Monday, April 1, 2013

قراءة لكتاب الهوية والنزاعات الأهلية فى السودان - طلال الناير


هذا الكتاب تم تأليفه من خلال دراسات أكاديمية، ترجمها الراحل الأستاذ الخاتم عدلان، والأستاذ محمد سليمان، والأوراق هي: (العنصر والهوية في وادي النيل) من إعداد وتحرير كارولين فلوهر وخريسا رود، والورقة الثانية كانت بعنوان: (مزارع القتل في دارفور.. نظرات حول الإبادة الجماعية في السودان) وقد أعدتها وحررتها سوندرا هيل ولورا بني.أما الورقة الثالثة فعنوانها (على تخوم الهوية الشمالية: ما المقصود في اتفاقية دارفور للسلام؟) ونشرت في دورية معهد السلام الأمريكي، وتناقش هذه الأوراق الثلاث موضوع الحرب الأهلية وعلاقاتها بالهوية. الكتاب يتضمن تحليلاً لجذور الصراع السوداني، والذي قامت العديد من النظريات لفهم كوامنه، ومنها تلك التي تعزي الصراع إلى الاستعمار البريطاني، وتواجده في السودان، وهنا يعتبر د. الباقر العفيف أن هذه النظرية سقطت بفعل الترجمة التاريخية، ويلقي باللوم على النخب في شمال السودان في فشلها بتصحيح الأوضاع، وكذلك مواصلتها الحرب بنشاط كبير أحرق الأخضر واليابس في جنوب السودان وإقليم دارفور الواقع أقصى غرب البلاد.
يتكون الكتاب من ثلاثة فصول؛ الأول يتحدث عن أزمة الهوية في الشمال السوداني، وعند محاولة المحللين السودانيين لفهم جذور الحرب اتبع هؤلاء عدة مناهج للتحليل، حيث ركز الجيل الأول بصورة أساسية على بريطانيا ودورها في فصل الجنوب عن الشمال. وجاء الجيل الثاني من المحللين لينقلوا مركز الاهتمام من العدو الخارجي (بريطانيا) إلى العدو (الداخلي)، وذلك بعدما تفاقمت الحرب التي حصدت الملايين من القتلى وأضعافهم من الجرحى والنازحين واللاجئين. وهذا التحليل يحاول الوصول إلى جذور الصراع باعتبارها نتاجاً لعدم اعتراف بالخصائص الثقافية للجنوب، والتي تمّ الاعتراف بها أول مرة في إعلان 9 يونيو 1969 والذي قامت على أساسه اتفاقية أديس أبابا.ويقول الكاتب عن (شبه الإجماع) حول هوية الصراع باعتباره صراعاً بين (مركز وهامش) أن البلاد تعاني من أزمة هوية وطنية، وليس صراعاً ثنائياً بين الجنوب والشمال (الذي يشعر بأنه عربي ومسلم)، ويسعى إلى تعريف كل البلاد على هذا الأساس، وتحويل الهوية الجنوبية إلى انعكاس مشوه لذاته. يدخل الكتاب في منحى تحليلي أكاديمي تعريفي للـ(الهوية) و (التماهي) و(تكوين الذات) و (تغيير الهوية وأبعادها وأزمتها) إلى أن يصل إلى عوامل الأزمة في شمال السودان، والتي يرجعها المؤلف إلى تصور الشماليين لأنفسهم كعرب وتناقض ذلك مع رؤية العرب لهم.

أما العامل الثاني فهو غموض الهوية بالنسبة للشمال السوداني، واضطرابهم لدى الوقوع في محك التصنيف الانتمائي إلى الإثنية إضافة إلى عامل ثالث يتمثل في إحساس الشمالي بأبيه العربي الذي لا يظهر في سحنته واحتقاره لأمه الإفريقية الظاهرة عليه جسداً.. إنها (خلع هوية) للذين لا يجدون موضوعا مناسباً لها وانشطاراً عميقاً في أغوار الذات بين تصورها عن نفسها وصورتها وانقساما بين السحنة والثقافة.. إنه انقسام بين سحنة إفريقية سوداء وثقافة عربية بيضاء، أساسها ومقياسها (اللون الأبيض)، الذي يصبح دلالة وقيمة ومؤشراً لمركز الهوية العربية، وعلى أساسه يتبين مدى القرب والبعد عن ذاك المركز. ويشرح المؤلف عن غياب الذات الشمالية عن هذا النظام الدلالي القائم على (البياض)، ومحاولاتها بالتحرك من هذا الموقع الهامشي والدوني من مركز هذه الهوية بمحاولة الحصول على الخصائص المعيارية للمركز المتمثلة في ملامح البشرة البيضاء والشعر الناعم والأنف الأقني، وعن الافتقار للخصائص المعيارية فعندها تتم محاولة التعويض عنها أو إكمالها عن طريق (التصاهر).

