Sunday, November 3, 2013

Sayyed Mahmoud Javadi

حوار مع رسام الكاريكاتير الإيراني سيد محمود جوادي
"أحاول إظهار صراع الإنسان مع نفسه.. ولا أريد أن أصبح آلة فنیة بید أحد"




نشأ الفنان الإيراني سيد محمود جوادي في دولة الكويت، وقام بتجويد قدراته الفنية الفطرية في الرسم والنحت بشكل ذاتي، ولم يسلك درب التعليم الأكاديمي في مجال الفنون. أتاحت له تجاربه الحياتية معارف وخبرات استمدَّ منها خبرة حياته التي حاول تدوينها رسماً: جدل الإنسان مع الإنسان. سيد جوادي يرى في الإنسان موجوداً معقداً يستحق المزيد من التأمل لسبر أغوار وصراع الإنسان مع ذاته. خاض سيد محمود جوادي تجارب حياتية متعددة كانت خلاصتها أن حريته كفنان أهم من النشر في الصحف والظهور في وسائل الإعلام أو حصد الجوائز، فهو لا يريد أن يكون ألعوبة فنية، أو آلة في يد الآخرين، كما يقول.


حاوره : طلال الناير

هل لك أن تعطينا نبذة مختصرة عن نفسك؟
اسمي سید محمود، من جذور إیرانیة ومن موالید الكویت. ترعرعت ودرست في الكویت، هاجرت مع أهلي إلی موطن أجدادي إیران عام 1984 بسبب نشوب الحرب العراقیة الإیرانیة. بدأت مشواري الفني بصورة تجريبیة بدلاً من أن تكون البداية أکادیمیة؛ فقد کنت أخطط لمشوار الفني وأنا في مرحلة الدراسة. مع هذا فإنني لست مستاءً حیال هذا الموضوع لأنني مررت بتجارب کثیرة أوصلتني إلی المحطة التي کنت دائماً أتمناها. شارکت في معارض عدة داخل وخارج إیران وحصلت علی جوائز وشهادات من مهرجانات محلیة ودولیة، وعملت رسام کاریکاتیر في التلفزیون الإیراني وصحیفة «جمهوري إسلامي» الیومیة، وكذلك في بعض المجلات الفكاهیة المشهورة في إیران. والیوم أنهیت نشاطي الفني مع کل وسائل الإعلام کي أتفرغ لنفسي وأرسم ما یطیب لنفسي متواصلاً مع جمهوري عبر موقعي وصفحتي المتواضعة في "الفیسبوك".
هل بدأ اهتمامك بالفن منذ الطفولة أم في مرحلة لاحقة؟ ألديك أنشطة فنية أخرى بخلاف الكاريكاتير؟
بدأت الرسم –ببساطة- کكل طفل یحب الرسم، وعندما لاحظ أبي أنني متفوق علی إخواني وزملائي في هذا المجال شجعني کي أستمر وأستفید من الإمکانات الموجودة في المدارس، وأن أتعلم التقنیات اللازمة من مدرس الرسم، وفعلاً استطعت أن أثبت جدارتي في الرسم. کان أول رسم أقوم به هو لوحة علی مقیاس کبیر في جدار المدرسة، وقد كنت حينها في المرحلة الابتدائیة، وکان هذا الأمر أول حافز لي كي أستمر في مجال الرسم. بعدها خضت تجارب فنیة متقدمة بالألوان المائیة والزیتیة والخشبیة والطباشیر والنحت علی الخشب، ولكن بسبب هجرتي إلى إیران واجهت بعض المشاکل وأدت إلی تغییر نمط حیاتي ومساري الفني من رسم اللوحات والنحت إلى رسم الكاریکاتیر، والسقوط في فخ وسائل الإعلام.

أنت قضيت طفولتك في الكويت، ما مدى تأثير الثقافة العربية على شخصيتك كفنان، وعلى حياتك بشكل عام؟
إن أجمل أیام حیاتي هي التي قضیتها في مسقط رأسي (الكویت)، بین أصدقائي وأحبتي والأناس الطیبین الذین لا زلت أحتفظ بحنیني إليهم في قلبي، وهم دائماً یعیشون بذاکرتي. إذا أردت مني أن أکون صادقاً معك، فاسمح لي أن أقول إنه لم یكن هناك أي تأثیر للثقافة العربیة علی شخصیتي کفنان، لكنني أعشق اللغة العربیة وأکن کل احترام للثقافة العربیة. ومع هذا فأنا أعتقد أن کل فنان هو إنسان قبل أن ینتمي إلی أي قومیة أو ثقافة خاصة، وعلیه أن یعي هذا الموضوع، فإذا أراد الفنان أن یخاطب العالم من خلال لوحاته وآثاره یجب أن تكون رسالته الفكریة والفنیة قویة وقادرة علی تجاوز الأطر والحدود، وأن یخاطب الناس بلغة مشترکة، فكلما بحث عن النقاط المشترکة بین الشعوب وتطرق إلیها في أعماله فسينجح في الوصول إلی هذه اللغة.

