Monday, December 10, 2012

زامنهوف ... الرجل الذي أخترع لغة


طلال الناير 

"موندو بارولي أونو لينغفو". عبارة بليغة صنعها رجلاً واحد بمفرده وأطلقها للعالم، ترجمة هذه العبارة تعني: "العالم يتحدث لغة واحدة". ذلك الرجل لم يكن إلا لودفيك زامنهوف، واللغة التي أخترعها سماها بالـ(أسبرينتو). في هذا الأسبوع؛ وتحديداً يوم 15 ديسمبر تمر الذكرى الـ153 لميلاد زامنهوف ذلك الرجل الذي بدأ حياته كطبيب عيون، وختمها كجراح للغات. ولد زامنهوف لأسرة يهودية روسية في مدينة باويستوك الواقعة شرق بولندا، عانت أسرة زامنهوف من الإضطهاد كيهود يعيشون في تخوم الإمبراطورية الروسية فقام الأب بتغيير إسمه من (ليفي) إلى (ليزاروس)، وأصبح أسم الطفل (لودفيك) بدلاً من (أليعازر). كانت والدة لودفيك؛ أو أليعازر، من أصول روسية ومنها تعلم اللغة، ومن والده قام بتعلم اللغة العبرية واللغة اليديشية Yiddish التي يتحدثها أغلبية اليهود الأشكناز في شرق أوروبا. يؤرخ البعض لبداية نشأة اللغة اليديشية خلال القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، وهى تتكون من تجميع العديد من لغات كالآرامية والألمانية والإيطالية والفرنسية والعبرية. والبعض يُرجِع بأن كلمة "يديش" هى إختصار تقصيري لـ"يديش-تايتش" أو "ألمانية-يهودية"؛ وذلك لأن أغلبية كلماتها ألمانية الأصل، وإن كانت كلماتها تُكتب بالحروف العبرية.

زامنهوف
تنوع اللغة اليديشية والتداخل الثقافي في حياة زامنهوف جعله أكثر إنفتاحاً على العالم على غير عادة الكثير من يهود تلك الحقبة الذين كانوا مجبرين على الإنغلاق في ثقافتهم اليهودية. ليفي ليزاروس زامنهوف؛ والد لودفيك، كان معلماً للغة الألمانية فلقنها إلى أبنه الذي سار بدوره في درب الأستقصاء حول اللغات فتعلم الفرنسية والأنجليزية، وأستعاد ذكريات تدشين عصر النهضة الذي بدأ برجوع الأدباء إلى دراسة اللغات القديمة وترجمة التراث القديم، فعكف لودفيك إلى دراسة اللغات اللاتينية والأغريقية، وأبدى إهتماماً بتجويد اللغة الأيطالية والإسبانية والليتوانية. مدينة باويستوك كان نقطة إلتقاء العديد من القوميات؛ فقد كانت تقطنها أربعة مجموعات ثقافية أساسية هى القادمين من ليتوانيا، وبعض الأسر ذات الأصول الألمانية، البلاروسيين، وبالطبع البولنديين أصحاب الأرض، وكان اليهود أقلية لا يتم أحتسابها أصلاً. كانت النزاعات الدموية تقوم بين المجموعات الثقافية الموجودة في المدينة لأتفه أسباب، وكانت الكراهية مستحكمة بين هذه القوميات بسبب التفاخر بالأصل والصور النمطية والأحكام المسبقة عن العرقيات والقوميات. وكان التعصب يدفع الجميع لعدم التخاطب إلا من خلال لغاتهم القومية. تعقيد التداخل الثقافي في أسرة زامنهوف وصل ذروته مع الأحفاد، فالجد يهودي خارج على القوميات ولكنه مضطر للرضوح للأمر الواقع بتغيير هويته، والجدة تفاخر بجذورها الروسية وأفكارها الملحدة، والأبناء متنازعين بين هذا وتلك، أما الأحفاد فتعاملوا مع الأمر ببرغماتية بالغة وأعتبروا أنفسهم بولنديين في المرتبة الأولى، ثم قبولهم بالهوية يهود في المرتبة الثانية، لا لرغبة فيها؛ ولكن نتيجة لضغوط المجتمع عليهم بقبولها، فأصبحوا يهودً حُكِمَ عليهم بالإنزواء بين القوميات المتصارعة التي لا تستطيع التحدث مع بعضها البعض. مع هذا الجو المشجون بالعداء والكراهية وجد لودفيك زامنهوف نفسه يعيش في قطيعة مع هذا المحيط وتمنى بأن يتمكن الجميع من التحدث بلغة واحدة بدلاً من هذه العزلة.

