Wednesday, May 8, 2013

إستراتيجية الـ(شختك بختك) ... عندما هزمنا الجزائر وخسرنا تونس وغدرنا بكارلوس


ذكرت وكالة الأنباء السودانية (سونا) بأن  رئيس جمهورية السودان؛ عمر حسن أحمد البشير، إلتقى والي ولاية باجه التونسية نصر البشير التميمي  الذي إستهل زيارته لولاية الخرطوم  بأداء صلاة الجمعة بمسجد النور بكافوري! البشير "... ثمّن النموذج  الذي قدمه الشعب التونسي للشعوب العربية فى ثورته ضد الظلم والاضطهاد". قناة الشروق السودانية نقلت عن البشير قوله بأنه يتمنى عودة العلاقات السودانية التونسية ونسيان فترة القطيعة بين البلدين والتي حدثت أثناء فترة حكم الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي. وفي المقابل قال الوالي التونسي: " ... إننا نتطلع الى علاقات دائمة وليس الى مصالح، لأن العلاقات القوية تأتي من خلالها المصالح".

البشير والتميمي
لا أدرى ما هى الأحساس والأفكار التي تدور في رأس الرئيس عمر البشير عندما يتحدث ينطق كلمات مثل (الحرية)، (الديموقراطية)، (حقوق الإنسان)، (العدالة) و(الشفافية)؟ لا أدرى ماذا تعني هذه الكلمات بالنسبة لرجل ساهم في تدمير بلاده وتقسيمها وتشريد أبناءها في أصقاع الأرض. لا أدرى ماذا تعني كلمة الحرية بالنسبة لرجل إغتصب السلطة بقوة السلاح، رجل أجهض النظام الديموقراطي الذي إختاره الشعب السودانيال من خل إنقلاب 30 يونيو 1989. هل يدري والي ولاية باجه التونسية بأنه يجلس أمام رجل قتل 400 ألف إنسان من شعبه وقام بالتحريض على أعمال عنف تسببت في نزوح 3 مليون إنسان بعد حرق منازلهم وتدمير زراعتهم. هذه الأرقام المفزعة مأخوذة فقط من إقليم دارفور، وذلك بدون ذكر لضحايا الحروب التي تجري حالياً في كردفان والنيل الأزرق، وبدون عدد القتلى حرب الجهاد المقدس التي خاضها الإسلاميين ضد جنوب السودان الذي إختار الإنفصال وجلس بعدها خلف الحدود يلعق جروح الماضي التي لا تزال تنزف حتى الآن. هل يدري السيد نصر البشير التميمي؛ الذي أتت به الثورة التونسية للسلطة بأنه يجلس أمام دكتاتور يحكم بلده بقوة السلاح منذ 24 سنة، رجل لا يعترف بمفهوم الديموقراطية والتداول السلمي للسلطة. القيمة الأولى التي قامت من أجلها الثورة التونسية كانت (الكرامة)، ولكن البشير طغى ومايزال يطغى وهو يدوس كل يوم على كرامة الشعب السوداني. إنه رجل لا يستحي أن يتحدى شعبه علانية ويذكرهم بأنه يدوسهم ويحكمهم بالقوة، وأنه لن يذهب إلا بقوة السلاح. هل يعرف والي باجه بأن عمر البشير وقف أمام الكاميرا  وصاح متحدياً الشعب السوداني: "الزرعنا غير الله اليجي يقلعنا".