ما الصحف والمجلات التي تعاملت معها أثناء رحلتك الفنية؟ هل لا تزال ترسم لإحداها حالياً؟
رسمت في صحف ومجلات عدة منها صحیفة «جمهوري إسلامي»، صحیفة «جام جم»، مجلة «گل آقا»، مجلة «طنز وکاریکاتور»، مجلة «کیهان کاریکاتور» مجلة «کیهان هوایی» وموقع وکالة أنباء فارس. ورسمت أمام الكامیرا في أکثر من 200 حلقة للقناتين الثانیة والرابعة للتلفزیون الإیراني، ولكنني حالیاً لا أرسم لأي جریدة أو مجلة أو قناة تلفزیون لأنني أرید أن أکون فناناً حراً مستقلاً لدیه رؤیته الخاصة من دون أن ینحاز إلی أي تیار سیاسي، ولا أرید أن أضع مصیر أفكاري بید رؤساء التحریر أو معدي البرامج، وأن أصبح لعبة وآلة فنیة بیدهم.


ألا زلت تشارك في المسابقات الدولية ومهرجانات الكاريكاتير العالمية؟
کنت أشارك سابقاً في المسابقات الدولیة والعالمیة وحصلت علی بعض الجوائز وشهادات دبلوم فخریة، لكنني الیوم لا أشارك في أي مسابقة دولیة أو مهرجانات عالمیة. بتشاؤم کبیر لا یفارقني؛ أنا أعتقد أن معظم هذه المسابقات والمهرجانات تعاني من فساد بین بعض أعضاء لجان التحكیم. فعلی سبیل المثال یدعو القائمون على أحد المهرجانات العالمیة حكماً من إحدی الدول وعندما یصبح هذا الشخص عضواً في لجنة التحكیم فإنه یسعى إلی ترشیح بني جلدته المشارکین في المهرجان للفوز، وبعد انتهاء المهرجان یدعو هذا الحكم بعض القائمین علی المهرجان إلی السفر إلى بلاده واقتراح عضویتهم في لجنة تحكیم مهرجان آخر یقام في بلده، وتتكرر القصة، وتتكرر أسماء الفائزين، وتتكرر أسماء أعضاء لجنة التحكیم في معظم المهرجانات، ویصبح سعي معظم الفنانین المشارکین طمعاً في الفوز، هباء منثوراً. إن استمرار هذه الظاهرة المؤسفة قد يحبط الحوافز عند الكثیر من الفنانین الناشئین، وحتی المحترفین الذین یشارکون دوماً في هذه المهرجانات.
هناك ظاهرة أخری من الفساد، وللأسف نراها مشهودة بوضوح في بعض المهرجانات العالمیة المرموقة، خاصة في الیابان وکوریا الجنوبیة، وانتشرت هذه الظاهرة أخیراً في بعض المهرجانات المقامة في دول غرب آسیا وأوروبا وأمریكا الجنوبیة؛ وهي دخول العنصریة في المهرجانات، وتأثیرها علی نتائج المسابقات. فأحیاناً يفوز فنانون لا یستحقون المراتب الأولی، وهذا بسبب حرص القائمین على هذه المهرجانات على ترشیح فنانین محلیین للفوز کي لا تخرج المیدالیات من البلد، ولا یحصل الأجانب علی الجوائز الأولی، وهكذا یُحرم فنانون جدیرون بإحراز مراتب یستحقونها بحق، وهذا أمر مؤسف جداً.

