Thursday, November 29, 2012

التاريخ السياسي لإثيوبيا في القرن العشرين


طلال الناير

في إثيوبيا، وعلي غير عادة دول العالم الثالث، يحظى الرؤساء والزعماء المتعاقبين علي الحكم بالقبول بنسب شبه متساوية لدي الناس. علي أرصفة أديس ابابا ستجد صور الرئيس الحالي (زينّاوي) الذي أطاح بـ(منغستو)، وصورهما تجاور صور الإمبراطور (هيلاسيلاسي) الذي قتله (منغستو). الرئيس السابق )منغستو هيلاماريام( يظهر غالباً في أغلفة الكتب والمصلقات وهو مرتدياً بدلته العسكرية أو بحُلة رمادية داكنة، وغالبة من يؤيديه من الشباب وقدامى الماركسيين والجنود. أما صورة الوجه المتجهم للأمبراطور (هيلاسيلاسي) فيضعها غالباً الملتزمين دينياً مع الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية التي يصل عدد أتباعها إلى 40 مليون شخص، وهى تدعي بأنها الكنيسة الوحيدة التي حافظت علي نقاء المسيحية! جماعة الراستافاراي يؤمنون إيماناً وجماعته قاطعاً بأن الإمبراطور لم يمت وإنما صعد بجسده للسماء وذلك بالرغم من الجنازة التي أقيمت لتأبين (هيلاسيلاسي)! أما صورة الرئيس الراحل (مِلّس زناّوي) فتكون عادة في الشوارع بالحجم الـ(super size)، وعلي حافلات المواصلات وداخل حافظات النقود، وبعد رحيله أصبحت الصورة الأكثر إنتشاراً خصوصاً لدى الشباب. في أديس أبابا ستجد النصب التذكاري العملاق للصداقة الإثيوبية الكوبية الذي أفتتح عند زيارة الرئيس (فيدل كاسترو) لأثيوبيا بعد قيام نظام الـ(Derg) الذي سيطر عليه حزب العمال ذو الأيدولوجيا اللينينية، وأصبح بمثابة رمز للإشتراكية في إثيوبيا، وأحد أبرز معالم الحرب الباردة. وفي نفس المدينة ستجد كنيسة (هيلاسيلاسي) وأتباعها الذين يؤمنون بألوهية الأمبراطور، وستجد أيضاً مقرات تجمع أنصار حزب الجبهة الشعبية الثورية الإثيوبية (EPRP) التي تضم قرابة الثلاثة ملايين عضو! كلهم يتجاورون بسلام علي أرض إثيوبيا، ولكن التاريخ يقول بأن هذا هو الإستثناء وليس القاعدة!

ساحة "مِيسّكْل إسكوير" في وسط مدينة أديس أبابا تصبح في المساء مكان لللإسترخاء أو ممارسة الرياضة، ولكن هذه الساحة كانت سابقاً المكان المُفضل عند جنود الجنرال (منغستو) لتنفيذ أحكام الأعدام العلني في المعارضين ، وذلك بعد إجبار الموظفين وطلاب المدارس والجامعات على الحضور لمشاهدة هذه المجازر! في طرف ساحة "مَيسّكْل إسكوير"، على شارع بولي رود، يوجد مبني صغير الحجم، أسود اللون، مكتوب عليه بحروف بارزة  Martyrs Memorial Museum"Red Terror". هذا المتحف أقامه في العام 2010 أهالي وأصدقاء ضحايا الجوع والتعذيب والإغتصاب في عهد الإمبراطور (هيلاسيلاسي)، والرئيس (منغستو)!
الإمبراطور (هيلاسيلاسي) أستغل مكانته الدينية كرئيس للكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية وفرض نمطاً قاسياً من الحياة على مواطنيه بينما كان البلاط الملكي يعيش في بذخ لا يوصف، الإمبراطور كان يفرض ضرائب ثقيلة علي أتباع الكنيسة. المكانة الدينية التي كان يتمتع بها كانت تمنع الشعب من الثورة ضد الإمبراطور (هيلاسيلاسي) الذي لم ينتهز فرصة وقوف الشعب معه في وجه الإجتياح الإيطالي لإثيوبيا، بل واصل في عجرفته حتي وصل الأمر لقيام المزارعين بأول عصيان مدني ضخم عام 1948 امام القصر الإمبراطوري الذي جرت أمامه صدامات دموية لم تنتهي فقط بمقتل مئات المزارعين، بل كانت العقوبة بمضاعفة الضريبة محل العصيان نفسها! علي جدار المتحف يوجد خطاب بخط يد الملك وجه لأبناءه وأحفاده عام 1973؛ في هذا الخطاب يقدم الإمبارطور "نصائح أبوية" لأولياء العهد الجدد بكيفية معاملة الشعب، خاصة المزارعين منهم، حيث قال لهم إن الله أعطاه هذه الأرض، وهو بدوره سوف يهبها لهم بمن فيها وما فيها!!!

