Tuesday, January 28, 2020

هنري جيْي لِيْيَر - شركة الإستعمار العظيم







في إحدى صفحات كتاب روبيرت كولينز (تاريخ السودان الحديث) ذُكِر إسم رجل ألمانيّ يُدعى هنري جيْي لِيْيَر (Henry J. Leir). في 1937 كتب هنري لِيْيَر روايةً بعنوانِ (La Grande Compagnie de Colonisation: Dokumente eines Grossen Planes)؛ أي (شركة الإستعمار العظيم: وثائق خطةٌ كبيرةٌ). في هذه الرواية - التي كتبها بأسمٍ مستعارٍ؛ ألا وهو توم پالْمَرّ (Tom Palmer) – يصفُ هنري جيْي لِيْيَر عَالماً من اليُوتُوپْيّا، عالمٌ ملؤه السَعادَةَ وتآخي البشر بعد نجاحهم في تجاوز العصبيّات الأبدية حول القوميات، وإيجاد الإنسانية لطريقةٍ لحل أزمات الحروب التي سبّبها التعصُّبُ للدينِ والعرقِ. وكان النجاح الأكبر يعود لشركةٍ من لوكسمبورغ إستطاعت إختراقت تلك الحواجز السياسية والدينية وذلك من خلال الإستثمارات. بدأت الشركة اللوكسمبورغيّة في تنمية وإعمار المناطق الغير مأهولة من العالم والإستفادة من ثرواته غير المُسْتَغلّة.

قامت هذه الشركة اللوكسمبورغيّة بتوفير الرّي للصحارى، وبناء قناة تصل بين المحيط الأطلسيِّ والهادي عبر نيكاراغوا. ونجحت هذه الشركة – كما تقول الرواية – في بناء نفق تحت القناة الإنجليزيِّة. تخيل هنري جيْي لِيْيَر في روايّته بأن هذه الشركة قد نجحت في تطوير الموارد المعدنية لأمريكا الجنوبية وخلق الأراضي الصالحة للزراعة في الصين. بعض هذه الأحلام المِثالية تحقق بالفعل، كبناء نفق المانش بين فرنسا وبريطانيا قبل 25 عاماً، وكذلك باستصلاح الأراضي الزراعية في بعض المناطق الصحراء. لكن بقية المشاريع ظلت كجزءٍ من روايةٍ خياليةٍ متفائلةٍ، أو على الأقل، مقترحاتٌ طموحةٌ في إنتظارِ التنفيذِ.

يُعتبر هنري لِيْيَر من أيقونات حماية البيئة في أوروپا والعالم، وأحد مواطنيّ اللوكسمبورغيّين المثالييّن. قام هنري لِيْيَر بتحويل منزله إلى مركزٍ للعلاجِ يقوم بالترويج لبرامجِ الصحةِ العامةِ والسلامِ ورفاهيةِ الطفل. أسسّت جامعة كلارك معهداً يحمل أسم هنري جيْي لِيْيَر، ذلك الكاتب ذو الأحلام اليُوتوپْياويّة، رجل الصناعة والإقتصاد، رجلُ الخيرِ والإحسانِ. لقد تبوء هنري لِيْيَر مكانةً تقترب من مرتبة القديّس وذلك نظير لما قدمه للبشرية من فضائل وأيادٍ بيضاء.

السبب الأساسي لذكر إسم هنري جيي لِيْيَر في كتاب (تاريخ السودان الحديث)، لا يمت لصلة لما ذُكر أعلاه من فضائل وحسنات. ليس لكونهِ كاتب، ولا لأنشطة الخيرية لذلك (القديّس). السبب الأساسي لظهور أسم هنري جيْي لِيْيَر يعود لأنه كان شريكاً لتاجر السلاح السعودي عدنان خاشقجي في دفن النفايات النووية في السودان في عهد الرئيس السابق جعفر نميري.على صفحات الرواية التي كتبها هنري لِيْيَر كانت شركته اللوكسمبورغيّة تنشر الخير في أنحاء الكون، ولكن على أرض الواقع كانت الشركات اللوكسمبورغيّة التي يديرها هنري جيي لِيْيَر تنشر الأمراض السرطانية وتزرع الأورام الحبيثة في أراضي وأجسام الآف من البشر. لا لذنبٍ سواء إنهم سُوّد الوجوه.

هُناك مقولة تُنسب للعديد من الشخصيات، ولكن الأكثر نسبةً تعود إلى ڨِلاديمير لينين. هذه المقولة تقول «المثقفون هم أكثر الناس قدرةً على الخيانة، لأنهم أكثرهم قدرةً على تبريرها». ولا توجد خيانة أسوء من خيانة الإنسان لمبادئه التي يعظ الناس بها. كان عنوان روايته المثالية (شركةُ الاستعمار العظيم: وثائق خطةٌ كبيرةٌ). وفعلاً، لا قولاً، كانت حياة هنري لِيْيَر مُطابقةً لعنوان روايته: أسس لِيْيَر شركةً إستعمارية لوكسمبورغيّة. ولكن بدلاً من العمل على بناء ذلك الفردوس الموجود في الرواية، قامت شركات لِيْيَر بصناعة واقع كابوسي نهبت فيه ثروات الجنوب، ولتقضي على سكانه بافقارهم إقتصادياً، ومن ثمَ العمل على قتلهم بالأمراض والأوبئة. وكما عادة كل الشركات، شركةُ الاستعمار العظيم التي يملكها لِيْيَر بالتفكير في طرق لإستثمار ما نهبته من ثروات، فقام لِيْيَر باستثمار مقدار تافه من فائض هذه االثروات المنهوبة لتبيّض صورة المستعمر ذو (الخطةِ الكبيرةِ). نِتاج هذا التبيض بأن تم تنصيب صاحب شركة الإستعمار العظيم قديساً طيباً، ولا عزاء للسودانيين، ولا فقراء الجنوب الكبير.

طلال النّاير

No comments: