Saturday, December 22, 2012

نزهة ثورية مع المخرج التونسي رفيق العمراني

حاوره طلال الناير

يعتبر رفيق العمراني من المخرجين السينمائيين الصاعدين في مجال الأفلام الوثائقية، وقد أثار فيلمه (فلاقة) حراكاً عندما عُرض في العديد من المهرجانات الدولية، وأثار كذلك حراكاً داخلياً عندما لم يعرض في الدورة الأخيرة لمهرجان قرطاج في تونس. الفيلم يتحدث عن اعتصام الثوار في ساحة الحكومة بميدان القصبة بعد مسيرة على الأقدام لعشرات الكيلومترات من مدن القصرين وسيدي بوزيد ومنزل بوزيان والرقاب والمزونة وغيرها بعد سقوط نظام بن علي. كان الثوار يطالبون بحل حزب التجمع الحاكم، وحل الحكومة وانتخاب مجلس تأسيسي. مدة الفيلم 52 دقيقة تحكي قصة لثوار تحت حصار البرد القارس والإرهاق وتحت ضغط حملات التشويه من قبل الإعلام الرسمي وترهيب قوات الشرطة التي قامت في النهاية بفض الاعتصام بالقوة. المخرج رفيق العمراني من مواليد سنة 1979 بمدينة الكاف بشمال غرب تونس، متحصل على ماجستير في علوم وتقنيات الفنون بالمعهد العالي للفنون الجميلة بنابل.


من نساء الحي الشعبي إلى اعتصام القصبة.. صنع العالم الشخصي
يمكن القول إن رحلتي في الأصل بدأت مع أفلام التحريك. كان ذلك في طفولتي الأولى حيث كانت جدران منزلنا كبيرة وعالية وكان العالم خارجها لا يزال مجهولاً وكنت لا أزال أكتشف الحياة في أشكالها الطفولية الأولى. كان والدي يعمل عارض أفلام يتنقل مع آلة العرض الصغيرة من قرية إلى أخرى، وكان ينالنا نصيب من حين إلى آخر بعرض خاطف لأفلام الكرتون الروسية في البيت. لم أكن أعرف حينها كيف تصنع هذه الصور المتراقصة أمامي، لكن عالمها الغريب كان يسحرني. أعتقد أنني أدين بما أنا عليه اليوم إلى تلك اللحظات الخاصة جداً. تواصلت العلاقة مع السينما داخل نوادي السينما ونوادي السينمائيين الهواة لتزهر أول محاولة في الفيلم الوثائقي "سلام عليك" سنة 2000 الذي كان محاولة مني لتسليط الضوء على نساء الحي الشعبي الذي كنت أعيش فيه آنذاك بالعاصمة. تراوحت باقي المحاولات بين وثائقي وتحريكي قصير إلى أن أخرجت سنة 2008 أول فيلم روائي قصير محترف بعنوان "علي ولد السلطانة". طيلة هذه الفترة لم تنقطع مشاريع الأفلام الوثائقية. الحق أنني أشعر تجاهها بميل خاص لأنها وسيلتي الأنسب لأصنع من عناصر الواقع العام المشترك مكونات عالمي الخيالي الخاص. أذكر من أهم هذه المشاريع فيلم "فلاقة 2011" وهو أول فيلم وثائقي طويل عن اعتصام القصبة الأول الذي كان فاتحة اعتصامات ما يسمى بالربيع العربي.

الظاهرة والتيار.. عن ظهور جيل جديد من المخرجين
كون الاهتمام بالتأريخ البصري للأحداث السياسية يمثّل تياراً حقيقياً أم هي مجرد موضة عابرة؛ هذا هو التساؤل الأكثر تواتراً اليوم حين يتطرق الحوار إلى الوثائقي، الأمر الذي أحسبه طبيعياً نظراً لكم الأفلام الوثائقية التي تم إنتاجها في السنوات الأخيرة. إلا أنني أود أن أفصل بين حدثين مهمّين غطى ثانيهما على سابقه؛ الحدث الأول هو ما يحلو للبعض تسميته "دمقرطة السينما" المتمثل في ظهور جيل جديد من المعدات الرقمية في مجال الصوت والصورة التي خفضت بشكل ملحوض تكلفة الإنتاج السينمائي، خاصة الوثائقي منها؛ مما جعل الفرصة أكبر أمام الجميع لخوض تجربة إنتاج الأفلام الوثائقية بمعدات خفيفة وتكاليف معقولة؛ وبالتالي ظهور جيل جديد من المخرجين الشبان سواء أكانوا من خريجي مدارس السينما أم الهواة. الحدث الثاني هو سياسي بامتياز؛ ألا وهو الثورات العربية. تميزت هذه الثورات بقوة الأحداث الحاصلة، بعلاقتها اللصيقة بالشباب، ومن ضمن هؤلاء مخرجو اليوم والغد. ولكن ما قد يصنع من هذا الكم تياراً حقيقياً هو تكامل المشروع والرؤية الفنية والفكرية للمخرج، الأمر الذي يختلف من تجربة إلى أخرى. أعتقد بالتالي أن العدد سيقل مستقبلاً لكن سنرى في قادم الأيام مدارس أو تجارب سينمائية وثائقية متكاملة وذات قيمة.