 كلكم تحت جزمتي ... من الأقوال الخالدة للرئيس القائد عمر البشير
منذ إستيلاء الجبهة الإسلامية القومية على السلطة بدأت علاقات السودان تتدهور بأغلبية دول الجوار، وهذا التدهور هو مظهر من مظاهر القطيعة الحادة مع المجتمع الدولي بسبب تخبط السياسة الدبلوماسية السودانية بسبب دعم نظام الجبهة القومية الإسلامية لصدام حسين أثناء غزو الكويت في 2 أغسطس 1990. ومن بعد ذلك إيواء السودان لكل الحركات الإسلامية المعارضة في الدول العربية، خاصة من مصر والدول المغاربية، فقد قام السودان بتوفير غطاء أمني ودعم معنوي، وربما مادي للجماعات الإسلامية التي كان بعضها منها لديه نشاطات مسلحة ضد الدولة مثل إسلاميي مصر والجزائر. ومن ضمن هؤلاء الإسلاميين كان هناك أسامة بن لادن الذي لم تكن إقامته في السودان سرية؛ بل كان يظهر في التلفزيون السوداني بجوار عمر البشير أثناء إفتتاح المشاريع التي تم تمويلها بثروة أسامة بن لادن الذي كان يتجول بحرية في أنحاء البلاد تحت حماية النظام الإسلامي في الخرطوم!. الهوس الأيدولوجي للإسلاميين السودانيين جعلهم يغيرون قانون الجنسية السودانية من أجل إعطاء جوازات سفر لراشد العنوشي وعباسي مدني وكل الذين الإسلاميين المعارضين الذين سحبت دولهم جوازات السفر التي يحملونها. لقد كان عمر البشير وحسن الترابي حريصين على الحفاظ بقوة علاقتهما مع راشد الغنوشي وعباس مدني وقيادات جماعة الأخوان المسلمين المصرية وبقية الإسلاميين الذين قاموا بتكوين ما يُسمّى بـ(المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي) في العام 1991. كانا حريصين على إرضاء هوسهما الأيدولوجي وعلاقتهما الشخصية أكثر من حرصهما على العلاقات التي تربط بين شعب السودان بشعوب تونس أو الجزائر ومصر والكويت وغيرها من الشعوب.

إتضح مع مرور الوقت بأن لسياسة الدبلوماسية السودانية لا يتم صناعتها في وزراة الخارجية بل في القيادة العامة للجيش حيث تتم هناك صياغة كل السياسيات الإستراتيجية في البلاد، وبما أن عمر البشير هو المسيطر على مؤسسة الجيش فقد أصبح الرجل هو الذي يصنع السياسة الخارجية للسودان. المشكلة بأن هذه السياسيات تتم بصورة عشوائية، والكثير من القرارات الحاسمة للبشير قام بأتخاذها أثناء إلقاءه لخطابات في لقاءات جماهيرية عامة وبدون أي تشاور مع أحد، وذلك مثل طرد المنظمات الأجنبية من السودان عقب صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية ICC في يوليو 2008 وإتهام البشير بالإبادة الجماعية والقيام بجرائم ضد الإنسانية في دارفور. وإتضح دور البشير في صناعة سياسات البلاد بعد موقفه من القوات الدولية في دارفور  وخطابه الشهير الذي قال فيه إن كل المؤيدين للمحكمة الدولية (تحت الجزمة). وغيرها من الحوادث التي توضح بأن إستراتيجية إدارة البلاد تتم صناعاتها في المسرح الذي يرقص عليه البشير بعصاه أمام الجماهير وليس في مراكز الدراسات الإستراتيجية. عندما رست البوارج البحرية الإيرانية في ميناء بورتسودان قال وزير الخارجية السوداني على كرتي بأنه عرف بالأمر من الفيسبوك ووسائل الإعلام!!!

أسامة بن لادن وعمر البشير
وبهذه الطريقة العشوائية في إدارة البلاد تم تدمير كل ما يمكن تدميره على كافة الأصعدة، وكان من ضمن ذلك العلاقات الخارجية للسودان الذي دخل في عزلة إقليمية ودولية بلغت ذروتها في العام 1995. ففي ذلك العام إنقطعت العلاقات السياسية السودان بمصر إثر فشل محاولة إغتيال الرئيس المصري حسني مبارك أثناء مشاركته في مؤتمر القمة الأفريقية في أديس أبابا على يد عناصر من الإسلاميين المصريين. وفي ذلك العام كان مجلس الأمن الدولي يضغط الحكومة السودانية بشأن ملف حقوق الإنسان، وفي الجانب الآخر كان النظام الإسلامي يصراع  العقوبات الأمريكية على السودان والمقاطعة الإقتصادية التي تم إقرارها بشكل رسمي في العام 1997.

