Friday, March 29, 2013

حوار مع الفنانة التونسية أسماء بالزناقية ... إعادة تعريف اللوحة والمعرض والجمهور

أسماء بالزناقية Asma Bezneiguia أحد الأسماء الشابة والواعدة وتمثل جيل ما بعد الحداثة في ساحة الفن التونسية التي تتميز بثراء نوعي من الفنانين ويظهر بها نشاط إبداعي لا تخطأه العين. إمتهان إسماء للتصميم والغرافيكس إنعكس على أسلوبها الفني؛ فهى تعمل بشكل أساسي على الفن الرقمي الذي بدأ يأخذ ملامحه بعد إقامة أول معرض متحف للـ Digital Art  في مدينة باريس عام 1971. ولكن البعض يؤرخ لهذا الفن في فترة زمنية أقدم قليلاً، تحديداً مع الاميركي بن لوبوسكي ولوحة الـ"Oscillon" التي قام بتنفيذها عام 1950، وجاءت تلك اللوحة على شكل موجات إلكترونات متدفقة من إنبوب كاثود، أنبوب يشابه ذلك الموجود في تلفزيونات القرون الوسطى؛ زمن ما قبل اختراع الترانزستور.



إهتمام أسماء بالزناقية بالفن الرقمي دفعني لأن أبدي لها ريبة بعض الفنانين الكلاسيكيين من هذا الفن الحديث الذي جعلت بعض مدراسه الآلة هوية الرسم بدلاً من آلة للرسم، حيث يتم إنتاج أعمالاً فنية من دون الحوجة إلى أوراق وأقلام في بعض الأحيان، وسألتها: "هل سنشهد يوم تنتهي فيه اللمسة البشرية للفنون؟ هل هذا القلق واقعي أم مبالغ فيه؟"، فردت بكل بساطة بأن فكرتي مبالغ فيها، وهى ترى تكاملاً بين القلم والكمبيوتر لإنجاز لوحاتها التي تتأرج من حيث مواضيعها ما بين السيريالية أو الـ Pop Art.


أسماء بالزناقية شخصية صامتة غالباً ولا تحب الحديث عن نفسها، وتفضل أن تكون خلف الجدران، وتقول عن نفسها: "... أنا لا أعتبر نفسي فنانة، هذه الكلمة أقدرها كثيراً؛ أنا أقوم فقط باشياء أحبها!". بدأت أسماء رحلتها مع الفن عندما تخيل ليها رسماً في ذهنها فأختارت أن تقوم بتنفيذه على الكمبيوتر، وتقول عن ذلك: "لا أدري لماذا اخترت أن أرسمه بالكمبيوتر، ربما كانت أسهل طريقة لي لكي أرسم. منذ ذلك اليوم وأنا ارسم بهذه الطريقة، ولم أكن حتى أعرف ان لهذا النوع من الفن إسم. إكتشفت ذلك لاحقاً". 


أغلبية المواضيع التي تعمل عليها أسماء بالزناقية عليها تنبع من أفكار وأحلام مكبوتة في اللاوعي، فهى ترسم بشكل لا أرادي، وفي بعض الأحيان تقوم بتجسيد الرسم الذي تراه في ذهنها مباشرة بدون محاولة تأطيره أو تشريحه، وتقول: "أحياناً ارسم ولا أعلم ما أرسم حتى أنني اندهش من رسمي ولا أدري كيف فعلت هذا. أنا لا أفكر، ارسم فقط". وهذا الأسلوب يشابه طريقة عمل الفنان السيريالي الإيطالي جورجيو دي شيريكو مؤسس حركة الفن الميتافيزيقي التي ساهمت في تطور المدرسة السيريالية التي إنتمت إليها أسماء بالتدريج ومع مرور الوقت. ولكن سيغموند فرويد يقول بأن التلقائية التي يبديها الفنانون السرياليون إنما هى نشاط منظم من الأنا، فهو يرى من خلال عملية التحليل النفسي أن الوعي لا يعبر عن نفسه بشكل تلقائي إلا من خلال تحويل الدافع لموضوع بديل.
 

سألتها عن الفنانين الذين تأثرت بهم في أسلوبها الفني وطريقة إستنبات الأفكار لديها، فقالت: "أنا لم أتأثر بفنان أو أسلوب معين، ولكن اكتشفت بعض الفنانين الذي أحببت أعمالهم خاصةً مثل يزجيسلاف بكشنسكي". بكشنسكي  ذلك الرسام والمصور البولندي الذي ولد عام 1924، ودرس الهندسة المعمارية ليتفرغ بعدها للممارسة الفن. تشارك أسماء  بكشنسكي  في روح بعض مواضيعه، وتشاركه أحد أهم طقوسه أثناء الرسم؛ الإستماع لموسيقى الروك. إختلف البعض حول يزجيسلاف بكشنسكي وفنه، وأحدى نقاط النقاش كانت إختلاف التفسيرات حول معنى قيامه بعملية إعدام للوحاته التي أسماها بالـ(نمط الباروكي). لم تتقبل أسماء بالزناقية إستخدامي لكلمة (إعدام) لوصف ما حدث، فهى لا ترى هنا إعداما، حيثً قالت: "... بل بالعكس؛ بكشنسكي من يقرر مصير لوحاته ولا أحد سواه. وهو لم يعدم لوحاته، بل هو الذي إختار أن يسمي لوحاته بالنمط الباروكي."


