Tuesday, February 10, 2015

كوازاكي - توفيق بن بريك

بورتريه طلال الناير

كتب مالارميه كتابا قضى فيه عمره كاملا و تركه دون أيّ نظام ، مفتوحا ، سائبا يمكنك دخوله من أيّ صفحة. كل صفحة بداية ونهاية ، أولى وموالية ، سابقة ولاحقة ، لا ضرر في تغيير النّظام. التّتالي ليس قانونا داخليّا صارما بل على العكس اللاّنظام هو السّمة البنيويّة الرئيسيّة. لا يبدأ النصّ ولا ينتهي. في حركة دائمة تجعله يدور حول نفسه، هكذا ينطلق كوازاكي توفيق بن بريك من نفس الجملة التي انتهى بها " قصدت طاطاوين لأمر لا يهم ". هي الجملة الافتتاحيّة والاختتاميّة التي تفضح عبثيّة المقاصد و تُعرّي استخفافا وجوديّا بالوجود. فما يهمّ هو مغامرة الكتابة وهي جملة تعلّة وسبب من أسباب نزول النصّ. كتابة للكتابة بعيدا عن الضّوابط والنّواميس اليوميّة والوظيفيّة الهادفة والنّاجعة. المشي في سبيل المشي لا غير. الحركة في حدّ ذاتها غاية وإن كانت سيزيفيّة وتعود بنا الى نقطة البداية. يعيش كوازكي هذه الرّحلة أدبيّا وبانتباه وحرص على كلّ الدّقائق والتّفاصيل، شاهدا بطريقته "الحكواتيّة" الدّقيقة على ما يجري رغم أنّها تنقّل حرّ متغيّر أشبه ب"زابينغ" سريع اختزالي يكثّف المعنى في كلّ جملة على حدة دون التّعويل على ما بعدها. الجملة رحلة ومفردة مستقلّة بذاتها لها أهميتها و قدرتها ووحدتها وعمقها. النصّ مفتوح متشظّ تنشطر فيه الجمل صورا متجاورة بفضل " تلصيق أدبي " يُعيد الى أذهاننا لعبا سرياليّا قوامه بناء جماعي لِجُمل لا يجمع بينها سوى رابط البنية (فعل+فاعل+مفعول به / مبتدأ + خبر ) دون اهتمام برابط المعنى مما أنتج عند هؤلاء السّرياليّين " جثثا حلوة تشرب نبيذا جديدا " غير أن لعب توفيق بن بريك  يعيدنا إلى واقع الواقعيّة عاريا كما هو و يرتق من بقايا المعيش اليومي صورا وإحالات تدغدغ فينا قراءة ذهنيّة.
يقطع الكاتب قصدا حبل الأفكار كي لا يعود إليها. يسري في ذهنك ينبش في ذاكرتك ولاوعيك مناطق كامنة يلقي فيها أفكاره " العنقوديّة " ويغادر . يرُشّ قوله رشا فيتطاير في كل المستويات.تولد الكتابة كعشب طفيلي مُتشعب مُتشابك منفلت ينبت من حيث يُقطع.  يُشتت سبل الاسترسال والتّواصل ، فنصّه قادم من كلّ المجاهيل وكلّ الاتّجاهات كمن يسجّل آليا كلّ ما يسمعه من ضجيج المدينة ( كلام ، قهقهات ، نشرة الأخبار، مباراة رياضيّة، أغنية تونسيّة...) ثمّ يقوم بتركيبها وتوليفها كقطع "البيزل". محاولة التّركيب " العفويّة " هي اختيار تجريبي واع من الكاتب ، لقد أراد للنصّ أن يكون خارج المنظومات المعهودة للعمارة الأدبيّة وهَندسه بشكل " باروكي " يمكنك دخوله من كل المنافذ.النّظم هدم وتفكيك والجُمل علامات اشهاريّة مضيئة وإشارت منع و تنبيه و تورية و تعرية وشعارات رنّانة لا يمكن تجاوزها إلاّ بعد توقّف طويل. نركن معها إلى إحالات متعدّدة مجتمعة فيها فهي منحوتة من عمق حداثة متجذرة في هويّة الكاتب معادية لكل فكر واحد متوحّد دفاعا عن التنوّع و التعدّد ( الفهم أن لا تفهم (ص75) - القلم والرّيف لا يتقابلان (ص88) - السّلطة طير كاسر (ص62) - القلم لا يساوم (ص83) – ينزل المسافر ليوم السؤال (ص81)- لا يعرف ما يحب.يعرف مالا يحب (ص73)... )
  هذا النصّ موقّع بجسد الكاتب وذاكرته وتفاعلاته فقط ، هو نصّ من جنس الكاتب لا من صلب الأدب ، والسّير فيه ليس على نهج الأدب بل على إيقاع الكاتب وانفعالاته و رغباته لتجد نفسك في حضرة الكاتب لا أمام الكتابة. نصّ استرجاعي توليفي كثير الإحالات والشواهد ، يستحضر جلال الدّين الرومي وماركس وأمل دنقل وناديا كومانتشي ودرويش ومحمد علي كلاي والشيخ إمام وابن خلدون ونزار قباني وصالح الخميسي ورامبو والغزالي وبيكيت وأفلاطون وبيتهوفن وجورج أرويل وسركون بولص وغارسيا ماركيز ومحمد عبد الوهاب ودوستويفسكي وشكسبير ومظفر النّواب وعلي بن عياد وصالح القرمادي وناظم حكمت والتوحيدي وتشيخوف ومالك حدّاد... (أكثر من مائة  شاهد في 150 صفحة ).حفل استضاف فيه توفيق بن بريك من تذكّرهم لحظة الكتابة فأنزلهم منازل لم يتعوّدوها فتواصلوا دون تكلّف أو "بروتوكول" ، تجاوروا ، تحاوروا في هدوء وطمأنينة تجاوزوا حدود الزّمن والجغرافيا والاختصاصات  والفوارق. يمرّ بينهم الكاتب بسلاسة وخفة  مفاجئة. يجاور بين الأدب والرياضة والأغنية الشعبية والشّعر والرّسم والسّينما والخرافة والأسطورة والنّصوص الدّينية والمسرح......
