Wednesday, May 15, 2013

تلك الامثال - محفوظ بشرى


مَثَل:

تحدث أحد (أرباب العمل) الذين عملت لديهم ذات مرة عن لا إنسانية الذين يبخسون الباعة المتجولين أشياءهم، واعتبر ذلك (استغلالاً) لحاجتهم وظروفهم السيئة. في حين أنه يدفع للعاملين (لديه) أقل بـ 50% من الحد الأدنى المتعارف عليه للأجور بين أرباب العمل!

ما هو الاستعباد حقاً؟
إذا قمنا بعملية (تقشير) مباشرة بغرض النفاذ إلى معنى الاستعباد (بعيداً عن القاموسية)؛ فسنجد على الأرجح أنه – الاستعباد – الاستيلاء على قوة عمل بشر آخرين قسراً دون تعويضهم. ذلك التعويض الذي ربما اعتبره (رب العمل) منقصاً للفائدة القصوى التي يبغيها من استخدامه لأولئك البشر من أجل مصلحته الخاصة، وكي يبدو الأمر (مستقيماً) ومتسقاً مع نظام الأخلاق السائد في المكان والزمان اللذين يشكلان محوري الوعي لدى (رب العمل) ذاك؛ تتشكل عدة (حيل) لتصبغ على الأمر أخلاقية ما. ما أقوله هو: إن الاستعباد هو الحصول على قوة عمل دون مقابل باستخدام آليات قامعة لتجبر أناساً ما على منح قوة عملهم هذه رغماً عنهم.

طيِّب، إذا سلمنا بأن ما ذكرته صحيح أو يتضمن شيئاً من الصحة؛ ألا يعني هذا أن الاستعباد قائم حتى الآن وبأشكال لا حصر لها؟

طيب، من صاحب المصلحة في أن يوجه التفكير نحو صورة (منمذجة) للاستعباد (العبودية – الرق – العنصرية... إلخ)؟ صورة يجعلنا نهاجمها بضراوة على الرغم من التأكيد على نهايتها وأنها صارت من الماضي! من صاحب المصلحة في الانشغال بالهجوم والعراك مع وجه واحد وغابر من ممارسة ما، وبذل كل الجهد في ذلك، وعدم الالتفات إلى الأشكال الأخرى من تلك الممارسة؟ أليس هو من يمارس تلك الأوجه الأخرى؟

دعونا إذن نتحدث عن (التوجيه)، وكيف يشغلك (النشَّال) بتفقد حذائك بينما هو يعبث في جيبك، دعونا نحاول أن نتساءل عن كيف يجعلنا النظام مشغولين (بالعظمة) في الوقت الذي يتسلل إلى ما ادخرناه من مؤونة، أي: فلنر كيف يستعبدنا النظام بطريقة تجعلنا نبذل كل الجهد من أجل أن يوافق على استعبادنا، دعونا إذن نتحدث عن العمل.
ما العمل؟ وماذا اكتسب خلال تلك الرحلة المضنية من ذلك الوقت الذي كان الإنسان فيه (ينتج) حاجاته بنفسه، وحتى الزمن الذي شكلت فيه المدينة حافزاً لقيام علاقة تكاملية بين بشرٍ تجمعهم أسوار واحدة فصار كل منهم ينتج جزءاً واحداً مما يحتاجه البشر ليحصل كل واحد في النهاية على احتياجاته عبر عملية تبادل وضعت اللبنات الأولى لمفهوم (القيمة)؟

بذات طريقتنا في (التقشير) القاسي للوصول إلى جوهر المسألة البسيط؛ نقول إن العمل هو عملية تبادل يحكمها مفهوم (القيمة)، العامل يستبدل قوة عمله باحتياجاته التي يحصل عليها في صورة قابلة للتحويل إلى أي شكل وفقاً لمفهوم القيمة المتبع.
وحتى لا ننغمس كثيراً داخل هذا (الغلاط) الأزلي؛ ننفذ إلى السؤال: لماذا يعمل البشر؟ أعني بالعمل ذلك الشكل الذي ينتجون فيه احتياجاتهم بطريق غير مباشر عبر بيع قوة عملهم هذه لواحد من البشر؟

مَثَل:
أرجى سفيه ما ترجى عاطل.
(مثل سوداني!)

يُبرر العمل على عدة مستويات، ويُعتبر التوقف عن العمل عصياناً (لمن؟) يستدعي التعامل معه بحسم من كل أبنية النظام بدءاً من المفاهيم الاجتماعية التي تعلي من قيمة العمل؛ وانتهاء بالنصوص الدينية التي تعتبره نوعاً من العبادة، مروراً بكافة أشكال القهر المنظم على المستويين الظاهر والمستتر ضد من يتمردون على هذه (القيمة) التي من غير الواضح حتى الآن مدى جدواها للعامل على المدى البعيد!