وفي تلك الأجواء المتوترة كان المنتخب القومي السوداني لكرة القدم (المنتخب الوطني حالياً) يلعب في تصفيات المؤهلة لكأس الأمم الأفريقية والتي من المقرر أن تقام في جنوب أفريقيا في العام التالي. سوء حظ السودان جعله يلاعب منتخبي مصرو الجزائر في ذروة القطيعة السياسية مع البلدين؛ فمصر قامت حينها بأحتلال مثلث حلايب وشلاتين بعد مواجهات عسكرية نتج عنها قتلى بين الطرفين. أما الجزائر فكانت تطالب السودان بتسليم الإسلاميين المتواجدين في الخرطوم والذين تتهمهم الحكومةالجزائرية بأدارة أنشطة لها علاقة بالعمليات الإرهابية التي وقعت عقب إلغاء إنتخابات 1991، وهى الأحداث المعروفة بأسم  العشرية السوداء. كانت الحكومة السودانية ترفض التعاون مع الحكومة الجزائرية، وهو ما جعل السودان بمثابة شريك على الورق في الحرب الدموية المفتوحة التي يخوضها الإسلاميون الجزائريون ضد الحكومة.  

التأهل إلى النهائيات الإفريقية كان يتطلب صعود منتخبين من المجموعة الرابعة التي ضمت منتخبات مصر والسودان والجزائر وإثيوبيا وتنزانيا ويوغندا. نتائج المنتخب السوداني كان لا بأس بها قياساً لدولة تخوض حرب داخلية على جبهتين وفي ظل إهمال للرياضة ومع منتخب لم يتأهل إلى النهائيات الإفريقية منذ 1970 والتي أحرز السودان كأسها في تلك الدورة.

محاولة إغتيال حسني مبارك

المباراة بين السودان والجزائر كانت الفاصلة لتحديد مصير تأهل منتخب السودان، ولكن بسبب توتر العلاقات الدبلوماسية بين حكومتي البلدين فقد أصبحت المباراة عبارة عن معركة سياسية حامية الوطيس.  في يوم 22 أبريل 1995 جرت نهاية المبارة الحاسمة في أستاد نادي الهلال بمدينة أمدرمان ، وبعد مبارة قوية فاز منتخب السودان بهدف أحرزه أنس النور. الحكومة السودانية تعاملت مع إنتصار المنتخب القومي كأنجاز سياسي ضد الحكومة الجزائرية، وأصبح الإنتصار أكثر حلاوة لأن المنتخب الجزائري القوي كان يضم لاعبين ونجوم من الوزن الثقيل مثل رضا الزهواني، عبدالحفيظ  تاسفاوت، وكمال قاسي- سيد وبلال دزيري.

أنس النور - السودان
عبدالحفيظ  تاسفاوت - الجزائر
إنشغلت الحكومة السودانية بالإحتفال بأنتصار المنتخب السوداني، أو ما ظنت بأنه أنتصار. ولكن الحقيقة التي بانت بعد تلك المباراة أن شعب السودان هو الذي خسر عندما أصبحت مصالح وحروب الدولة السودانية وعلاقاتها الخارجية يتم تقييمها وإدارتها بهذه الإنتقائية والمزاجية. كانت خسارة للرياضيين عندما أصبحت ميادين كرة القدم إمتداداً لميادين الإقتتال والإحتراب وليس ساحات لبدء الصداقات بين الشعوب. الإنتصار السياسي "المتوهم" للحكومة السودانية الإسلامية ضد الحكومة الجزائرية العلمانية من خلال مباراة الإياب في الخرطوم لم يكتمل بسبب خطأ إداري قام به الإتحاد السوداني لكرة القدم تجاه حُكّام المبارة جعل الإتحاد الأفريقى يحرم السودان من نقاط المباراة التي تم منحها للمنتخب الجزائري الذي تأهل مباشرة إلى نهائيات كأس الأمم الأفريقية في العام 1996 برفقة المنتخب المصري، وتم إعتبار السودان مهزوماً بنتيجة هدفين دون مقابل، وهنا أصبحت خسارة السودان مزدوجة؛ سياسياً ورياضياً، والأمر الأكثر إيلاماً للحكومة السودانية بأن يوغندا أضاعت الفرصة الأخيرة على السودان كي يتأهل بعد خسارته بهدفين على ملعب ناكيفوبو في كمبالا بهدفين نظيفين. ونعم، لقد كان علاقة السودان مع يوغندا أيضاً متوترة للغاية (ولاتزال) بسبب دعمها للمعارضة السودانية ضد نظام الخرطوم. وحتى الفوز الكاسح الذي حققه السودان على منتخب أثيوبيا (متذيل ال مجموعة) بثلاثية بيضاء لم يشفع للسودان ولم يحسن من موقعه في ترتيب المجموعة فأحتل المركز الخامس (قبل الأخير) بعدما كان مرشحاً للصعود، وكان المرارة مضاعفة بكل الحسابات.

