Wednesday, June 1, 2011

مكيجة الهوية وتلوين الدين

مكيجة الهوية وتلوين الدين

النيل أبو قرون نموذجاً



طلال الناير

الهوية، كما يقول عباس الطائى فى مقاله (آفة اللغة والهوية، تعبر عن حقيقة الشيء المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية التي تميّزه عن غيره، كما تعبّر عن خاصية المطابقة، أي مطابقة الشيء لنفسه أو لمثيله، وبالتالي فالهوية الثقافية لأي شعب هي القدر الثابت والجوهري والمشترك من السمات والقسمات العامة التي تميز حضارته عن غيرها من الحضارات. أما الدين فهو مصطلح مثير للجدل يقوم كل فريق بتعريفه حسب وجهة نظره فهناك من يعرف الدين إختصاراً بمجموعة العقائد والأفكار الى تفسر لمعتنقيها تساؤلاتهم حول الكون، أو أنه مؤسسة للتعبير عن سلطة إلهية والإعتقاد الراسخ فى قوى خارقة للطبيعة تتحكم فى مصائر البشر، وأحياناً الإعتقاد بعدم وجود أى إله أو قوى ميتافيزيقية مقدسة وتقوم بنقد أى إعتقاد فى سلطة إلهية. والدين كما يقول الفيلسوف الألمانى فريدريك شلايرماخر هو معجزة العلاقة المباشرة مع اللانهائية، والدوغما هى إنعكاس تلك المعجزة، وعتبر البعض أن الدين حلقة في تطور الميثولوجيا التي اخترعها الانسان الأول لتوصيف نفسه في الطبيعة وتنظيم صلته بالظواهر الطبيعية.

قرأت قبل فترة خبراً مفاده إصدار الشيخ النيل عبد القادر أبو قرون كتاباً بعنوان (نبى من بلاد السودان – قراءة مغايرة لقصة موسى وفرعون)، وهو الشيخ الذى ساهم فى صياغة قوانين الشريعة الإسلامية التى صدرت بالسودان فى سبتمبر من العام 1983.


ملخص فكرة الكتاب كما ذكرت الصحيفة بأن الشيخ أبوقرون قال بأن النبى موسى سودانى وليس مصرى، وقال إن وجود اليهود فى السودان يرجع إلى عهد النبى يوسف وهو االتفسير الذى على أساسه برر به وجود يهود أفارقة غير بنى إسرائيل أصولهم أفريقية مستدلاً بيهود الفلاشا الأثيوبيين. وقال الشيخ النيل أبو قرون أن المسطح المائى الذى إنشق وإبتلع فرعون هو نهر النيل وليس البحر الأحمر وتحديداً بين منطقتى الشلال الثانى والشلال الرابع. وقد قال أبو قرون بأن فرعون هو الملك ترهاقا الذى ذكرته التوراة بسفر الملوك الثاني وسفر اشعيا، الملك ترقاها وقام بمحاربة الأشوريين وأمراء فينيقيا ويهوذا، وأثر هزيمته فى فلسطين صب ترهاقا جام غضبه على كل بنى إسرائيل الذين يسكنون فى مملكته والذين هم قوم النبى موسى وشقيقه هارون. قدم أبو قرون بعض الفرضيات التى تقول بأن تكليم الله لموسى لم يكن فى سيناء، بل كان بالقرب من جبل البركل شرق نهر النيل، وهى النقطة التى يرجح أبو قرون غرق فرعون وجنوده فيها!!



محاولة الشيخ أبو قرون فى "سودنة الدين" ليست بجديدة وكلنا نذكر من قبله الطرح الذى كان يقول بأن السودان هو أرض الهجرة الأولى لصحابة النبى محمد بن عبد الله، وأن الملك النجاشى سودانى الأصل وليس حبشيا، وهذه الإدعاءات تم الرد عليها فى حينها بإستدعاء الجغرافيا الحاضرة ومقارنة الراويات بالوقائع وآثار قصر النجاشى الحاضرة على أرض الحبشة.

بصورة عامة يمكننا تفسير تجربة (النيل أبو قرون وآخرون) فى سودنة الهوية العربية الإسلامية ضمن إطار صراع الهوية فى لسايكولوجية بعض المستعربين السودانيين والتى تشكلت تحت ضغوط جعلتهم ينسحبون من واقعهم الأفريقى الأصيل إلى هامش هوية عربية لا تعترف بهم، هوية مشكوك فيها تجعلهم يقدمون الرشاوى والمغريات والتضحيات والمساومات للقابعين فى المركز العربى من أجل الإعتراف بهم.

قام هؤلاء بالإنحراف بالهوية السودانية إستجابة للدواعى السياسية والديموغرافية التى ترتب عليها تواجدهم على تخوم العالم العربى والإسلامى. إنها عملية تماهى طويلة جعلت بعض المستعربين السودانيين ميالين بشكل هيستيرى إلى تقليد العرب والإرتباط بالقضايا العربية والتشدد فيها أكثر من بعض العرب الأصلاء. فعلى سبيل المثال، أصبحت الحكومة السودانية، أكثر راديكالية تجاه أحداث الصراع العربى الإسرائيلى من أصحاب القضية أنفسهم. ولتتأملوا مثلاً موقفها المتصلب تجاه مقترح (دولتين على أرض واحدة) والموقف من حدود الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها على حدود العام 1967، و وهو الموقف الذى كان أكثر تطرفاً من موقف رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس أبو مازن وبعض دول المواجهة مع إسرائيل.

يحضرنى حديث لوصال المهدى التى قالت إنه يجب تغيير إسم السودان بعد إنفصال الجنوب لأن هناك بعض السودانيين من هم أكثر عروبة من بعض قبائل الحجاز! وصال المهدى تتجاهل كل هذه الأنوف الفطساء والشعر المجعد واللون الأسود لغالبية الشعب السودانى لتقول بأننا عرباً لمجرد تحدثنا باللغة العربية؟ أغلبية مذيعى نشرات الأخبار السودانيين لا يستطيعون حتى الآن أن ينطقوا حرف (القاف) كما هو ينطقه أصحابها فيجعلون بلكنتهم (ذكرى إستقلال السودان) تتحول إلى (ذكرى إستغلال السودان)!

محمد أزرقى بركان فى مقاله المعنون بـ(التحول هل هو بناء الهوية أم تشويه لها؟) بمجلة "فكر ونقد" قال فيه بأن الفرد يستمد إحساسه بالهوية والانتماء من خلال الشعور القومى، ويحسّ بأنه ليس مجرد فرد نكرة، وإنما يشترك مع عدد كبير من أفراد الجماعة في عدد من المعطيات والمكونات والأهداف ، وينتمي إلى ثقافة مركبة من جملة من المعايير والرموز والصور وفي حالة انعدام شعور الفرد بهويته نتيجة عوامل داخلية وخارجية ، يتولد لديه ما يمكن أن نسميه بأزمة الهوية التي تفرز بدورها أزمة وعي تؤدي إلى ضياع الهوية نهائيا.

نهج الشيخ النيل عبد القادر أبو قرون، بوعى أو بدون وعى منه، يرمى إلى الإندماج أكثر فى الهوية العربية الإسلامية وخلق مخرج ﻷزمة الهوية تلك بمحاولة خلق دور محورى فى إحدى أكثر القصص الأسطورية مركزية فى اليهودية والإسلام والمسيحية وهى قصة هروب موسى من مصر إلى أرض الميعاد "الإفتراضية".


هدفى من المقال ليس نفى أو إثبات صحة إفتراض الشيخ أبو قرون من عدمه ، بل تحليل أسباب هذا المنحى الذى أتخذه أبو قرون بقراره كتابة كتاب يحاول فيه إثبات سودانية النبى موسى. منهج أبو قرون هو جزء من منهج مستعربى السودان فى الإرتباط بالمركزه العربى وجزء من هذا المنهج يتمثل فى التشديد على مركزية اللغة العربية فى الإنتماء للعروبة والإسلام، وهم يتسلحون بالدين للإستدرار العاطفى بقولهم أن اللغة العربية هى لغة مقدسة قد أنزل بها القرآن وهى لغة أهل الجنة وأن النبى محمد قد قال بأن من تحدث العربية فهو عربى. وأيضاً محاولة إيجاد أنساب تربطهم بأحد اﻷجداد العرب، يتباهون بلسان أب عربى غائب ويتنكرون لملامح اﻷم اﻷفريقية البائنة على سحناتهم.