وهذا الوعي المحرج بالهامشية ينتقل من إحساس الفرد وتعريفه الذاتي لنفسه إلى العقل الجمعي للنخبة السياسية الحاكمة الشمالية، والتي أول ما اتخذت من القرارات هو الانضمام إلى جامعة الدول العربية حتى قبل أن تعالج أزمة الحرب في جنوب السودان التي بدأت قبل الأستقلال بسبب إحساس الجنوبيين الأفارقة بأنهم مهددون بالتواجد في دولة سوف تصبح عربية وهى لا تعتبرهم مكوناً هامشياً فيها وذلك على الرغم من أنهم سكان البلاد الأصليين. يرى الباقر العفيف بأن إحساس النخبة الشمالية (العربية المسلمة) بالتهميش من قِبل المركز العربي جعلهم يكتفون بدور المتفرج داخل ملعب السياسة العربية، متفرجاً على سجالات راديكاليي العروبة ومحافظيها الذين نسوا السودان ولم يتذكروا مقعده الهامشي في الجامعة العربية إلا بعد هزيمة 1967م. يقول لنا رئيس الوزراء السابق محمد أحمد المحجوب بإن الخرطوم كانت المكان الوحيد المقبول سياسياً حتى يتقابل معسكري العروبة حينها في مكان محايد؛ وكان الخرطوم هى مكان لقاء جمال عبد الناصر والملك فيصل. يقول د. الباقر "الهامش أصبح مكاناً ملائماً بالنسبة للمركز؛ ينسحب إليه ليلعق جراحه التي في جنباته". 

وتأثير الهوية الهامشية جعل السودان الشمالي مستهلكاً ومستعيراً للمنتوج الثقافي والديني والسياسي القادم من المركز العربي، الذي يسعى لملئ ما يعتبره (فراغاً). هذا الميل لاستهلاك منتجات المركز جعل الشمال ميالاً للتواؤم مع المركز ليس فقط سياسياً ودينياً وثقافياً بل وحتى (لغوياً). إن فكرة (التحوّر اللغوي) عند السودانيين يرجعها المؤلف إلى غياب القسمات المعيارية للملامح، والتي يستعاض عنها بالألفاظ، والتركيز المفرط على أصالة تمتد للعرب، وهو ما يدل على معاناة (السوداني الشمالي) من أعراض (عدم الاعتراف) التي ناقشها تشارلز تايلور في كتابه (سياسات عدم الاعتراف). ثم يتعرض الباقر لتكوين الهوية العربية الإسلامية في شمال السودان من ناحية السرد التاريخي، ومحاولة الملوك لتطويع الهوية لخدمة أهداف سياسية على رأسها البقاء في السلطة بمحاولة إدعاء الأصل العربي، والذي انتسب إليه ملوك الفونج بـ (أمر ملكي)، الذين عرفوا أن العالم ليس مستقراً وأنهم لا يستطيعون أن يكونوا أنفسهم، وكان لديهم الحافز القوي للانقلاب على هويّتهم النوبية التي حامت حولها الشكوك. وإن كان ملوك الفونج قد انقلبوا على هويّتهم (براغماتياً) للبقاء في السلطة إلا أن دوافع الانقلاب الهويوي عند الشمالي هي التركيبة البطرياكية للقبائل العربية، والتي تنسب الأطفال إلى الأب العربي، وكذلك النظام التراتبي للقبيلة، والذي يحوي مجموعات تابعة مثل الحلفاء والمستجيرين والعبيد، والتي قد تسمح القبيلة لهم بالانتساب إليها ولكن في فئات أدنى من السلم التراتبي، وكذلك مفهوم النقاء في الإسلام والذي يجعل البعض يسعى للتقرب من قبيلة النبي محمد. 