المنتخب الجزائري قام بتعويض أداءه المخيب في CAN 94 وووصل حتى الدور ربع النهائي، ولكنه غادر البطولة بعد الخسارة من منتخب جنوب أفريقيا. أما المنتخب السوداني فأنتظر 13 سنة أخرى قبل أن يتأهل لكأس الأمم الأفريقية في العام 2008! أما العلاقات مع مصر فأصبحت أكثر هدوءً بعد إنفضاض الشراكة بين عمر البشير والترابي في ديسمبر 1999. وبعد فترة بدأ الهدوء يعود للعلاقات بين البلدين، وعندما حلت ذكرى العيد الوطني للجزائر فقام التلفزيون السوداني بتقديم سفيرها في الخرطوم لإلقاء كلمة بهذه المناسبة، وكان من ضمن ما أذكرته من ذلك الخطاب قاله: "... الجزائر لا تصادق الأنظمة والحكومات، وإنما تصادق الشعوب". لقد كان ما قاله السفير أفضل رد على الحكومة السودانية وإستراتيجية الـ(شختك بختك) التي تدير كل الأمور بحماقة نادرة، داخلياً وخارجياً.
مظاليم الكرة السودانية ... ضحايا سياسات الشكتك بختك
خلال فترة حكم الإنقاذ تبدلت الكثير من الثوابت والمواقف التي ظن البعض بأنها سوف تدوم، ولكن دوام الحال من المحال مع إستراتيجية الـ(شختك بختك). فعندما جمع الإنقلاب العسكري بين حسن الترابي وعمر البشير قال الشيخ في مدح الجنرال: ".... البشير هو هبةُ السماء لأهل الأرض"، وعندما إنفضت الشراكة أخرج كل ما يراه فيه من سوء في شخص البشير. وعندما كان جون قرنق يحارب الحكومة كان التلفزيون الرسمي يعرض صوراً مركبة لجون قرنق وهو على هيئة شيطان بذنب وقرون وأسنان تقطر دماً، ولكن بعدما تم توقيع إتفاق نيفاشا في العام 2005 تبدلت الصورة في الإعلام الحكومي وأصبح قرنق رجل السلام ذو الأفق المتفتح. يمكن لأي شخص قضاء ساعات في رصد تناقضات الحكومة السودانية التي رفعت شعارها الشهير: "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع"، ذلك الشعار الذي بدأت يفقد بريقه مع تدهور الزراعة في البلاد، ولكن تم الإعلان الرسمي بوفاة هذا الشعار عندما قام السودان بأستيراد محاصيل لم تقم الدولة بأستيرادها من قبل، ونحن لا نعني الرمان أو التفاح، بل البصل والتوم. والمؤلم بأن الإستيراد يأتي من بلاد تعاني شحاً في المياه بينما هو البلد الذي به أكبر نهر في العالم؛ نهر النيل. وجود نهر النيل لم يجعل المياه متوفرة في الخرطوم التي يحاصرها أكبر نهرين في أفريقيا. السودان هو صاحب الإمكانيات الزراعية الضخمة التي رشحته لأن يكون سلة غذاء العالم. وبالفعل أصبح السودان سلة لغذاء العالم، ولكنه سلة للإستيراد وليس للتصدير. وفأذا كانت السياسة الداخلية بهذا التقلب، فالسياسية الخارجية أكثر تقلباً ومزاجية، خاصة مع دول الجوار، وسنكتفي فقط بعلاقتنا مع ليبيا ومصر منعاً للإطالة والملل، والكآبة.