مؤتمر الأسبرانتو الأول في فرنسا عام 1905
المحاولات الأولى لكسر هذه العزلة كانت في المدرسة الثانوية في مدينة وراسو؛ تحديداً بعد إعجاب الطالب الجديد بدروس اللغة الإنجليزية. المحاولات كانت تجريبية ولا تحكمها أي قواعد أو ضوابط، وكانت النتيجة قواعد لغة معقدة للغاية قدمها لزمرة من الزملاء فلم يستطع حتى المهتمون منهم على إستيعابها. بعد دراسة اللغة الإنجليزية أدرك لودفيك بأن قواعد اللغة الدولية تتطلب التبسيط وليس التعقيد. في العام 1879 أكتملت معالم مشروع Lingwe Uniwersala فنشر الشاب زامنهوف كتابه وهو لم يتجاوز عمر التاسعة عشرة. عاد الحنين بالشاب إلى جذوره الروسية فذهب إلى موسكو لدراسة الطب الذي قام بأكماله في مدينة وارسو، وبدأ حياته العملية كطبيب متخصص في طب العيون في مدينة فيسيايي البولندية عام 1887، ثم شد الرحال إلى مدينة فيينا النمساوية. كان زامنهوف يكره مهنة الطب كراهية عظيمة ولكنه كان مضطراً للعمل بها حتى يتدبر معيشته، ولكي يجمع المال لتمويل حلم حياته الأكبر: (اللغة العالمية). كانت الأحوال السياسية في أوروبا تسير نحو تفكيك الإمبراطوريات مع تنامي الحركات القومية المتطرفة، ولكن كان الأمل هو زاد زامنهوف في تلك الحقبة، فالرجل قضى عشرة أعوام يعمل على تطوير اللغة التي أخترعها، وظل الرجل يحمل مسودة كتابه ويتجول بها بين النمسا وبولندا، ولكن الأقدار تعود بالرجل مجدداً إلى روسيا؛ موطن الأجداد، فيجد دعماً سخياً من الرجل الذي سوف يصير صهره لاحقاً. صدر الكتاب في طبعته الأولى باللغة الروسية بعنوان (International language: Foreword and complete textbook)، وقد نشره تحت أسمٍ مستعار ألا وهو Doktoro Esperanto؛ أو الدكتور تفاؤل. بشكل فردي كان زامنهوف يدعو اللغة التي أخترعها بـ (Lingvo internacia)، أو اللغة العالمية، ولكن لاحقاً قام الرجل بتغييرها إلى أسبرانتو Esperanto بعد أن نشر الكتاب، وهذا التغيير لم يكن فقط في المسميات، فالفكرة نفسها طرأ عليها تطور، فاللغة تغيرت وظيفياً من كونها أداة تواصل إلى طريق للتعايش السلمي بين الثقافات المختلفة، والبعض يعتبر هذا التغيير نتيجة لتأثر زامنهوف بأفكار فلسفة السلاموية Pacifismالتي تبناها الفليسوف الفرنسي أميل أرنود في نهاية القرن التاسع عشر.