أما الخاصية الثالثة فهي العلاقة بين الإسلام واللغة العربية، والتي أصبحت مقدسة لأنها لغة القرآن والتي جعلت بعض المستعربين، يعتقدون أنهم أصلاء في العروبة لمجرد تحدثهم بلسان عربي مبين. إن تشكيل الهوية العربية الإسلامية في الشمال مستمر، ويورد الكتاب تفصيلاً لذلك منذ الأتراك ودفعهم لعجلة التعريب والأسلمة وصولاً للجبهة القومية الإسلامية التي شرعت في إزاحة (الخلعاء) عن طريق القوة. ويتحدث المؤلف عن الثقافة العربية، واحتقارها للون الأسود، متعقباً ذلك عبر حقب ما قبل الإسلام إلى ما بعد انتشار الإسلام، وموضحاً ردة فعل السود على هذه العداوة وأشكال مقاومتهم لذلك. إنّ موضوع الهوية الشمالية القلقة لن يُحل بالانفصال، والذي قد يحل مشكلة الحرب وليس( أزمة الهوية)، التي وصلت إلى قمتها.. وهو ما طرح سؤالاً على الشماليين عن مدى رغبتهم بالتمسك بالهامش العربي أو إرادتهم لخلق مركز خاص بهم، ويقول العفيف إن أهمية زعزعة الهوية القديمة وفضح تناقضاتها لازم لخلق هوية جديدة تُمكّن السودانيين من رؤية العالم بعيون مركزهم، والنزوح من الدرجة الثانية للعروبة تجاه الأصالة السودانية 
.
ثم يتحدث الكتاب في الفصل الثاني الذي أسماه بـ (ما وراء دارفور.. الهوية والحرب الأهلية في السودان) والذي كان عنواناً لكتابه الصادر عن مركز القاهرة للدراسات الإستراتيجية وحقوق الإنسان لعام 2006م والذي يتحدث فيه عن أن أصل كل الصراعات في البلاد ما هو إلا نتاج تجاهل تعددية الهوية من قبل الانتلجيسيا الشمالية التي رفضت قبول مواطني الجنوب وجبال النوبة والأنقسنا كما هم، بعد وراثتها للحكم بعد الاستعمار، حيث دخلت في محاولات مستميتة لتعريبهم، واعتبرت مواطني دارفور والبجا (ملحقات) للشمال النيلي باعتبارهم مسلمين ولمعرفتهم بوضعهم الدوني في الوضع التراتبي الاجتماعي والعرقي، واستغلال الطبقة الحاكمة لآليات الدولة، وقوتها للشروع في تنفيذ هندسة اجتماعية هدفها إعادة إنتاج ذلك الوضع التراتبي مجدداً في الجنوب والانقسنا وجبال النوبة؛ وهو ما أثبتت خطأه التجارب التي افترضت استمرار السيطرة على مناطق (الفراغ) إلى ما لانهاية.

الورقة الثانية، كانت بعنوان (مزارع الموت في دار فور)، هذه الورقة ابتدأت بنظرة تاريخية عن الهوية، وبيانها حداثة المصطلح (السودان)، الذي نشأ مع الغزو التركي المصري عام 1821م، وكذلك عن الهوية الجنوبية، والتي كانت مجهولة – على الأقل – بالنسبة للأتراك والشماليين قبل الغزو التركي المصري الذي جاء للسودان بحثاً عن الرقيق، ومحدداً للعلاقات بين الشمال والجنوب على أساس العلاقة بين السيد والعبد أو المالك والبضاعة.إنّ هذه العلاقة استمرت حتى بعد اختفاء مؤسسة الرق إنها علاقة أساسها التحكم والسيطرة واعتبار الجنوب فراغاً ثقافياً ودينياً وسياسياً، وتقع على الشمال مهمة إخضاع وتعديل وملء الفراغ بمكوّناته العربية والإسلامية الأصيلة.وقد وضعت الورقة تجارة الرقيق أساساً للعلاقة بين الشمال والجنوب، وقالت إن تجارة الرقيق كانت تمارس حتى بعد إلغائه بشكل غير قانوني أثناء حكم الاستعمار حتى العام 1928م.ويصف الكتاب اعتبار بريطانيا الجنوب فراغاً ثقافياً تجب حمايته من ثقافة الشمال المجاور وذلك عن طريق الإرساليات التبشيرية التي عملت على تنمية الهوية الجنوبية، المستقلة عن الهوية الشمالية العربية، التي دعمتها سلطة الاحتلال، ووضعتها في مكانة أعلى من المجموعات الإفريقية، وذلك بفصله - الجنوب - تماماً عن طريق قانون المناطق المقفولة (1922-1947م). بعد فشل بريطانيا في سياساتها هذه تبنت خيار السودان الموحد، الذي أطلقه مؤتمر الخريجين الشماليين، والذين طالبوها بتبني الإسلام والعربية في الجنوب، وهو ما رأت فيه الإرساليات التبشيرية تهديداً للهوية الجنوبية الجديدة القائمة على المسيحية والثقافة الغربية واللغة الانجليزية.