" يا خالتو .. إنها (نُذل) وليست (نزل) ... فضحتونا مع جامعة الدول العربية يا عباسيين"
آخر زيارة خارجية قام بها حسني مبارك كانت للسودان وكانت برفقة العقيد الليبي معمر القذافي في شهر ديسمبر 2010، وفيها كال البشير لهما من المديح ما كال، وبذل لهم من المكارم والولائم مقدار ما أستطاع، ولكن بعد تلك الزيارة ببضعة أسابيع إندلعت ثورة 25 يناير التي أطاحت بحسني مبارك وأودعته غياهب السجون، وهو الحدث الذي أفرح الحكومة السودانية كثيراً، فعلى ما يبدو بأن ثوار الثورة المصرية (وربما الإسلاميين  منهم) سوف يقومون بمهمة قتل حسني مبارك الذي لم يستطيعوا إغتياله بمساعدة الإخوان المسلمين في أديس أبابا. أما العقيد معمر القذافي فقد إنتهى مصيره قتيلاً بطريقة شنيعة في تمرد عسكري مدعوم بأسلحة أرسلها البشير والذي ظل يتفاخر علناً بأن طرابلس تم تحريرها بأسلحة سودانية. عمر البشير، الصديق القديم للقذافي نسى، أو تناسى، الدعم المادي والسياسي والعسكري الذي وفّره العقيد الليبي لحكومة الشير.  النظام السوداني كان يسعى بكل جدية من أجل إرضاء ليبيا التي لها تاريخ طويل في زعزعة الحكومات السودانية، العسكرية منها المدنية. فالقذافي قام بأختطاف طائرة بابكر النور ونائبه فاروق عثمان حمدالله وتسليمها إلى جعفر نميري أثناء إنقلاب 1971 الذي قام به الحزب الشيوعي السوداني. والقذافي نفسه إنقلب على النميري وقام بدعم العمليات المسلحة التي قام بها حزب الأمة والإسلاميين في يوم 2 يوليو 1976. فعلى ما يبدو بأن تقلب الأمزجة والأهواء وسياسة الـ(شختك بختك) هو ما يجمع البشير والقذافي.

سياسة الـ(شختك بختك) السودانية عندما كانت تريد إسترضاء ليبيا قامت بأصدار قرار ينص على تغيير أسماء الوحدات الإدارية في الأحياء إلى (اللجان الشعبية) وذلك إظهاراً للطاعة للنظام الليبي وطمعاً في كسب رضا القذافي الذي توهم بأنه يرى تطبيقات الكتاب الأخضر في بلاد السودان، ومنذ ذلك الحين تغيرت أبواب المحلات التجارية في السودان لتصبح خضراء اللون، تماماً مثل لون علم الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، العلم ذو اللون الأخضر. عند زيارة العقيد الليبي للخرطوم قام بالمرور على سجن كوبر، ويُحكى بأنه قام برفس باب السجن وصرخ: "حرية حرية .. لا سجون بعد اليوم"، ومن أجل إسترضاء القذافي له قامت الحكومة السودانية بتغيير إسم الحي الذي به السجن من كوبر إلى عمر المختار، وتم إجبار أصحاب الحافلات على كتابة الإسم الجديد بدلاً من كوبر، ولكن السودانيين لم يأبهوا للأمر ومازال الإسم القديم على الألسن.

من الطرائف التي تُحكى عن حادثة تغيير إسم السجن والحي بأن بعض (الكُمَسنّجية) كانوا يصيح في الناس لأجل ركوب الحافلة (أسجن عمر.. أسجن عمر.. أسجن عمر)، وعندما قبض رجال الأمن على أحد (الكُمَسنّجي) قال: "... لكن أنا قاصد عمر المختار .. ما عمر البشير!".