  يتكلم لغة فصحى ودارجة متنقلّا بينهما دون حواجز. يُحيل إلى المحلّي الضيّق والذاتي وإلى الإنساني الكوني ، لا يفرّق بين ما أنجزته الانسانيّة من مآثر كبيرها وصغيرها ، الإبداعي الفنّي الفلسفي الفكري المتعالي والشّعبي الأرضي البسيط ، فلا فرق بين درس قدّمه محمّد على كلاي للإنسانية وبين ما تركه مفكّر صوفي من شعر و تجلّيات.
   هذا النصّ نصوص متداخلة متعانقة ، مصاب بداء الحداثة و مابعدها من " بلبلة " تعدّت فرضيّة التكلّم بلغة واحدة إلى هوية شتات وشذرات ، " مُلفّق " من كلّ الاجناس ، " مُلقّم " من جماليّات عدّة.فهل يكون بورتريه أدبي لصاحبه أم بورتريه لتاريخ الأدب؟ صورة الكاتب أم صورة الكتابة؟ ماذا لو نزعنا عنه هذا الحضور الموسوعي للمراجع؟ هل يستطيع التجرّد من الكتب ليكتب؟
ورق الكتابة مرآة يقف أمامها توفيق بن بريك ليحلم و يتأمّل ويتذكّر ويهذي ويصف ويتوهّم ويأمل دون أن تتطوّر الأحداث أو تتقدم ولا تتغير الشّخصيات ولا تتبدّل فهو عرض لصور وجهيّة وذاتيّة من زوايا نظر متعدّدة وتصوير "فانتازمي" لواقع الكاتب والكتابة في أسلوب اعترافي لم يُبق من السّرد إلاّ خيوطا دقيقة حدّ التلاشي . لا نيّة للكاتب في الحكي  مكتفيا ببعض الوضعيّات الدراميّة ( هو مع أبنائه - هو مع الدرّاجة - هو في طريق العودة - هو يشتهي أكلا - هو يحلم- هو يتذكّر طفولته ). الصفحتان 32 و33 هما بمثابة "سينوبسيس" يُقدم فيه نفسه وزوجته وأملاكه و طبيعة علاقاته لينقطع بعدهما حبل الحكي ويحلّ محلّه تداع حر وهذيان وخطب وأحلام ومرافعات....
يقول الكاتب البريطاني  سيدني سميث " عندما أنظر إلى كتاباتي يتراءى لي أنّ مجموعة من النّمل خرجت من المحبرة وعبرت الورقة دون أن تجفّف أقدامها ". دبيب النّمل هذا شاء له بن بريك أن يكون اختيارا بنيويّا وهاجسا للرّبط والجمع والتّوليف فتولد الجمل سيلانا انفعاليّا وقفزا عشوائيّا في هواء الكتابة. يسمح بقول كلّ ما يجول بخلده بكلّ حرّيّة فتمشي نملاته بسرعات متفاوتة وفي كلّ الاتّجاهات تتقدّم وتتأخّر وتعود من نفس الطّرق لتترك مسارب " متاهة " منسوجة كتشقّقات فجئيّة على سطح بلّور، جروح على جلد حائط قديم ، وتجاعيد متموّجة على جبين الورقة. هذا النصّ مقروء ومرئي كذلك فقد اختار له الكاتب إخراجا داخليّا للجمل والفقرات متنوّعة الأحجام والأشكال ، فالكلمة مكتوبة تأخذ مكانها ، تخلق شكلا والجمل مرسومة ، تتمدد وتتلوّى بين صفحات الكتاب لتتعمّق ديناميّة البنية شكلا ومضمونا وتحرّك في القارئ نشاطا يُخاطب كل حواسّه. تنزل رغبة التنقّل والترحّل إلى مستواها الشّكلي الظاهري.فقد اعتبر الشّاعر والرسّام هنري ميشو أنّ شخوصه تخرج من المحبرة دون إذنه لتتساقط على بياض الورقة. يظلّ يراقبها مستمتعا في تجلّ كصوفي مخمور. هذه الكتابة " العضويّة " يتورّط فيها صاحبها قلبا و قالبا وتحلّ فيه كأنفاسه شهيقا وزفيرا سهلا سلسا مُريحا. يكتبها لكم مثولوجيا شخصيّة تحوّل الحميمي إلى عمومي والذاتي إلى موضوعي والخاصّ إلى مشترك ، و هذا الكتاب طبخة وصفها لكم بنَفْسِه و نَفَسِه احتفاء بالذات مكتوبة مقروءة مرئيّة. حياتكم فيها ما يهمّ . اكتبوها. الكتابة تقاوم " الحڨرة " والنسيان، ضد الخسوف و الخنوع. ارفع رأسك . تكلّم . اُكتب. كُن كما أنت كاتب مواطن حر. لا خوف بعد الكتابة.



سليمان الكامل /المعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة تونس
فيفري 2015
هذا المقال نشر بموقع ميل ايست أونلاين هنا  وفي مدونة الكاتب هنا


Post a Comment