ولتعويض نقص الملامح المعيارية للعرب عند بعض المستعربين السودانيين يحاولون التغطية عليها بإبراز الفصاحة فى اللغة والتأكيد على النسب العربى بتجويد لغة الضاد، لكننا نجد أن هذا المنهج غير صحيح إذا تفكرنا قليلاً فى اللغة والتى نجدها "مكتسبة وليست وراثية".

على سبيل المثال، إذا جلبنا رضيع صينى وربيناه فى البرازيل فإنه سيكون متحدثاً بالبرتغالية ولن يكون مدركاً للغة الماندرين التى يتحدثها والداه وأجداده بطلاقة، وحتى اللهجة البرازيلية المشتقة عن اللغة البرتغالية التى يتحدث بها سكان مدينة باهيا أقصى الشمال تختلف عن لهجة برازيلو ساو باولو، واللهجتان تخلفان عن لهجة مدينة كورتوبا على حدود الأرجنتين فى أقصى الجنوب. ولهجة كل البرازيلين والأنجلويين والموزمبيقيين وبعض الأندونيسيين المتحدثين للغة البرتغالية تجعلهم يتحدثونها إكتساباً وليس أصالة نسبة لظروف الإستعمار أو الهجرة والتعليم وغيرها. مختصر الفكرة إن تحدثهم باللغة البرتغالية لن يجعلهم برتغاليين خلصاء كالعم خوسيه سراماجو و مارسيلو كايتانو و ألفريدو كييل، أو حتى كرستيانو رونالدو.

تحدث السودانيين للعربية يشبه تحدث الكينيين للإنجليزية والتشاديين للفرنسية. أعظم المقلديين والنساخين يعلم بأن النسخة التقليدية عن اللوحات لن تكون شبيهة الأصل، ومئات الآف من النسخ الـ(فوتوكوبى) التى تباع فى شوارع أى مدينة أوروبية من لوحة زهرة الخشخاش لن تجعلها يوماً ما فى القيمة المادية والفنية للوحة للفنان الأصهب (فان غوخ).

رجوعاً إلى أبو قرون وسودنته لأسطورة موسى وفرعون والحديث عن الأصل السودانى للنجاشى فإننا نجد أن كل هذا ليس بسابقة فى السلوك لنا كسودانيين فقد سبقهم عليها آخرون فى أمم وأديان أخرى. وأقصد هنا ذلك السلوك الذى يهدف إلى خلق مركز للعالم مبنى على تحوير فكرة أو شئ ما، ومن ذلك المركز يتم تبنى تفسير وقائع العالم حسب وقع أهواء أصحاب التحوير. إنها محاولة لخلق مركز أصيل ومحاولة التملص من هامش وجدوا أنفسهم به.

إعادة التركيب والتحوير و (مكياج الهوية) هذه شبيهة بفعلة الكنائس الأنجلوساكونية عندما صورت المسيح بشعر أشقر وعيون زرقاء من أجل تحقيق الرضا لدي الذين يدورن فى منظومتها وتماهياً منسجماً مع هويتهم، وهو نفس الشئ الذى قام قامت به الكنيسة الأثيوبية برسمها لمسيح على ملامح سكان بلاد الحبشة: "أسمر اللون، وأسود العينين". وهناك بعض الكنائس السوداء تتبنى رواية طريفة / متطرفة ملخصها أن المسيح لم يولد فى الناصرة بل جاء إليها مهاجراً من الحبشة، وهم يسندون فى ذلك على الرؤية المنامية للمبشر الأنجيلى الأمريكى بيلى جرهام والتى يقول فيها أن المسيح جاءه فى منامه، وأنه عندما شاهده أمامه وجده جرهام لم يكن أبيض اللون وليس طويل الشعر وليس أزرق العينين.