سألتها عن المفارقة في حياة بكشنسكي واللوحات الكابوسية التي رسمها؟ موت زوجته وإبنته، إنتحار أبنه، حتى بكشنسكي نفسه مات مقتولاً قبل أربعة أيام من عيد ميلاده الخامس والسبعين على يد مراهق بهدف سرقة مبلغ يساوي أقل من 100 دولار، مات بكشنسكي بعد تلقيه 17 طعنة من شاب يقع في دائرة معارفه! قالت: "ربما يكون سؤالي ساذجاً؛ أكانت لوحاته تنبوء بمصيره؟". لم تتفق معي أسماء في وجود مفارقة فيما ذكرت، وكذلك هى لا تعتبر بأن لوحات بكشنسكي تمثل هواجس وكوابيس كما تبدو لي، وردت قائلةً: "... بل بالعكس؛ هى نظرة حادة يصور فيها الحياة من خلال الموت، يُخرج الجمال من الظلام، لوحاته فيها نوع من الألوهة."


الأفكار التي تعمل عليها أسماء بالزناقية يصعب أحياناً إيجاد مصدر إلهام بصري لها أو نقطة مرجعية لبداية رسم اللوحة، حيث يبدأ تكوين عناصر اللوحة عند أسماء من نقطة تتموقع في اللوحة ولكن يصعب إيجادها للآخرين؛ لوحة تبدأ من الفراغ وتبدأ بالتشكل ذاتياً والتطور تدريجياً والنمو من فضاء الرسم، وأحياناً تظهر اللوحة كفكرة مكتملة الملامح والتفاصيل في ذهنها وهى تحاول فقط تطبيقها، فلا يوجد قواعد هنا، فالميتافيزيقيا لا قواعد لها. 


أغلبية أعمال أسماء بالزناقية منفذة بالكمبيوتر، وهنا سألتها:  "البعض يرى بأن الفن الرقمي يؤدي إلى الإخلال بأحد أهم قواعد الفن الكلاسيكي إلا وهو الخامة والوجود الفيزيائي للوحة نفسها!"، وهى ترى الأمر من وجهة نظر أخرى تقوم فيها بأعادة تعريف اللوحة وكذلك إعادة تعريف لمفهوم المعرض والجمهور؛ فاللوحة تسبح في الفضاء الرقمي، والكمبيوتر يصبح هو المعرض، والعالم كله هو الجمهور الذي يفتتح المعرض وقتما يشاء ويضع اللوحات أينما يروق له، ويشاهدت وقتما يحب، وتقول: "الفن لا حدود له. بالطبع الرسوم الكلاسيكية لها طبعها الخاص، ولكن  من وجهة نظري فأن الفن المعاصر فيه أشكال عديدة من أنواع الفن الراقي التي لا حدود لها لكي تتمتع النفس والعين. فالفن الكلاسيكي كان مجرد رسوم على لوحات فقط وهذا يشبه رسم جميل يبقى على جدار لكي تنظر إليه. ولكن الفن الرقمي أو المعاصر لاحدود له، وأقصد بذلك أنه من الممكن أن تضعه على إطار أو حائط أو طاولة؛ أي أنه لك الإختيار لن تنحصر في إطار معين وهذا ما أحبه في الرسم المعاصر. إن الفن الرقمي هو نوع أخر من الرسوم التي تتعامل مع التكنولوجيا ولا تختلف في النتيجة التي قد تكون رائعةً في جمال وبالتالي لا يمكن للعين أن تفرق بين لوحة كلاسيكية ولوحة رقمية."
 

وأخيراً وصل الحوار للحديث هل يمكننا عن الفن المفاهيمي، وكانت وجهة نظري بأن البعض يقدم إنتقادات لهذا الفن بأعتباره يعطي الأسبقية في العمل الفني للفكرة على حساب تجويد الصِنعة، وكان رد أسماء بداية بأستشهادها بمقولة للفنان ديريك بيسمانس: "نحن نستكشف الكمبيوتر من الداخل بينما نتعامل بالإنترنت، وحينما ينظر المشاهد إلى أعمالنا الفنية والتي بالتالي تكون داخل حاسوبه، نحن نفخر بأن نكون على شاشة كبيوتر شخص ما فنكون بذلك قريبين جداً من المشاهد حين نكون على سطح مكتبه". أسماء تؤمن بأن الكمبيوتر هو وسيلة الفنان للدخول إلى دماغ شخص ما، وتقول: عن الفن الموضوعي: "... نعلم أنه يتعارض مع مفهوم كانط للجمال؛ ولكن الجمال هو دون حجة وحكم وفي اعتقادي فن موضوعي أو غيره لا يمكن لطرف وحيد أن يحدد المعنى الحقيقي للفن أي أن يكون على شكل واحد خاص ليكون جميلاً أو أن يتبع نظام للفن؛ فالفن أصلاً لا يعتمد على قواعد، و إن وضعنا  قواعد  سيزول الفن. لكلٌ طريقة خاصة للتعامل مع الأشياء؛ برأيي يجب أن نتعامل معها بإحساسنا وليس بالمنطق. نعلم أن الفن الموضوعي ليس فترة محددة من الفن المعاصر أو حركة فنية لمجموعة من الفنانين. الفن الموضوعي يتحرر من كل القيود أي أنه عبارة على نفس أو روح دون جسد يعيقها فيبقى المفهوم والمفهوم يمكن أن يسيطر على الفكر أكثر من لوحة".


............................................................

الحوار منشور بموقع الحوار المتمدن، هنا

Post a Comment