وذلك ما حصل فعلاً بعد قيام إبراهيم عبود باقتلاع الهوية التي غرسها الانجليز بهوية شمالية بديلة، وسارت على هذا الدرب كل الحكومات بنشاط كبير خصوصاً الجبهة القومية الإسلامية، التي اعتبرت أن الجنوب ما هو إلا مجرد خطوة لتوطيد الإسلام في أدغال إفريقيا، معتبرة - كما جميع الحكومات السابقة- أن التمرد والثورة في الجنوب ما هي إلا حصاد ما زرعته الكنيسة والاستعمار، والتي كانت تسعى لإلحاق الجنوب بشرق ووسط إفريقيا، وهو ما أجج نيران نظرية المؤامرة التي تمّ تبنيها بطريقة أو بأخرى لتفسير الاضطراب مع الغرب منذ ذاك الحين وحتى الآن . ولكن الطبقة الحاكمة كانت تنظر للهوية الجنوبية كموضوع للصراع وليس كعنصر فاعل فيها. جماعة الأخوان الجمهوريون والشيوعيون السودانيون هم من شقوا وجهة النظر الشمالية هذه، وذلك باعترافهم بالخصائص المختلفة للجنوب، ومطالبتهم بحكم ذاتي له، وهو الحل الذي تأخر لأكثر من نصف قرن من أجل إدراكه، ويتساءل الكاتب عن مدى الخسائر التي سيحتاجها الشمال لتعلم الدرس المستفاد من الجنوب ولـ (تعميم) الدرس في جبال النوبة وتلال الأنقسنا ودارفور، والتي وصفها كوفي عنان –ألامين العام للأمم المتحدة سابقاً- بأنها جحيم على سطح الأرض 
.
إن هذا الوصف البشع لم يكن مجرد إحصاءات بل إفادات ضحايا من قلب المحرقة.. محرقة حرق فيها البشر والشجر؛ لتضع إنسانية من قاموا بهذه الجرائم الشنيعة في حق إخوانهم في الدين على المحك. فإسلام الضحايا لم يشفع لهم من الاستعباد والقتل والاغتصاب والنهب والإجلاء القسري عن أراضيهم. ورغم كل ذلك العذاب في دارفور فقد تبلدت مشاعر بعض الشماليين عن التفاعل مع آهات إخوانهم من مسلمي دارفور في نزوح عاطفي شرقاً تجاه فلسطين والعراق. وتمت تنحية الجانب الإنساني في القضية، وتبني منهج تضليلي في وسائط الإعلام السودانية والعربية والإسلامية؛ وقواعد هذا المنهج هي إنكار الإبادة الجماعية علي أساس الإثنية وإنكار الاغتصاب ونفي صلة الحكومة بالجنجويد (عصابات الإغتصاب والنهب المسلح والتي ترجع أصولها إلى القبائل عربية)، وأن المشكلة في أساسها مجرد ناتج عن البيئة، التي أعطت دارفور موارد شحيحة وجرى نزاع قبلي حولها. ولكن قوى الإمبريالية العالمية تسعى لتضخيم هذا (النزاع البسيط)، وجعله مدخلاً لها للقضاء على المشروع الحضاري الإسلامي وصرف أنظار العالم عن فشلها في العراق وفلسطين. ثم يناقش الكتاب الأسباب العرقية للصراع عن طريق تناول التركيبة الإثنية في دارفور وعملية التعريب فيها، والتي عملت على صياغة الهوية التي تغيرت الآن بعد الصراع. حيث رأى أنصار القبائل الإفريقية في دارفور وهم من تسميهم القبائل العربية بـ (الزُّرقة) أن المركز قد استخدم سلطته خطأ، وانحاز للقبائل العربية وهو ما جعلهم يعيدون النظر في هويتهم.
ويتطرق الكتاب لفكرة الجنجويد باعتبارهم كما العملاء المأجورين للقتل في دارفور، ويماثلهم في الجنوب (المراحيل)، والذين تم تجنيدهم من قبائل البقارة في كردفان ودارفور إبان عهد الديموقراطية الثالثة، والتي في أثناء حكمها قام المراحيل بالإغارة على الجنوب والشروع قتلاً ونهباً حتى كانت المجزرة الكبرى في الضعين والتي قتل فيها 1500 شخص حتى أن بعضهم أُحرق حياً وقتل بعضاً منهم داخل مراكز الشرطة تحت سمع وبصر القانون. وبنفس سيناريو (المراحيل) ولكن بوتيرة قصوى – عمل الجنجويد في الزرقة (تسمية محلية للمنتسبين إلى القبائل الإفريقية) قتلاً واغتصاباً وتنكيلاً حتى بانت الفضيحة التي لم تستطع الحكومة تغطيتها.. فلجأت لتفعيل الدرجة القصوى من الاستنفار الدبلوماسي والإعلامي والسياسي لاحتواء هذا الضرر، وذلك بخطاب إعلامي عاطفي عن الاستهداف على الصعيد الداخلي والتحالف مع الأنظمة الشبيهة بها، مستخدمة - الحكومة- عقود النفط كرشاوي على حد تعبير المؤلف. أما بصدد الأحزاب المعارضة الشمالية وموقفها من الأحداث فقد قال المؤلف إنها وقفت موقف المتفرج وذلك حتى بمجرد إصدار بيان علي الأقل شبيه بذلك الذي أصدره عقب اعتقال العميد عبد العزيز خالد قائد قوات التحالف في الإمارات وتسليمه للسودان.