في العام 1960 قام البريجيدور جنرال "منغستو نوّاي" وشقيقه "غِرّمامي نوّاي" بمحاولة إنقلاب فاشلة نتج عنها إنشقاق دموي في الجيش، وفي اليوم الثالث للإنقلاب وقعت مجزرة ضخمة في القصر الإمبراطوري قُتل فيها وزير الدفاع (راس أبابا أرغاي)، والوزير (أباهانا). حوصر في هذه المجزرة رئيس الوزراء السابق (تشازما بازابيه)،  والأميرة (نتنانورك) إبنة الإمبراطور؛ والتي هى زوجة رئيس الوزراء (راس أندرّغاشومساي) الذي كان معهم، وقد هربوا بعد تلطيخ أنفسهم بالدماء والإختباء وسط الجثث التي تحملها السيارة لإلقاءها خارج القصر! بعد إحباط المحاولة الإنقلابية تشائم الإمبراطور من القصر وقام بمنحه إلي جامعة أديس أبابا. هذا القصر يقع الآن في شارع الملك جورج بميدان (سِدّس كيلو)؛ وتحديداً في كليه التعليم التي قامت بتحويل مقر الإمبراطور إلي متحف. مرشد المتحف لا يقدّم إلي الزوار المعلومات المتعلقة بالمجزرة التي وقعت في القصر، فهو يشير بيده إلى سرير الإمبراطور ولكنه لا يخبرهم كيف حضر السرير إلي متحف داخل كلية التعليم!
إنقلاب البريجيدور جنرال (منغستو نوّاي) حظى بدعم جماهيري محدود، ولكن هذا الدعم تزايد أثناء محاكمته التي بثها الراديو الإثيوبي يوم 14 ديسمبر عام 1960. زاد الغضب الشعبي بعد تنفيذ سماع الكلمات الأخيرة للجنرال قبيل إعدامه والتي قال فيها للقاضي: "أنا أتقبل الحكم بالإعدام الذي قضيته علي بلا رأفة، ولا يتوجب علّي طلب الرأفة. لو كان الأمر عند الشعب الإثيوبي فلسوف أطلب منه الرأفة، من المؤكد بأنني أحتاجها كثيراً، ولكنني أعرف بأن هذا لن يحصل. لذا؛ فأنا لا أنوي رؤية وجه هيلاسيلاسي في مكان إظهار الرأفة. ليس لديّ شك بأن فقراء شعب إثيوبيا سوف يقومون قريباً بتكملة المحاولة التي قمت بها من أجل مصلحتهم".

كسرت هذه المحاولة الإنقلابية حاجز الخوف عند الإثيوبيين فأصبحوا يجاهرون بمعارضة الإمبراطور، إبتداءً من جمعية المعلمين الإثيوبيين التي قادت إضراباً  شاملاً ورفضت العودة للعمل إلا بعد مقابلة الإمبراطور شخصياً وقراءة مطالبها أمامه. وكانت هذه المعارضة العلنية مصدر إلهام لحركة المقاومة الطلابية في جامعة أديس أبابا التي كان يقودها (تيلاهون غِزّاو)، والذي كان للمفارقة من أعضاء الأسرة الإمبراطورية والذي تم إعدامه بصورة علنية في ساحة الجامعة عام 1960 بواسطة الشرطة، وقد توسعت حلقة الإعدام لتشمل بقية قادة الطلاب مثل (مارتا مِبْراتو) و (واليليغني ماكونّن).

