Saturday, July 5, 2014

سراماغو: انتصار الروح العرجاء


طلال الناير

في منفاه على جزيرة لانزروتي الإسبانية القاحلة، كانت جدران منزل الكاتب البرتغالي الأشهر، تزدحم بلوحات وصور لخيولٍ جامحة؛ كانت خيول زيزيتّو، اسم التحبب للطفل جوزيه دي سوزا سراماغو، الذي انتقل في عمر الثامنة ليعيش في منزل خالته ألفيرا، زوجة أحد الحراس في مزرعة موتشاو دي بايكس.

كانت قرية أزينهاجا غارقة في فقر مدقع، لذا، وبمقاييس قرية ذات تاريخ إقطاعي راسخ، فقد كان فرانشيسكو دينيس – زوج ألفيرا - رجلاً أرستقراطياً مقارنة بمن هم دونه في التراتبية الاجتماعية للقرية، ولكن بالنسبة إلى الطفل زيزيتّو، كان أهم ممتلكات زوج خالته هو الحصان، الذي كان الطفل يتحرق لامتطائه، إلا أنه لم يخطر في بال فرانشيسكو أن يدعو الفتى لاعتلاء صهوة الجواد، وفي ذات الوقت كان الكبرياء الصبياني يمنعه من السؤال.

يصف سراماغو، زوج خالته، بأنه كان رجلاً متسلطاً في المنزل، ولكنه كان في غاية الأدب والتملّق عندما يتعامل مع من يعلونه في التراتبية الاجتماعية. حدث ذات يوم أن قام فرانشيسكو دينيس بوضع طفلة أحد الضيوف فوق الحصان، لكي يتملق أسرتها، وسار الرجل أمام الحصان للترفيه عن الطفلة المدللة، فيما كان الطفل جوزيه يقف بعيداً شاعراً بالإحباط والخزي.

بعد ستين عاماً من هذه الحادثة، في العام 1991، نشر سراماغو إحدى أفضل رواياته، وهي (O Evangelho segundo Jesus Cristo) أو (الإنجيل تبعاً لرواية يسوع المسيح). تم ترشيح الرواية لجائزة آيرستاين للآداب في ذلك العام. كان سراماغو يعيش – حينها - فترة إحباط وضغوط من كل الجهات، فمن جهة كان الكاتب الملحد يقاتل بيمناه الكنيسة الكاثوليكية في البرتغال الفخورة بالـ(سنتواري ناسوناو دي كريستو هاي)؛ ذلك التمثال الذي يعرف اختصاراً بتمثال (المسيح الملك)، الذي يقف منتصباً في ساحة ألمادا، حارساً لحصن الكنيسة الكاثوليكية المنيع في البرتغال، ذلك الحصن الذي اقتحمه سراماغو وفتح فيه النار بلا رحمة. في ذات الوقت كان سراماغو الشيوعي يقاتل بيسراه قوى اليمين السياسي الذي اكتسب انتعاشة كبيرة بعد انهيار جدار برلين، حيث تقدمت الكتلة اليمينية في البرلمان بحماس لحظر ومصادرة الرواية التي تقدم رؤية نقدية ساخرة عن المسيحية.

رئيس الوزراء البرتغالي حينها – أنيبال كافاكو سيلفا– قام باستغلال الضجة التي أحدثتها الرواية، فضغطت الحكومة البرتغالية والفاتيكان على الاتحاد الأوروبي، ليضطر لسحب ترشيح الرواية لجائزة آيرستاين للآداب، وكانت السابقة في أن الرواية هي الأولى التي تتم مصادرتها بعد عودة الديمقراطية للبرتغال عقب ثورة 1974 ضد الديكتاتور سلازار، وللمصادفة، كما خرجت رواية سراماغو من الجائزة بسبب الرقابة، فقد فازت بالجائزة في ذات العام رواية أخرى عانت كذلك من الرقابة؛ رائعة جيمس جويس (Ulysses) الفائزة بجائزة الترجمة التي قام بها اليوناني سوكراتس كابسيسكيز. رواية (عوليس) كانت محظورة في الولايات المتحدة، وذلك لأنها "شهوانية ومثيرة للغرائز"، ولم يتم رفع الحظر عنها حتى شهر ديسمبر من العام 1933 بأمر من قاضي المحكمة جون إم ولسي، لتنشر النسخة الكاملة لأول مرة بعد ثلاثة أسابيع فقط من إصدار الحكم.