إيران لديها مدرسة فنية متميزة في الكاريكاتير تقدم دوماً فنانين ذوي مستويات رفيعة، ما هو تفسيريك لهذه الظاهرة؟
إن فن الكاریکاتیر في إیران یعود إلی أکثر من قرن وقد قدمت إیران الكثیر من المشاهیر الذین لهم بصمتهم القویة داخل البلاد وخارجها کأمثال أردشیر محصص، محسن دولّو، أحمد سخاورز، کامبیز درمبخش، جواد علیزاده، مسعود شجاعي والعدید من الفنانین الآخرین ممن لا یسع هذا الحوار ذکر أسمائهم، ویكفي أن أي مهرجان عالمي یقام في أي بلد تری أن أحد الفائزین فیه من إیران.
إذا أردتني أن أصف وأنصف الفنانین الإیرانیین في هذا المجال فلا یسعني إلا أن أقول إنهم یحظون بذکاء وإبداع وعبقریة بالغة نظراً لشغفهم بالأمر الذي یقومون به، وممارستهم الدائمة لهذا الفن وإنتاج أفكار وأعمال رائعة، وهذا یعود إلی جهد الفنانین السابقین في البلد؛ الفنانین الذین نقلوا تجاربهم إلی الجیل الجدید وبهذا خلّفوا وراءهم تلامیذ إن لم یکونوا بمستوی أساتذتهم فهم لیسوا بأقل منهم. السبب الآخر هو مشارکة الفنانین الإیرانیین بكثافة في معظم المهرجانات العالمیة وإنتاج کمیة کبیرة من الأعمال الفنیة والأفكار الجدیدة التي تفاجئ الجمیع من الناحیة التقنیة والأسلوب والفكر.

ما مصادر الإلهام في لوحاتك وأعمالك الفنية؟ هل كرّست أعمالك من أجل إبراز مواضيع محددة؟
الإنسان هو مصدر إلهامي في معظم أعمالي، وأحاول أن أظهر صراع هذا الموجود مع نفسه، والترکیز علی معاناته في الحیاة وکیف تُستغل سذاجته من قبل الآخرین. لقد کرّست معظم أعمالي من أجل إبراز مواضیع حول الإنسان وظله، الإنسان والعقل، الإنسان والسلطة، عین الإنسان، وأحاول أن أکتشف مصادر إلهام جدیدة. أظن أن الإنسان لایزال غیر مكشوف لديّ، وسوف أستمر في التعمق بأعماق هذا الموجود المعقّد، أرید أن أظهر المستور وما یخفیه، وأظن أن هذا الموضوع لا یزال یستحق التطرق إلیه وسوف أستمر في هذه النظرة.


إلى مَن ترجع الفضل في تطور مستواك الفني؟ أهناك فنان تأثرت به؟
أظن أن مستواي الفني یعود إلی عاملین أساسیین أولهما تشجیعي من قبل أستاذي في المرحلة الثانویة وقد کان له الدور الکبیر في رفع ثقتي بنفسي وقد توقع لي مستقبلاً ‌زاهراً في مجال الرسم. العامل الآخر هو جهدي المستمر في هذا الطریق فلا بد لكل فنان أن یکون مجتهداً فی عمله کي یصل إلی ما یطمح إلیه.
تأثرت قلیلاً بأعمال الفنان الروسي میخائیل زلاتكوفسكي وبعض الفنانین من شرق أوروبا وفي بدایة مشواري مع الكاریکاتیر کنت أتمرّن بنسخ أعمالهم لكسب مهارات تقنیة جدیدة لكني سارعت بالابتعاد عن هذا النحو من التمارین کي لا أسقط في ورطة استنساخ أسلوب وأفکار الآخرین، ورویداً رویداً کرّست جهدي في الوصول إلی أسلوبي الخاص وتقنیتي التي یستطیع الآخرون عن طریقها تمییز أعمالي من بین أعمال سائر الفنانین وأظن أنني الیوم استطعت أن أصل إلی هویتي المستقلة في أسلوبي الفني والفكري في الكاریکاتیر.

لاحظت أن التجريد الفلسفي هو السمة الغالبة على أكثرية أعمالك القديمة، ولكن أعمالك الحديثة تغيرت موضوعاتها فأصبحت أغلبيتها تدور حول فكرة الصراع بين الفرد والسلطة، هل من سبب وراء ذلك؟
أحیاناً عندما أرید أن أدعو المشاهد والمتابع لأعمالي إلی مشاهدة لوحة ذات طابع فلسفي تجعلهم یتمعنون فیها لمدة طویلة أسعی إلی رسم لوحة تتمیز بطابع الفكاهة القاتمة وأستخدم قلم الرصاص وكثافة في التظلیل، وأحاول عدم إدخال الألوان فی اللوحة کي تکون رسالة اللوحة ذات تأثیر قوي وتحتفظ بجمالیتها في نفس الوقت.
أحرص دائماً علی أن تكون أعمالي في مستوی جیّد تقنعني أولاً وتقنع المشاهد والمتابع وأسعى إلی وضع بصمتي الخاصة في مجال الرسومات ذات المفاهیم الفلسفیة وأتمنی أن تکون حصتي المتواضعة في هذا المجال ممیزة بین أعمال الآخرین. 
أغلبیة موضوعات أعمالي الحدیثة لا تدور بالأحری حول فكرة صراع الفرد والسلطة لكن الأحداث الجاریة في الشرق الأوسط جعلتني أبتعد قلیلاً عن المواضیع الفلسفیة وتراني أعود تارة إلی الأسلوب السابق والطابع الفلسفي ومن ثم أتطرق إلى موضوعات ذات صلة بالأحداث الجاریة تارة أخری. المتابع یری الفرق والتباین في الأسلوب والفكر بین هٰذین النوعین من أعمالي.