اللقاء الأخير للثلاثي المرح في الخرطوم
والآن، نجد بأن عمر البشير ربما أراد مجاملة  والي ولاية باجه التونسية عندما مدح الثورة التونسية لأنها أتت بحليفه القديم راشد الغنوشي إلى السلطة. ولكن هل يضمن الوالي التونسي بأن البشير سوف يظل على موقفه من الغنوشي إذا سقط وحزبه من قمة السلطة ذات يوم؟ هل يضمن بأنه لن يفعل معه ما فعله في الترابي والقذافي ومبارك وغيرهم؟ لا توجد إجابات واضحة مع الحكومة السودانية، فطبقاً لإستراتيجية الـ(شختك بختك) فصديق اليوم قد يصير عدو الغد، وعدو اليوم قد يمسي حبيب الغد. لقد أتى بن لادن إلى السودان تحت حماية النظام الإسلامي، ولكن أنتهى به الأمر مطروداً من الخرطوم برفقة جميع أتباعه الذين قامت الحكومة السودانية قامت بالتبليغ عنهم إلى وكالة المخابرات الأمريكية CIA، وفي المقابل حصلت على وعود غربية برفع أسم السودان من  قائمة الدول الراعية للإرهاب التي تم إضافة إسمه فيها يوم 2 أغسطس 1993. سياسة الـ(شختك بختك) لا تفتقر إلى فن الإدارة أو الرؤية الإستراتيجية، بل هى أحياناً تفتقد لأي قيمة أخلاقية، وهى سياسة إنتهازية يمكنها تبرير الغدر والخيانة من أجل الوصول للأهداف، وذلك هو ما فعلته الحكومة السودانية مع الثوري إليتش راميرز سانشيز، والذي يعرفه العالم بأسم كارلوس الثعلب. جاء المناضل الفنزويلي محتمياً بالإسلاميين في الخرطوم ظناً منه بأنه في جوار نظام ثوري يقاتل ضد الإمبرالية العالمية، ولكن الحكومة السودانية غدرت به وقامت تخديره وإرساله على طبق من ذهب إلى المخابرات الفرنسية. قضى كارلوس حياته في النضال ضد الإمبرالية والصهيونية، ولم تستطع كل مخابرات العالم إلقاء القبض عليه، ولم يكن يظن الثعلب بأن يتم إصطياده بهذه السهولة، وبأن سقوطه لن يكون في هذا المكان.


على ما يبدو فأن السودانيين يجب عليهم الصبر على إستراتيجية الـ(شختك بختك) التي دمرت السودان في السياسة والإقتصاد والرياضة، سياسة جعلت هدف الدولة الأول الفوز بمباراة كرة قدم ضد الجزائر في مقابل قطع علاقات دبلوماسية بسبب التطرف الأيدولوجي. إنها سياسة رعناء جعلت السودان يخسر العلاقات مع شعب تونس في مقابل إرضاء شريحة تمثل جزء من التونسيين، ألا وهم الإسلاميين. دعم حكومة الخرطوم ودعمها للإسلاميين التونسيين هو تدخل سافر في شئون دولة أخرى، وتطفل لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال، والأسوء عندما يؤثر هذا الهوى الشخصي على سلوك الدولة تجاه الدول الأخرى. ونفس هذا القياس ينطبق على العلاقات مع مصر وكل الدول التي يتشارك معها السودان العلاقات والمصالح. وعلى ما يبدو بأن يجب علينا الصبر حتى إنجلاء هذا البلاء وسقوط هذه الحكومة (السبهللية) التي فرضتها علينا الظروف الجبارة. فكما يقول المثل الشعبي السوداني: "الدنيا أكان دارتك بي خيط العنكبوت تنْقاد .. وأكان أبَتك تقطع سلاسل الحداد"، ومازالت السلاسل في أقدام السودانيين، وأصبح الوطن بمثابة السجن الكبير، ومازال السجان باقٍ. ولكن يوماً ما سوف ينجلي هذا البؤس، فأحلك ساعات الليل هى ما تسبق بزوغ الفجر.
Post a Comment