في تلك الحقبة كان سراماغو شخصاً غير مرغوب فيه، فحكومة اليمين البرتغالي كانت تتطلع للانضمام إلى عالم ما بعد سقوط جدار برلين، وكانت تسعى إلى الابتعاد عن إرث الاشتراكيين والحقبة التي حكموا فيها البلاد، وكان سراماغو أحد رموز تلك الحقبة، فلم يجد من خيار سوى الخروج من البرتغال إلى منفاه الاختياري في جزيرة لانزروتي البركانية القاحلة. العداء الذي كان يكنه اليمين البرتغالي لجوزيه سراماغو استمر حتى بعد وفاته، حيث رفض الرئيس البرتغالي حضور جنازته بسبب مواقفه المعادية للكنيسة الكاثوليكية، وفضّل الرئيس أن يقضي ذلك اليوم في منتجع فخم، ربما للاحتفال بموت سراماغو!

بعد الرحيل إلى لانزروتي، بدأ سراماغو في إعادة تدوير الإحباط وتحويله لطاقة دافعة؛ تماماً كما كان يفعل طيلة حياته. لم يكن الإحباط يعني شيئاً كثيراً للطفل الذي ولد في فقر مدقع وعاش في فاقة جعلت أسرته تخرجه من المدرسة رغم نبوغه الظاهر، ليصبح ميكانيكياً فقيراً تمشي الصراصير فوق جسده ليلاً، ولكنه بدأ في تأهيل نفسه ليصبح صحافياً ثم مترجماً، ثم يبدأ مشواره الجاد في الكتابة بعدما تجاوز الخمسين، فكما يقول سراماغو إن الندم على الأشياء لا يفيد، الندم المفيد هو التغيير.

بدأ سراماغو يعمل على مشروعه الأدبي الأهم: إعادة اكتشاف العامل الإنساني والقوة الهائلة التي يحملها. فأخذ بنمط كتابة يعتمد على سبر أغوار الشخصية الإنسانية، وهذا هو النمط الغالب على أعماله في (الحقبة اللانزوتية). النزعة الأناركية لدى سراماغو تبدو جليةً في روايتي (العمى) و(البصيرة)، حيث تظهر حقيقة النفس البشرية مع زوال السلطة، فيتواجه البشر مع ذواتهم المشوهة التي لم يشاهدوها من قبل، ويخرج أسوأ ما في الإنسان مع سيادة الفوضى وامتلاك البعض للسلطة المطلقة.

يقول سراماغو: "اليوم بيتي ممتلئ بصور الخيول. ومن يزورني لأول مرة يسألني إن كنت فارساً، بينما الحقيقة أنني ما زلت أعاني آثار السقوط من سرج حصان لم أمتطه أبداً. ربما لا يلاحظ هذا من الخارج، لكن روحي تسير عرجاء منذ سبعين عاماً." عندما دخلت القوات الأمريكية للعراق قام سراماغو بالمشاركة في مظاهرة معارضة للحرب، وكان يتحدث للمشاركين في المظاهرة فقال لهم إن العالم الآن توجد به قوتان: أمريكا والإنسان. ومن الجلي لأن رهان سراماغو الأكبر ظل على انتصار الإنسان. يقول سراماغو: "من السهل الوصول إلى المريخ، لكن من الصعب الوصول إلى أنفسنا"، فهو يظن بأن الخير والشر لا بداية لهما، فبداخل عقولنا يكمن كل شيء، بما فيه انتصار روح الإنسان، وإن كانت عرجاء.

Post a Comment