي تفتقد للوقار والتناسق الحركي، فسبب الضحة حول الفيديو أن الرقص المختلط ممنوع بأمر قانون النظام العام، وليصبح الرئيس مخالفاً للقانون الذي سنته يده، وكذلك لتزامنه مع حروب عنيفة نتج عنها مئات الآلف من القتلى والجرحى الذين لم تقدم لهم الحكومة مجرد كلمة إعتذار أو أي بادرة للتضامن معهم!

هذه القضايا لم ولن يكون بمقدور المواطن العادي مشاهدتها أو حتى المعرفة بها من خلال وسائل الإعلام الحكومية، فنشطاء الإنترنت يقومون بالتركيز على تصوير ونقل الأحداث من الزوايا التي تهملها الصحافة إما تغافلاً أو تواطؤءً، أو نسبة لبعدها عن ساحة الحدث ساعة وقوعه، وهو ما يعطي صحافة المواطن دوراً تكميلياً لبقية وسائل الإعلام، وتمكين المتلقي من تشكيل صورة كاملة حول ما حدث، من الجانب الصحافة التقليدية والصحافة الرقمية. نشطاء صحافة الشارع السودانيون يقومون بكتابة ورسم وتحليل الأحداث وإعادة تقديمها إلى الجماهير من وجهة نظرهم الخاصة، وبطرق تفقد أحياناً للجودة الإحترافية التي تتمتع بها وسائل الإعلام التقليدية. وهذا الشئ جعل البعض يكيل الإتهامات إليهم بأنهم يعملون بطريقة متهورة وغير واعية بالتعقيدات العرِقية والدينية والمشاكل السياسية في السودان، وأحياناً يتم إتهام الناشطين بالتزوير والفبركة والتدليس، وكذلك الإنجراف الأعمي لإرضاء الخلفيات السياسية والقناعات الأيدولوجية على حساب (المصلحة الوطنية). ويصنّف البعض صحافة المواطن ضمن الصحافة الصفراء وذلك لجنوحها إلى الإثارة وعدم إمتثالها لضوابط العمل الصحفي التقليدي الذي يقتضي التحري من صدقية الأخبار والتدقيق في المصادر.

لمصلحة تطور صحافة المواطن فأنه يتطلب علينا النظر لملياً لهذه الإتهامات ومحاولة الرد عليها، فهي وإن كانت كيدية ولكنها تحمل جانباً من الصحة، فانفصال أدوات الإتصال عن أي قيم أو ضوابط مجتمعية يجعل من الحرية المتاحة فوضى مدمرة. فأي مجتمع بشري له قواعده التي تضبط حدود التفاعل بين أعضاءه، وهو أحياناً ما قد نفتقده في الإنترنت الذي قد يصبح أداة تدميرية كاسحة أو وسيلية تعليمية هي الأفضل في تاريخ البشرية. وعينا بالطبيعة المزدوجة للإنترنت تجعلنا نستصحب حديثنا في المقدمة عن ألدوس هُكسلي ورؤيته للتكنولوجيا فقط لا تجعل العالم مكاناً أفضل بدون القيم الإنسانية.

هوامش ومراجع:
(1) Read Bain, Technology and State Government, American Sociological Review, Issue No.2, December 1937
(2) Jamie Uys, The Gods Must Be Crazy, Part 1, 1980
(3) طلال الناير، كابوس ألدوس، المدونة، 6/1/2012م
(4) أحمد آدم، جدلية الشيخ - الحوار- العبد في المجتمع السوداني، موقع سودان فور أوول، 25/5/2008م.
(5) حسّان الحاجبي، ملتقي نسيج للإعلام ووسائل التعليم البديلة بمدينة شرم الشيخ،  جلسة صحافة المواطن، 18/5/2012م.



Post a Comment