وواصل د. الباقر انتقاده لبقية القوى الشمالية المعارضة ودور حزب الأمة برئاسة الصادق المهدي من الصراع، وما اعتبره (انحيازاً للجناة)؛ وذلك بعد التنسيق مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم عام 2003م وتأكيدهما على اقتسام (الرؤية المشتركة والمسؤولية) لحل المشكلة، و(شن عمل عكسري لهزيمة التمرد) الذي يعتبرانه نقطة الحل التي اتفق عليها الأمة والوطني اللذان رأيا أن الصراع ما هو إلا مجرد نزاع حول الموارد. وواصل الباقر العفيف نقده وانتقاده لمن نصبوا أنفسهم حماة للثقافة العربية الإسلامية في السودان ومندداً بآرائهم الإقصائية تجاه باقي الهويات في السودان، وتوجسهم العصابي من أي دعوة لإعادة التفكير في هوية البلاد، ومبيناً كراهيتهم لمشروع السودان الجديد والمتعاطفين مع هذا المشروع. ومن هؤلاء ذكر الأديب المعروف الطيب صالح – الكاتب والسفير خالد المبارك – الكاتب الصحافي إبراهيم الشوش – ومرشح رائاسة الجمهورية السابق عبد الله علي إبراهيم. أيضاً يشرح الكتاب نظرة العالم العربي للأزمة في دارفور والتي يراها في إطار المؤامرة الكونية الضخمة ضد العرب والمسلمين، وأن دارفور ما هي إلا الحلقة التالية في الصراع بعد العراق وأفغانستان، ومن بعدها تأتي سوريا وإيران، ومفصلاً بالتحليل ردود الأفعال العربية في أجهزة الإعلام والعلماء المسلمين العرب الذين يتبنون موقفاً متحاملاً عرقياً وفارغاً من أي تعاطف إنساني مع الضحايا، وقد بدت لهم تفاصيل معاناة أهل دارفور (تافهة) في خارطة اهتماماتهم الإستراتيجية بالمؤامرة الصهيونية ضد الإسلام .وهو نفس الموقف الحكومي الذي اعتبره الباقر (وكيلاً) عن المركز الذي دافع عنه دفاعاً مستميتاً أساسه الاعتبار الإستراتيجي للمركز العربي، والذي يفوق أهمية البشر الموجودين في دارفور، التي تصبح عندهم مجرد بوابة في هامش الهامش العربي الإسلامي، وتفتح على إفريقيا، وحارس هذه البوابة هي الحكومة السودانية 
.
أما الورقة الثالثة والتي هي بعنوان: ( على تخوم الهوية الشمالية.. دارفور والحقائق الغائبة عن اتفاقية ابوجا للسلام) فتبتدئ بمقدمة عن إرهاصات ما قبل التوقيع على الاتفاقية، وموقف جميع الأطراف من الاتفاقية سواء كان ذلك داخلياً أم خارجياً، موضحة ظروف التوقيع، والعجلة التي تمّ بها إخراج الاتفاقية، وملخص مضمون الاتفاقية وتطرقها لموضوع التعويضات والمصالحة الدارفورية – الدارفورية إلى أن تتحدث عن الهوية التي تمّ تجاهلها في الاتفاقية لعدم إحساس الوفود الدارفورية المفاوضة بثمة إشكالية بينها وبين الطبقة الشمالية الحاكمة، واستخدمت آليات الدولة بالتعجيل في عملية التعريب في دارفور عبر آليتي التنمية والتعليم بصورة رئيسية.ويستدل الباقر العفيف بالكتاب الأسود – الذي أصدره عدد من مثقفي دارفور – لتوضيح مدى كبر فجوة التهميش عندما يذكر أن 4211 طفلاً جلسوا للامتحان النهائي للمرحلة الأولية من بين مليون ونصف طفل دارفوري، وهو عدد أقل من عدد تاركي المدارس الأولية في محلية واحدة في الولاية الشمالية، ولكن المقارنة تتجاوز المنطق لأن عدد سكان محلية واحدة في دارفور يساوي عدد سكان الولاية الشمالية بأكملها!. والجدال يتجاوز التعليم من ناحية الكم وصولاً إلى النوع، والذي يتجاهل تقريباً كل تاريخ وثقافات وديانات وأساليب حياة الشعوب السودانية في باقي بقاع السودان عدا الشمال.إن المنهج الذي وضعه الشمال النيلي مصمم لإنتاج نوعين من البشر: نوع مسيطر ونوع مسيطر عليه؛ واستمرار هذه السيطرة يكون على شكل مفارقة محزنة أبطالها مثقفو دارفور الذين أعادوا إنتاج تجربة المركز العربي والهامش السوداني، الذي يسعى للتقرب واسترضاء ذاك المركز، وذلك عندما يجسدون طموحاتهم وتطلعاتهم في الشمال النيلي، ويعيب عليهم اللهث خلف الاندماج في تلك الثقافة والتي بدورها تكون راضية عنهم تمام الرضاء لإجادتهم الدور الذي رسمته لهم.