غلاف الكتاب
كان لودفيك زامنهوف متردداً بشأن هويته اليهودية، فهو لم يكن ملتزم دينياً أثناء شبابه، وفي أواخر أيامه سجل كتاباً فلسفياً عن أفكار الهليل الأكبر؛ أهم شخصيات التراث اليهودي، ولكن هذا الكتاب لا يمكن إعتبره دليلاً قاطعاً على تدين الرجل، فقد كان يتعامل مع اليهودية كهوية ثقافية موروثة أكثر منها جزء أصيل داخله، وكان زامنهوف متنازعاً بين رغبته في الإنفتاح على عالم ينظر إليه بريبة، وبين هويته اليهودية التي يلجأ إليها كلما أصابته الهزيمة. عمل لودفيج أثناء المرحلة الثانوية على وضع معجم للغة اليديشية ومحاولة ضبط القواعد التي تحكمها، فقد تشتت اللغة مع أتساع رقعة المتحدثين، وأصبح كل مجموعة من اليهود لديهم نسخة من اللغة اليديشية تأخذ ملامحها غالباً من المكان الذي يتواجدون به، وأحياناً كانت الإختلاف تجعل المتحدثين لهذه اللغة يجدون صعوبة في فهم بعضهم البعض. وقام أيضاً بوضع موسوعة تضم كل الأشعار اليديشية، وهذا يعتبر أول مسح تاريخي لهذه اللغة بذلك الأسلوب الإحترافي الدقيق. أثناء أنهماك زامنهوف في دراساته اللغوية كان ينسى، أو يتناسى، بأنه يهودي، ولكن هجمات البوغروم Pogrom التي وقعت ضد اليهود روسيا عام 1882 بمباركة القيصر ألكسندر الثالث جعلته يتخذ موقفاً مفصلياً حينها. القيصر أصدر قوانين أجبر فيها اليهود على الرحيل، وقام البلاشفة بمواصلة نهج الإمبراطور وطبقوا قوانينه التي كتبها قبل رحيله عن العرش، وعن الحياة ذاتها، وعند قيام الإتحاد السوفييتي عام 1920 كان مليوني يهودي قد غادروا روسيا. هذه الأحداث جعلت زامنهوف يندفع للإنضمام إلى الحركة الصهيونية التي أسسها هيرتزل، فأنضم إلى حزب (حبّات زيّون)؛ أو أحباء صهيون في العام 1882. ولكن حماس الرجل خبا فلم يستمر كثيراً مع الحركة الصهيونية فتخلى عنها بعد خمسة سنوات، وفي العام 1901م كتب رسالة مطولة باللغة الروسية يشرح فيها لزعماء الجماعات اليهودية بأن الصهيونية أو أي حركة قومية لليهود لن تحل مشاكل اليهود في التعايش مع مجتمعاتهم، فـ "القومية لا تجلب للبشرية إلا الكآبة...". وعلى الرغم من هذه الصحوة والروح المتسامحة تجاه الشعوب والقوميات الأخرى إلا أن أبناءه الثلاثة تم قتلهم في مذابح الهولوكوست أثناء الحرب العالمية الثانية. آدم لودفيج زامنهوف كان عالم فيزياء بولندي أطلق عليه الرصاص في معسكر بالميري وتوفي في المستشفى متأثراً بجراحه عام 1940، أما شقيقته ليديا؛ الباحثة في مجال الأديان واللغويات، فقد قتلت في معسكر تريبلينكا لتنفيذ أحكام الأعدام في العام 1942 لأصلها اليهودي على الرغم من إعتناقها الديانة البهائية.

قبر جماعي لليهود في تريبلينكا تم إكتشافه في مارس من العام 1943
قام زامنهوف بأختراع لغة الأسبرانتو التي أنشرت في دول العالم، حيث قام مقاتلي الحزب الثوري الصيني - الذين أسقطوا الحكم الإمبراطوري عقب نجاح عصيان أوهان- بتقديم أقترح لتبني لغة الأسبرانتو لغة رسمية للدولة الجديدة، ولكن المقترح لم يلق الحماس اللازم لتطبيق القرار، فالحماس أخذ بزمامه أصحاب الديانة البهائية تأسست في إيران على يد بهاء الله حسين نوري، تشجع على دراسة الأسبرانتو لأنها تدعم إتجاهها في تدعيم مبدأ الوحدة الروحية بين البشر. يقوم المتحدثون بالإحتفال بـ (Zamenhofa Tago)؛ أو (يوم زامنهوف) سنوياً في 15 ديسمبر، وهو يوم ميلاد مخترع لغة الإسبرانتو. في ذات يوم حلم الشاب زامنهوف باليوم الذي يستطيع فيه العالم أن يتحدث لغة واحدة مشتركة، واليوم يستخدم قرابة المليوني شخص اللغة التي أخترعها رجل واحد بمفرده لتحل مشكلة مدينة بولندية صغيرة، ولكنها الآن أصبحت لغة عالمية وربما تسود العالم في يوم الأيام كما سادت بقية اللغات، فاللغة تأخذ شكل طريقة التفكير، وهى تحدد ما يمكننا التفكير به. مناداة زامنهوف بتغيير اللغة لم تكن من أجل إحلال وإبدلال لغات بلغة، وليست موضة عابرة جاءت نتيجة هوىً عارض، بل أتت نتيجة لقناعة راسخة يمكن تلخيصها في مقولة كارل ألبيرخت: "قم بتغيير لغتك وسوف تتغير أفكارك". 

قبر زامنهوف في العاصمة البولندية وارسو



Post a Comment