Sunday, November 18, 2012

فوضى الرياضة وفساد السياسة... أيخرج إنتصار من صلب الإنكسار؟





طلال الناير

إكتمل موسم أحزان الرياضية السودانية بالخروج المخيب والمذل الهلال والمريخ من البطولة الكونفدرالية، ومن قبلهم خرج المنتخب الوطني. أجمل وصف لحال الكرة السودان أنها مثل (ملح الأندروس)، فورة كبيرة مفاجأة، ثم تكون المحصلة لا شئ. عند أي إنتصار كروي يحققه السودان - منتخبات أو أندية – تكون في مخيلتي قصة الجيل الذهبي للمنتخب النيجيري. ففي فترة التسعينات إكتسحت نيجيريا بقوة كل خصومها في المنافسات الأفريقية والعالمية؛ ففازت ببطولة الأمم الأفريقية للعام 1994 على منتخب زامبيا القوي، و بعد عدة أشهر سافرت إلى كأس العالم في الولايات المتحدة الأمريكية وأحرجت الأرجنتين وفازت علي بلغاريا بثلاثة أهداف نظيفة، وإنتصرت على اليونان. ولكن في النهاية توقف قطار المنتخب الإفريقي عند محطة إيطاليا وخرج من كأس العالم. المغامرة النيجيرية إستمرت ليفوز منتخبها بالميدالية الذهبية لمنافسات كرة القدم في دورة الألعاب الأولمبية في أتلاتنا عام 1996 بعد نصرين متتاليين على منتخبين يحتويان على أقوى لاعبي الكرة وأكثرهم مهارة في العالم؛ البرازيل والأرجنتين، على التوالي. وفي كأس العالم 1998 التي أقيمت بفرنسا إرتفع سقف الترشيحات لمنتخب الـ(Green Super Eagles) لحد ترشيح نيجيريا للفوز بكأس العالم وذلك عقب فوزها في أول مباريات المجموعة على المنتخب الأسباني المرشح للقب وتغلبها علي بلغاريا.

خرج اللاعب الفرنسي الشهير (ميشيل بلاتيني) - قبل المباراة الأخيرة لنيجيريا في المجموعة مع الباراغواي - بتصريح أستفز الصحافة النيجيرية وأنصار المنتخب؛ حيث قال بلاتيني بأنه يتوقع خروج نيجيريا من منافسات كأس العالم في الدور نصف النهائي، وقال بأن حصول نيجيريا علي الميدالية الذهبية في أتلانتا كان مجرد ضربة حظ . علل بلاتيني بأن الدول التي تحكمها نخب سياسية فاسدة لا تستطيع تحقيق إنجازات مستديمة لأن العناصر الفاسدة لا تستطيع صنع نجاحات، ونيجيريا دولة محكومة بواسطة حكومة عسكرية تدير بلداَ به فساد سياسي كبير وإنتهاكات مفزعة لحقوق الإنسان، لذا فهي لن تخرج عن هذه القاعدة! أتهم البعض بلاتيني بالعنصرية والتحامل ضد نيجيريا، ولكن الأيام أثبتت صحة كلامه، فالمنتخب النيجيري مُنِى بهزيمة كبيرة أمام البراغواي بثلاثة أهداف نظيفة، وفي دور نصف النهائي تلقي هزيمة مذلة من الدنمارك بلغت أربعة أهداف مقابل هدف فكان الإنهيار الكبير. جاءت هذه الهزائم عقب أيام من وفاة الرئيس (ساني أباتشا) بنوبة قلبية قيل أنها كان بسبب سُم مدسوس في شراب الرئيس! منذ ذلك الوقت لم يحقق المنتخب النيجيري شئ يذكر على الصعيد القاري أو العالمي، وفشل المنتخب حتى فى التواجد ضمن الفرق الـ(16) المشاركة في البطولة الإفريقية الماضية التي أقيمت في بدايات هذا العام.

حديث بلاتيني عن كرة القدم في نيجيريا يمكننا تعميمه بأرتياح على حالنا في السودان؛ ففساد النخب السياسية الحاكمة لا يمكنه أن يؤدي إلا لفوضى الرياضة، فإفتقاد الرؤية الرشيدة هو كلمة السر التي يمكنها تفسير إختلال موازين البلاد في كل الأصعدة؛ فالسودان كان يمتلك الريادة في أغلبية المجالات ولكن بفعل الفساد والفوضى أصبح في القاع: تحول السودان من أحد أكبر دولة زراعية في إفريقيا والعالم إلى بلد يستورد البصل من أرتريا والثوم من الصين، والصراعات السياسية جعلت دولاً حديثة العهد بالإستقلال تحقق نجاحات في التنمية مع إفتقارها للموارد الطبيعية ولكنها تقدمت بفعل الإرادة السياسية والشفافية في الحكم. أغلبية المدربين الأجانب يقولون بأن اللاعب السوداني موهوب بالفطرة، ولكن كيف يمكن لدولة أن تصنع منتخب قوي بعد إلغاء المدارس السنية والإعتماد على الصرف البذخي واللامجدي على اللاعبين الأجانب!

