Saturday, March 24, 2012

جمهورية السودان العسكريتارية

ذكرت الصحف بأن العقيد مجدي جيلاني معتمد محلية باسندة بولاية القضارف أصدر قراراً بإغلاق مستشفي (أم خرايت) التي تقدم خدماتها الطبية لأكثر من 30 الف مواطن. سبب إغلاق المستشفي هو رفض مدير المستشفى الوقوف لاستقباله اثناء زيارة للمستشفى. بعدها وجه "العقيد" نائب الدائرة بالمجلس التشريعي بإغلاق المستشفي!

من أدبيات (الجياشة) التي تسربت للحياة المدنية مقولة "العسكرية تصرّف". ولكن هل يمكننا إعتبار إغلاق الرجل عسكري للمستشفى من حسن التصرف؟ هل يعتبر عدم وقوف الطبيب للعسكري إهانة؟ هل من حق ضابط جيش إغلاق مستشفي تقدم خدماتها لأكثر من 30 الف سوداني لأجل رد كرامته أمام طبيب؟ الأ توجد وسائل قانونية يمكن لضابط الجيش محاسبة الطبيب ومعاقبته إن كان مخطئاً من بدلاً من هذا التصرف؟ هل الأولوية عند معتمد محلية باسندة رد إعتباره كعسكري أمام الطبيب أم مواصلة المستشفي تقديم الخدمة للمواطنين؟ هل مستشفي (أم خرايت) مملوكة لمدير المستشفي أم للشعب السوداني؟ وهل لنائب الدائرة بالمجلس التشريعي صلاحيات تنفيذية لإغلاق المستشفي؟ هل دخل نائب الدائرة بالمجلس التشريعي لموقعه لخدمة وإرضاء الـ 30 الف مواطن سوداني أم للبحث عن رضا العقيد مجدي جيلاني؟ وهل رتبة مجدي جيلاني في الجيش السوداني تعطيه أولوية وأفضلية علي بقية السودانيين حتي يكون هو الخصم والحكم؟ هل التدريب العسكري يؤهل صاحبه لتقلد منصب مدني يجعله في مواجهة مباشرة مع المواطنين المدنيين بهذه الصلاحيات الواسعة؟ هل هناك حوجة فعلية لتعيين ضابط جيش في موقع مدني لا علاقة له بالعمل العسكري، وخصوصاً في المناصب الصغيرة كمعتمد محلية؟

 

هذه التساؤلات يجب أن تدفعنا للتفكير في الهيكل المؤسسي للدولة ومواصفات شاغلي المناصب في البلاد، وكذلك مراجعة موقف الجيش ومنسوبي المؤسسة العسكرية في إتخاذ القرار السياسي. فوضعية الجيش في إدارة الدولة تحتاج إلي مراجعة. في بعض الدول لا يُسمح لعساكر الجيش بالتواجد بملابسهم العسكرية في وسط المدنية وذلك لإحترام هيبة الدولة. وعند الحوجة لتواجد عسكريين داخل المدن فأنهم يرتدون ملابس موحدة أشبه بملابس  المدنيين، وهم لا يحملون أسلحة في الشوارع. ولكن في السودان علي شئ يسير عكس باقي السائد في العالم.

الدولة الكولونيالية الإنجليزية المصرية أنشأت قوة دفاع السودان؛ والذي هو نواة الجيش السوداني، وذلك بعدما بعدما حرصوا علي الأ يدخله إلا الصفوة وأبناء ؤرساء العشائر ووجهاء المجتمع. الجيش السوداني كان كأي جيش بناء الإستعمار الأجنبي في بلد أفريقي متخلف، ما أن يجد السانحة للإنقضاض علي السلطة فإنه سيفعل ذلك بأكثر الوسائل عنفاً ودموية. قراءة تفاصيل 48 سنة من حكم العسكر في السودان وملايين القتلي كفيلة بتوضيح وجهة نظري.
الجيش السوداني فقد صفته الإحترافية ليصير تابعاً للحزب وليس للدولة، وهذا التغيير لم يكن فقط من الناحية التنظيمية والهيكلية بعملية الإحلال والإبدال بعناصر الإسلاميين، بل الأمر وصل لتغيير العقيدة القتالية للجيش السوداني ذاتها. قبل إستيلاء الإسلاميين علي السلطة كانت العقيدة القتالية للجيش السوداني هي الدفاع عن الدولة السودانية والموت في سبيل الوطن. لكل بعد إنقلاب الإنقاذ الوطني تغير محفز القتال عند الجنود إلي الموت في المشروع الإسلامي الذي رعاه حسن الترابي، ومن بعده البشير.