غلاف مجلة الروينغ ستون الصادرة يوم 9 فبراير 2006 حظي بجدل واسع ونقد لاذع من كنائس الجنوب الأمريكى وذلك لأن الغلاف ظهر فيه المغنى كينى ويست وهو على هيئة يسوع التى ظهر بها على ملصق فيلم (الآم المسيح). الغضب لم يكن بسبب ظهور مغنى فى هيئة المسيح، بل إستنكاراً لتصوير المسيح فى هيئة رجل زنجى!


حتى بعض الهنود مزجوا بين المسيحية التى جلبها المستعمر الأنجليزى وبين الديانة الهندوسية التى يعتنقها قطاع كبير من الشعب، فأصدروا (نسخة هندية) من يسوع لتشبه سحنتهم ودينهم القديم، فقاموا بتهجين هيئة المسيح مع الإله "فيشواراما" خالق الكون فى العقيدة الهندوسية!


الناس يدركون العالم بصورة افضل ويكونون أكثر تصالحاً معه، ومع أنفسهم، عندما يعبدون إله ينتمى إليهم إثنياً يشاهدون وجوههم فى ملامحه. كل ذلك يحصل وجميع هؤلاء يتجاهلون الرواية الأكثر إنتشاراً والتى مفادها أن المسيح يهودى الأصل، حنطى البشرة، أقنى الأنف وأسود الشعر. فمن أجل لصق هوياتهم الإثنية على حائط الدين يخلق معتنقو الدين الواحد عشرات الروايات والصور عن الدين الواحد ويدشنون نسخاً عديدة تخصهم عن نموذج واحد للإله، فيخلقون مركزأ جديداً على هامش الفكرة التى ينتمون إليها.

الكاتب والرسام الإنجليزى كونتن كرسب ذهب مرة إلى إيرلندا فسألته إحدى السيدات بريبة: "هل أنت كاثوليكى أم بروتستاتى؟" فقال لها: "أنا ملحد!" فقالت ليه السيدة: "ولكن هل أنت غير مؤمن بإله الكاثوليك أم بإله البروتستانت؟".

أزمة الهوية تنشأ عندما لا يحب الناس الهويات التى وجدوا أنفسهم عليها، والدين يجعل بعض الناس يتصالحون مع أنفسهم وهذا التصالح مع الذات لا يأتى إلا عند عبادتهم لألهة تشبههم وليست ألهة بعيدة عنهم، ومن أجل ذلك ينسج البعض القصص والأساطير التى تجعلهم مرتبطين ومتواجدين زمانياً ومكانياً فى نطاق الدين الذى إختاروه، ومن أجل هذا يلجأ البعض لإستخدام مساحيق التجميل والمكياج لرسم صورة مخالفة للواقع وتلوين ذواتهم لتصبح فى نظرهم أجمل. ففى الواقع لا يوجد إختلاف كبير بين الأديان ولكن قوة ماكينة الدعاية والبروبوغاندا لكل دين هى التى تضع المكياج على وجهه الديانة والهوية، وهذا ما يصنع الفرق.

جورج برنارد شو قال عن المكياج: "لا توجد أمراة جميلة وأمراة قبيحة، توجد أمرأة تعرف إستخدام المكياج وأخرى لا تعرف!".

الشيخ أبو قرون، كما أظن، حاول أن يخلق للسودانيين تواجداً فى الدين الذى يعتنقه من خلال إجتهاده فى البحث عن الأصول السودانية للنبى موسى، ولكن أليس بالأحرى به الإجتهاد من خلال دينه وقول رأيه فى التستر على الفساد الذى أكده بعض قيادات اﻹسلاميين. ما رأى الشيخ أبو قرون، كرجل دين، فى شأن طاعة وعصيان الوالى الظالم؟ ما قوله فى سرقة أموال الدولة بأسم الدين؟ ما قوله فى فساد الحكم وغيرها من القضايا التى تهم ملايين السودانيين المسلمين وغير المسلمين أكثر من إثبات سودانية النبى موسى والتى لن تفيد فى تغيير واقعنا المعاش فى شئ. الشيخ أبو قرون أثناء إنشغاله بـ"مكيجة الهوية وتلوين الدين" لم يدرك أن بعض أدوات التجميل، بسبب سوء الإستخدام الخاطئ، قد تسبب لمستخدمها... العمى
Post a Comment