علي طول السنين أعيتنا الهزائم المذلة والمتراكمة للهلال والمريخ والمنتخب السوداني، ورغم مرور السنوات فأننا لم نستطع نسيان الهزيمة المهينة للمنتخب السوداني على يد مصر في العام 2005 في الخرطوم. منذ الدقائق الأولي أحست الجماهير بأن النتيجة ستكون كارثية؛ وفعلاً، فقد خسر السودان بثلاثة أهداف، في أرضه ووسط جمهوره. وعندما ذهب المنتخب السوداني للقاهرة أكرمه المصريون بستة أهداف نظيفة، وكانت الفضيحة بكل ما تحمله الكلمة من معني. مجلة السوبر الإماراتية الصادرة يوم يوم 8 يونيو 2005 تهكمت فوضعت على غلافها صورة للاعبي المنتخب السوداني وهم يترنحون أمام المهاجم المصري عمرو زكي، وكتبت المجلة في الغلاف بالخط العريض إستهزاءً بالمنتخب السوداني: (6 .. يا زول!). مرت الأيام والسنوات وتأهل المنتخب الوطني السوداني إلى كأس الأمم الأفريقية عام 2008، ومع حُمى التصريحات الصحفية وأضواء كاميرات الإعلام تناسى السودانيون هزائم الماضي المريرة، وأصبح الجميع ينسب التأهل إلي نفسه، وتصدرت الحكومة السودانية الموقف بإعتباره إنجازاً تاريخياً لم يكن ليتحقق لولا القيادة الرشيدة للبلاد! وفجأة أصبح تأهل المنتخب حدث سياسي من الدرجة الأولى! على الرغم من الصخب والحماس فقد كنت الأكثر هدوءً بين مشاهدي المباريات ولم أتحمس كثيراً؛ فقد كان الأمر مجرد مسألة وقت حتي تقع المصيبة التي أتوقعها. وفعلاً حلت الهزائم الكارثية بالسودان؛ خسر المنتخب مبارياته الثلاثة امام مصر والكاميرون وزامبيا بحصيلة بلغت تسعة أهداف موزعة بالتساوي بين المباريات الثلاثة! أما إنتكاسنا الأخير بالأربعة أمام زامبيا في بطولة عام 2012 فلا يزال قريباً للذاكرة ولا يحتاج لسرد.

عندما يحقق السودان أو الهلال أو المريخ أي إنتصار كروي يرتفع سقف التوقعات بشكل غير منطقي لا يتناسب مع إمكانياتنا الحقيقة، وهو ما يجعلني أتذكر دوماً حكاية بلاتيني مع منتخب نيجيريا، فكيف نحقق يا سادتي الإنتصارات والفاسد ينخر في عظم بلادنا القابعة في صدارة مؤشر الدول الفاشلة؟ من أجمل وأطرف ما كُتب عن فساد الرياضة السودانية هو يوميات بعثة "الأزوال" في قطر التي دُونت بمقال الهادي هباني المعنون بـ(مهازل وفضائح البعثة السودانية في البطولة العربية بالدوحة) وفيه يحكي عن بعثة مكونة من 280 شخص حصلت علي 14 ميدالية من مجموع 1043 ميدالية؛ وهي أقل من 1% من نسبة العدد الكلي للميداليات. وقد أسترسل الأستاذ هباني في ذكر تفاصيل الفضائح المخجلة والمشينة للبعثة السودانية بالأسماء والمناصب والتواريخ! هذه المخالفات البائنة إذا حدثت في دولة تحترم نفسها لتمت إقالة وزير الرياضة وجرى تحقيق مع رئيس الحكومة في شبهات الفساد المالي والسياسي التي تمس سمعة وكرامة الدولة وهيبتها وإحترامها قبل أن تكون نقطة سوداء جديدة في ثوب الرياضة السودانية المتسخ أصلاً.  لكن المحاسبة والمسألة أمرغير متوقع وغير قابل للتحقق الآن؛ فلا يستقيم الظل والعود أعوج، ودولة الفساد والهزيمة لا يمكنها أن تصنع إنتصارات! يا سادتي، أيخرج إنتصار من صلب الإنكسار؟.

......................
نُشِر المقال في صحيفة القرار (السودان)
18/11/2012
صفحة رقم 7
Post a Comment