إن الاستعباد قائم، لم يمت، فقط تنكَّر في وجه آخر وظل جوهره هو ذاته: إجبار البشر على بيع قوة عملهم دون مقابل. قديماً كان المستعبَدون يحصلون على ما يبقيهم أحياء من أجل مواصلة العمل، الآن ذات الشيء يحدث: المستعبَدون يحصلون على ما يبقيهم أحياء لمواصلة العمل، فقط لا غير. وما (الامتيازات) المصاحبة إلا ما تحدثنا عنه في البداية، أعني ما يكفي لانشغالنا عن التفكير في لب الأمر، ومن أجل هذا الانشغال جند النظام كل آلته الدعائية لترسيخ نموذج مرسوم بعناية (للحياة)، وهو ما تحدثنا عنه بإسهاب في مقالات سابقة.

مَثَل:
(بعملنا) وبأملنا نبني جنة.
(جزء من أغنية عن الوطن)

- لماذا يعمل البشر؟
- ليعيشوا.
- كيف يعيش البشر عن طريق العمل؟
- يحصلون على مقابل يشترون به حاجاتهم.
- وكيف يحصل من يمنحهم هذا المقابل على حاجاته؟
- من المقابل الذي يحصله من بيع ما أنتجه البشر، للبشر.
لا أتحدث هنا بشكل مباشر عن (فائض القيمة)، ولكن أحاول الوصول إلى ما يمكن أن يكون إجابة معدة سلفاً لتساؤلات مثل هذه، فبقدر ما تبدو الأسئلة بسيطة وساذجة، والإجابات كذلك؛ إلا أنها ترينا أن لسبب ما؛ لم تخطر هذه الأسئلة البسيطة (السطحية) على التفكير بشكل ملح، لسبب ما لم يتوقف أحد ممن يدخلون يومياً إلى بطن هذه الآلة الطاحنة للنظام المسماة (العمل) أمام أسئلة كهذه، وإن وقف؛ سيجد أمامه واحداً من طريقين: إما أن تصبح الأجوبة متشابكة وعلى شيء من التعقيد المرهق؛ وإما أن يُمنح إجابات جاهزة تم إعداد وعيه من الصغر لتقبلها والارتياح إليها. وفي كلتا الحالتين؛ سوف يواصل البقاء داخل بطن الآلة دونما أفق لاحتمالات أخرى لإمكان العيش بطريقة مختلفة عما أريد له، أو محاولة كسر الطوق وامتلاك قوة عمله بما يمكنه من تحديد قيمتها وفقاً لمصالحه لا مصالح المستفيدين من الفرق في القيمة بينها والمقابل.
العمل استعباد، عبودية، اختيار مزيف مثل أن تختار بأي طريقة تريد أن تموت. عين ما كان يحدث قديماً يحدث الآن، كان العبيد يطاردون ويقبض عليهم بالقوة ويربطون بالسلاسل ويجلبون إلى حيث يعملون حتى الموت، والآن يطارد العبيد بالمفاهيم ويتم القبض عليهم بإغلاق الخيارات والطرق الأخرى ويجلبون إلى حيث يعملون حتى الموت بآلة النظام القيمية الدعائية المصفحة بالوعي المصنوع لهذه الغاية، يتم ربطهم بسلاسل ذات مسميات أكثر نعومة، يجبرون بوضع الحياة مقابل العبودية، والموت مقابل العصيان.

مَثَل:
قطع لصوصٌ طريق رجل، فأوقفوه وأنشأوا يبحثون عما يحمل؛ فعثروا على صرة مال معه، ولأنها كانت واضحة جلية، لم يخفها، ولم يقاوم كثيراً عندما انتزعوها منه؛ شك كبير اللصوص أن الرجل يخفي أكثر مما وجدوا لديه؛ عندئذٍ بدأوا يقررونه عما يخفي؛ فلم يقرّ لهم بشيء، عذبوه وأسمعوه ما يكره؛ فلم يستجب، عندها خلعوا عنه ما يلبس؛ فوجدوا أنه خاط المال في بطانة ثوبه ليبقيه آمناً من أيدي أشباههم، فعرفوا أن هذا هو ما يعتقد من مال، فأخذوه وأطلقوا الرجل وهم على يقين من تجريدهم إياه من كل ما يملك.

لكن الرجل بعد أن أمِنَ واسترجع أنفاسه، وردت روحه إليه؛ مد يده داخل حذائه يطمئن على ما اعتقده من مال، ثم مضى.