يرى الكاتب أن حل مشكلة دارفور في توحد أهل دارفور عرباً وزرقة على مصير واحد، ورؤية دارفورية واحدة وبندقية واحدة تجاه العدو المشترك الذي يهمشهم ويضرب بعضهم ببعض. ثم أخيراً يكتب الباقر العفيف عن تفسيره السيكولوجي للحرب الأهلية، والتي شارك فيها الجميع ولكن بدرجات متفاوتة من المسؤولية إلا من أدانها وتبرأ منها وعمل من أجل إزالة آثارها .وعندما يجيب عن سؤال (من نحن؟) فإنه يقول إن الإرث التاريخي لأجدادنا يحط بثقله في تحديد من نحن.. وماذا يمكن أن نكون؟ مُرجحاً تعرض أجدادنا لزلزلة نفسية دعتهم إلى خلع هويتهم الثقافية والإثنية التي اضمحلت أمام المثال العربي المسلم الذي جعل السودانيين يقومون بتبني هويتهم على أسطورة النسب العربي وتماههم مع القضايا العربية البعيدة جغرافيا، ولكنهم يمتنعون عن التضامن مع قضايا الجنوبيين والنوبة والدارفوريين. يصف الباقر العفيف الحرب التي يشنها الشماليون على الجنوبيين وعلى الدارفوريين بأنها حرب داخلية بينهم وبين المكون الأسود فيهم، وما الحرب إلا تعبير خارجي عن هذا الصراع المرير. ليقول أخيراً الباقر العفيف إن الجذور الأعمق للحرب ليست سياسية أو اقتصادية وإنما أيضا سيكولوجية.
  
مقال منشور في مجلة العلوم السياسية الإفريقية، الرابط هنا

Post a Comment