الجيش السوداني تحول من جيش نظامي إلي مستثمر في الأسواق، فأضحي بعض قادة الجيش مرتبطين بحركة السوق والخائضين فيه من السماسرة المحسوبين علي الحكومة القابضة علي رقبة السلطة والثروة في السودان. ومن خلال قانون الفصل للصالح العالم تغير الجهاز المدنية أسوة بما حدث في الجيش والشرطة والأمن، قانون الفصل للصالح العام الذى كان يُفرغ مؤسسات كاملة من أكفأ العناصر المدربة ليحل مكانهم اﻹسلاميون. لم ينتبه قادة الجيش بأن أسم المؤسسة التي ينتسبون لها هي "قوات الشعب المسلحة" وبأن واجبهم الأول هو خدمة الشعب، وبأن السلاح الذي يحملونه في أيديهم حصلوا عليه بتفويض من الشعب السوداني، وأن هذا السلاح يجب أن يستخدموه لخدمته. ولكنهم قاموا بتوجيه السلاح إلي صدور ومنازل الشعب السوداني وساهموا في تقويض الحكم الديموقراطي المنتخب.



لم يفكر العقيد مجدي جيلاني في عواقب إغلاقه للمستشفي وإلحاق الضرر بـ30 ألف سوداني وعرض أرواح الأطفال والنساء الحوامل والمرضي للخطر ورهق السفر من (أم خرايت) إلي (دوكة) للأستشفاء علي الرغم من وجود مستشفي في المنطقة.  فالعقيد يدرك في وعيه الباطن بأنه جزء من منظومة دولة تحكم ولكن ليس لديها أية لمراقبة ومحاسبة المدنيين، فما بالك بمعاقبة العسكريين. وهو يدري بأن الفظائع التي أرتكبت في السودان بأسم الجيش لم تجد المحاسبة ولا حتي الإعتذار، فهل سيخشي سيادة العقيد من المحاسبة والعقاب من تصرفه في حادثة الطبيب؟

العقيد مجدي جيلاني يذكرني بالمشير عمر البشير. فالقضيتين تبدوان ظاهرياً لا رابط بينهما، ولكن إذا أمعنا في الأمر فإننا سنجد أن كلاهما يستند علي عقلية عسكرية عنيفة لا تملك أية آليات للتعامل مع شئون تخل بقوة القانون وليس قانون القوة؛ فالعقيد قام بـ(شخصنة) قضية قانونية ليتسبب في الإضرار بمصلحة محلية من أم خرايت. أما المشير عمر البشير فقام بالإضرار بمصالح الشعب السوداني وذلك بـ(شخصنة) قضيته القانونية مع المحكمة الجنائية الدولية. البشير ربط مصير ملايين بمصيره في قضية قانونية أبعادها ظاهرة وكان يمكنه تقديم دفاعاته للرد علي إتهامات المحكمة التي أصدرت مذكرة للقبض علي الرئيس بناءً علي قائمة بأدلة مبذولة للجميع كان يمكن الرد عليها بمستندات قانونية بدلاً من الجعجعة الإعلامية والإضرار بمصالح الشعب السوداني الذي أصبح محبوساً مع البشير في قفص واحد.
منذ أستقلال السودان من الإحتلال الإنجليزي المصري عام 1956 كان نصيب الحكم الديمقراطي 8 سنوات فقط وحكمنا العساكر 48 سنة أذاقونا فيها ألواننا من الموت والعذاب والذل. في الماضي كان السودانيون يفتخرون بأسم دولتهم؛ "جمهورية السودان الديمقراطية"، فقد كنا نفخر بأننا من الدول القليل في العالم التي تصبح الديمقراطية جزء من الأسم الرسمي للدولة. ولكن بعد إنقلاب 30 يونيو أصبحت البلاد جمهورية بدون ديمقراطية، دولة يحكمها العسكر. فكانت النتيجة بأن أصبح السودان علي رأس قائمة الدول الفاشلة والفاسدة والمهددة للسلم الإقليمي والدولي بعدما أصبحت تقوم بالحروب علي مواطنيها الذين قتلهم الجوع والجهل والمرض قبل أم تقتلهم أسلحة الجيش الذي يفترض أن يحميهم. أهالي (أم خرايت) يندبون حظهم كما بقية السودانيين، وهم يدركون بأن لا معين لهم سوي الصبر والترديد في سرهم (حكم العسكر ما بيتشكر)! متي نتحرر من خوفنا ولنهب لإسقاط حكم جمهورية السودان العسكريتارية!

شعار الدولة قبل الإنقلاب

وشعار الدولة بعد الإنقلاب



Post a Comment