المتابع لرسوماتك يلاحظ اختلافاً بين رسوماتك الفنية القديمة والحديثة؛ من ناحية الخامات الفنية وأسلوب الرسم. هل هي نقلة من مرحلة إلى أخرى؟ أم أن كل نوع من الأفكار له طريقة رسم خاصة؟
دائماً أعتبر نفسي في بدایة الطریق وأحاول أن أجرب أي أسلوب فني أو تقنیة حدیثة أقتنع بها وتساعدني في الوصول السریع إلی ما أبحث عنه. تراني تارة أرسم بقلم الرصاص وتارة أخری أستخدم الكمبیوتر، وفي یوم تراني أرسم بالألوان وفي آخر أرسم بالأسود والأبیض. کل هذا یعود إلی مزاجي ونفسیتي؛ فإذا کنت منزعجاً من شيء ما فتراني أرسم بالأبیض والأسود أو قلم الرصاص وإذا کنت فرحاً فتراني أرسم بالألوان أو أستخدم الكمبیوتر وهكذا.
الانتقال من تقنیة أو أسلوب خاص إلی تقنیة أو أسلوب آخر لا أعتبره نقلة من مرحلة إلی أخری إنما محاولة لخوض تجارب تقنیة مختلفة تساعدني في ترجمة أفکاري إلی أعمال فنیة وتسهّل الوصول إلی قلب المتابع بأشكال مختلفة.


ما رأيك في استخدام الكمبيوتر في إخراج الفكرة الكاريكاتيرية؟ هل أفقد الكمبيوتر اللوحة أصالتها وجماليتها؟
لقد فرض الكمبیوتر نفسه علی الجمیع والیوم أصبح هذا الجهاز رمزاً للحضارة بین الناس ينفع الکثیر منهم إلی أن وصل البعض درجة الإدمان علیه، مع هذا أراه مسبباً رئیسیاً في ابتعاد بعض الرسامین عن الشكل التقلیدي والأصیل في الرسم. إنني أحاول بقدر ما أستطیع الابتعاد عن الكمبیوتر لكي أحافظ علی أصالة أعمالي وأستخدمه عند الضروره فقط.

ما رأيك في مدارس الكاريكاتير السياسي في الشرق الأوسط؟ هل لديك ملاحظات على طريقة معالجتها للأحدث السياسية؟
الكاریکاتیر السیاسي أصبح الیوم أعمق مفهوماً وأکثر جرأةً من السابق وهذا بسبب الأحداث المهمة التي تدفع الفنان إلی خلق آثار جدیدة‌ ذات مفاهیم إنسانیة عمیقة وأتمنی أن یستمر هذا العطاء الفني الممیز إلی أن یهز الضمیر عند أصحاب القرار السیاسي ويجعلهم یحرکون ساکناً تجاه ما یحصل في الشرق الأوسط.
إذا أراد الفنان الذي يعمل في صحیفة‌ یومیة‌ أو مجلة أسبوعیة أن تكون أعماله ذات تأثیر إیجابي قوي فعلیه أن یبتعد عن طلبیات رؤساء التحریر وأن یفرض عليهم أفكاره ورؤیته بالنسبة للأحداث التي تجري حوله، وأن یجادلهم في الموضوع کي یثبت أن الفنان له رؤیته الخاصة للأحداث وعلی الآخرین احترامه.
الاستمرار والمدوامة على استقلالیة الرأي عند الفنان یدفع الآخرین إلی متابعة أعماله، وبدلاً من أن یبحث الفنان عن جریدة‌ أو مجلة تنشر رسوماته تری الصحف والمجلات تقترح علیه العمل ونشر أفكاره ولوحاته. إذا أصبح الفنان مستقلاً في رأیه وکانت رؤیته ذات تأثیر قوي فسوف یشجع الفنانین الناشئین على تقلید سلوکه، وفي النهایة هذا الأمر سینتج جیلاً قوياً من الفنانین وسوف یکون تأثیر الكاریكاتیر السیاسي علی الآخرین أقوی ‌بکثیر من الیوم.

كلمة أخيرة؟
أتمنی أن یحل السلام في جمیع أنحاء العالم، وأن ینتهي نزیف الدم ونعیش الحب والسلام بقلوبنا وعقولنا وأجسامنا. وشكراً لكم.


نشر الحوار في صحيفة تاتو الثقافية العراقية
Post a Comment