التمرد على التوجيه
الذين يصفون السينما الوثائقية بأنها هتافية وميالة لجعل الأفلام شعاراتية أكثر من كونها مساحة حرة للجمور من أجل أن يفكر، أدعوهم للاطلاع على كل ما يقدم اليوم من أفلام وثائقية، لأن عدداً مهماً منها يبتعد تماماً عن هذه الصورة النمطية لينجح بالنهاية في إثبات أن السينما الوثائقية هي سينما بالأساس تخضع لنفس أدوات السرد والدراما ونفس متطلبات السيناريو؛ تماماً كما السينما الروائية. شخصيا أجد حرجاً في تصنيف فيلم "فلاقة 2011" على أنه فيلم وثائقي لأنه لا يختلف في شيء عن أي فيلم روائي أخرجته سابقاً عدا كون شخصياته لها حياة حقيقية قبل وبعد التصوير، كلها شخصيات لها القدرة على التمرد على توجيهات المخرج إن وجدت.

 ثورة.. وثورة
كان من الطبيعي أن تتبع ثورة تونس طفرة على مستوى إنتاج الأفلام الوثائقية؛ إلا أن عدداً محدوداً منها وصل شاشات قاعات السينما. أبرز هذه الأفلام أذكر "لا خوف بعد اليوم" لمراد بالشيخ، "الكلمة حمراء" لإلياس بكار، و"فلاقة 2011 "، هناك أيضاً "ثورة غير درج" لرضا تليلي، و"ديقاج" لمحمد الزرن، كما تم مؤخراً الانتهاء من أفلام أخرى تعرف نجاحا مشرفاً مثل "يلعن أبو الفسفاط" لسامي التليلي، و"يا من عاش" لهند بوجمعة.

(فلاقة2011).. كأن الثورة حفل يفسده ضجيج هؤلاء
مصطلح "فلاق" جمعه "فلاقة" يحيل في الأصل في اللهجتين التونسية والجزائرية إلى قطع الطريق أو "البلطجة". وقد اعتمد المستعمر الفرنسي هذا المصطلح لتوصيف الثوار الذين رفعوا السلاح ضده في معركة التحرير الوطني. للأسف وقع تهميش هؤلاء وتجاهلهم في صفحات التاريخ الرسمي بعد الاستقلال. وللأسف –أيضا- يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى في 2011 عندما قدم أحفاد الفلاقة من سيدي بوزيد والقصرين وباقي التراب التونسي غداة رحيل بن علي في يناير 2011، اتفقت الأغلبية على تهميشهم وتشويه صورتهم وتجاهل مطالبهم المتمثلة في إقالة حكومة وزراء بن علي وحل الحزب الحاكم آنذاك. وكأن الثورة حفل يفسده ضجيج هؤلاء. تواصل الاعتصام طيلة أسبوع وكان ملهماً لميدان التحرير بمصر وباقي الاعتصامات إلى أن تم فضه بقوة البوليس الهمجية. نجح الاعتصام الذي تلاه في إسقاط الحكومة، إلا أن الأغلبية ظلت على نفس الجهل أو التجاهل لما حصل خلال الاعتصام الأول. فلاقة 2011 هو محاولة لتسليط الضوء على هذا الاعتصام من خلال رؤية سينمائية شعرية شاعرية بوجهة نظر شخصية خالصة. وتحصّل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم في أيام السينما الأوروبية، وجائزة أحسن فيلم في مهرجان الصحراء بدوز، إضافة إلى جائزة العمل الأول في مهرجان تطوان للسينما المتوسطية، الجائزة الكبرى "عصمان صمبان" في مهرجان مرايا وسينما أفريقيا بمرسيليا وجائزة العمل الأول للفيلم الطويل بالملتقى السنوي للمخرجين التونسيين، كما عرض الفيلم بعدد من المهرجانات بالعالم فكان لنا شرف تمثيل تونس في إيصال صوت شبابها إلى الأفق الرحب. لكن خلال الدورة الأخيرة لأيام قرطاج السينمائية كان لهيئة المهرجان وللجانه خيارات غير مفهومة تتصف بالعشوائية والمزاجية في أحيان كثيرة، وللأسف فقد أثبتت فشل وبطلان ادعاءات مديرها الذي تصرف بتعالٍ واضح مع المبدعين التونسيين حيث لم نكن الوحيدين الذين شملتهم سياسة التقزيم والتهميش. 

التوزيع قبل التمويل
من المؤكد أن التمويل رهان حقيقي أمام صناع الأفلام الوثائقية، إلا أنه ليس عائقاً حقيقياً أمام المخرج إن كان حاملاً لمشروع حقيقي ويتمتع بإرادة صلبة لإنجاز العمل. خاصة وكما ذكرت سابقا هناك تطورعلى مستوى تكنولوجيا الفيديو الرقمي جعل تكاليف الإنتاج تتقلص وخلق سهولة على مستوى الحركة. يبقى الإشكال الأصعب؛ حسب رأيي، على مستوى توزيع الأفلام خاصة في ظل تراجع عدد القاعات السينمائية.

 مشاريع جديدة
أعمل على فيلم "نزهة ثورية" وهو ثائقي طويل، أحمل فيه حيرتي وتساؤلاتي الشخصية خلال سفري بين تونس وليبيا ومصر خلال الثورات المندلعة في البلدان الثلاثة.

..............
نشر هذا الحوار بصحيفة القرار السودانية يوم 22 ديسمبر 2012


Post a Comment