(........)
لا يسمح النظام بالولوج إلى المستوى العميق الذي يجيب عن أسئلة تشكل إجاباتها خطراً عليه؛ فعند ورود أي من هذه الأسئلة إلى الذهن؛ تبدأ آليات النظام الدفاعية في العمل، مفرزة عدداً من الحيل التي تجنبه خطر الولوج إلى ما يخفيه بعيداً عن وعي (العامة)، فدائماً هنالك الأجوبة الجاهزة والمتاحة لأي سؤال، الأجوبة التي تبرر على الفور، تقنع، وتقضي على الخطر في مهده، وهي كافية لإقناع البعض. اما من يحاولون التعمق أكثر؛ فيلعب معهم النظام لعبة نتيجتها اعتقادهم أنهم حصلوا على الإجابة الصحيحة نسبة لما أنفقوه من جهد وما عانوه من مصاعب للحصول عليها، ولا يخطر بالبال البتة أن هذا ليس سوى المستوى الثاني فقط الذي تستخدمه آليات الدفاع عن النظام، فيذهبون ضحية للخدعة دون أن يفكروا أن النظر داخل الحذاء فات عليهم.

مَثَل:
(أنا بكره ثقافة الفقر، يعني زي إنو واحد يربي الجداد، ويقوم يوديه السوق يبيعو عشان يشتري ويكة ودقيق عشان ياكل كسرة بويكة! يعني هو ما ياكل جداد بس يبيعو للناس البياكلو جداد وبسعرو يجيب البياكلو هو! دي ثقافة فقر، حاجة عجيبة!)

(من حوار مع صديق في العام 2008م)

إذن يستعبدك رب العمل (استعباداً مباشراً) لعدد من الساعات في اليوم، لعدد من الأيام في الشهر، لعدد من الأشهر في السنة، لعدد من السنين في عمرك؛ بمقابل هو الكفاف من العملة التي تستبدلها بالطعام الذي يبقيك حياً بالكاد ودائماً بحاجة لاستعباد رب العمل لك. العمل قيمة مصنوعة، محمية بالقانون الظاهر والمستتر، بالعرف والدين، فلنتساءل: ما الذي سيحدث لو توقفنا جميعاً عن العمل؟ سينهار النظام بالتأكيد، ولئلا ينهار النظام؛ فهو يحافظ على أن تعمل، أن تلتزم بالقيم (التي صنعها)، أن تكون تطلعاتك في اتجاه واحد لن تصل به إلا إذا أدركت الخدعة، نحو (الرفاهية)، أن يشغلك بحرب طويلة ومصنوعة ضد الفقر، أو الظروف... إلخ، (ولهذا يصنع الفقر)، ولهذا يصنع المسارات التي تجعل الفقر قيمة مثلها مثل القيم الأخرى أولاً، ثم من بعد ذلك يدخلك إلى تلك المسارات التي تؤدي إلى ما يريده بك.

مَثَل:
لقد أصبحت تجد من يعتني بك، ويرعاك، ويخبرك كيف تعيش على نحو أفضل، وكيف ترتدي أحدث الأزياء، وكيف تزخرف منزلك، باختصار، كيف توجد.
(هنري لوفيفر – في معرض نقده الدعاية والإعلان- والتلفزيون)

العمل استعباد له ما يتعلق به، سلسلة كاملة متشابكة من المهام التي يجب القيام بها آلياً والمرتبطة بالعمل، سلسلة من الأفعال الاجتماعية المتصلة في دوال شرطية يستحيل الفكاك منها ما لم تتم معرفة اتجاه عملها أو مدى ارتباطها بنقاط تقع خارج الوعي المرئي مثلاً. لذلك ثمة ارتباط بين البعد القيمي للعمل وبين التقدم في السلم الاجتماعي، أي بين مدى الخضوع للعبودية وبين مدى الامتيازات المتحصلة بناء على درجة ذلك الخضوع. مثلما أن النظام يرتعب من حدوث (التفكك الأسري) (وهو موضوع سنلمسه في ما بعد)؛ فهو يرتعب كذلك من حدوث بطالة غير مسيطر عليها، أي خارج نطاق ما يحتاجه ويصنعه من بطالة من أجل إشباع شروط وجوده من جهة، ومن أجل تغييراته الدائمة في الترتيب والتراتبية (المكافآت) بين عناصر عمل الآلة (مقابل كل من يصعدهم النظام مكافأة لهم في السلم الاجتماعي؛ يوجد من تم إخلاء خاناتهم لأجل الوافدين الجدد، وإخلاء الخانات هذا لا يلتزم بداهة أن الجديد يوضع تماماً مكان المُزاح، بل يتم تحويل الإزاحة نحو من لا حاجة للنظام بهم، أو من يراد تخزينهم على مقربة حتى أوان الحاجة .. إلخ). ولأجل السيطرة على الوعي، تنتج الآلة خطاً متصلاً من الدوال الموجِّهة في فضاء الوعي العام والقابلة للالتقاط من قبل المستهدفين حالما يتوافر المستهدف على شيفرة مناسبة طبعت في وعيه منذ التنشئة. إنها شبكة معقدة حقاً، تصعب الإحاطة بكل خيوطها المتشابكة داخل أبعاد لا حصر لها في فضاء الوعي، تسندها آلة مادية جبارة لا ترحم ومصممة من أجل هدف واحد لا تحيد عنه: حماية النظام.

من مدونة هورقيليا لمحفوظ بشرى
Post a Comment