بصعوبة كان الجيش الإمبراطوري يستطيع السيطرة علي البلاد، فالمجاعة كانت تطحن سكان الأرياف، وكانت المدن تضج بإحتجاجات شبه يومية، ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت عندما عرض التلفزيون الحكومي الفيلم الوثائقي "The Hidden Hunger" الذي قام به الصحفي الإنجليزي (جوناثان ديمبلي) والذي عُرض في سبتمبر من العام 1973. النظام لم يدرك فداحة عرض الفيلم في التلفزيون الرسمي للدولة إلا بعد أن جاءت ردود الفعل الشعبية التي بدأت بتنظيم إعتصامات كبيرة لم يفلح البوليس في قمعها لتستمر لعدة أشهر. وكعادة النظام فقد قام الجيش بإعدام قادة الإعتصامات، وكان العام 1974 هو العام الأسوء في حصيلة الإعدام، وكان (آبيدا جومو) رئيس إتحاد العمال الإثيوبيين هو أحد أبرز الضحايا في ذلك العام، ولكن من المؤكد لن يكون الأخير. بعد عرض الفيلم الوثائقي تغيرت شكل المطالب، ففي البداية كان الشعب يطالب بإصلاحات في نظام الحكم، ولكن بعد ذلك ظهرت المطالب العلنية للإطاحة بالإمبراطور، ومع الزمن تبدلت طبيعة قادة الإضرابات؛ ففي البداية كانوا من الطلاب والمثقفين، ولاحقاً أصبحوا من العمال والمزارعين وجنود الجيش. كانت أغلبية الإضرابات ذات مطالب إقتصادية ومنها علي سبيل المثال إضراب سائقو التاكسي عن العمل يوم 23 أبريل 1974 للإحتجاج علي زيادة أسعار البنزين. وكان إعتصام المسلمين الإثيوبيين تغييراً نوعياً بارزاً في حركة المطالبة بالديموقراطية، ففي إعتصام يوم 26 أبريل 1974 إنضم اليهود للمسلمين المطالبين بالمساواة بين الأديان، وشاركهم المسيحيون في مرحلة لاحقة. كل هذا جعل نظام (هيلاسيلاسي) في وضع لا يُحسد عليه، وهو الشئ الذي شجع الجنرال (مَنّغْسِتو هيلِامرّيام) بتنظيم إنقلاب عسكري حاسم أسقط به حكم الإمبراطور الذي إستمر لمدة 45 سنة.

قام الإنقلابيون برفع شعار "إتيوبيّا تَكّدْم" في كل أركان الدولة الجديدة، والذي يعني باللغة الأمهرية "إثيوبيا أولاً". الجنرال الجديد كان متأثراً بفترة الإحتلال الإيطالي لإثيوبيا فقام بتقليد نظام (بنيتيو موسيليني)، فإقتبس الـ(درغ) الإثيوبي التجربة الفاشيستية الإيطالية؛ إبتداءً بالشعار وإنتهاءً بالأساليب! قام ضباط من الجيش الإثيوبي بقراءة بيان الإنقلاب علي الإمبراطور في قصره، وبعدها تم إقتياده لركوب سيارة (فولوكس فاغن) زرقاء اللون، فتعجب من حال السيارة وقال لمرافقيه: "أنا مُرسل من السماء، كيف لكم أن تجعلوني أركب سيارة مثل هذه؟ عجباً!!!". لم يدر (هيلاسيلاسي) بأن رحلته بالسيارة الزرقاء ستكون الأخيرة، ليموت بعدها الإمبراطور بطريقة تراجيدية ويدفن تحت مقعد التواليت الموجود في قصره. قام بعدها (منغستو) بإعدام ستين من رموز حكم الإمبراطور رمياً بالرصاص!
عندما سمع الشعب عن الطريقة التي أُعدم بها الإمبراطور وقادة حكمه أدرك البعض بسرعة إن الجيش قد إختطف الثورة التي قامت بالمطالبة من أجل الديموقراطية والحقوق المدنية. وكما بدأ نظام الـ(درغ) عهده بالدم، مواصلاً المسير علي هذا النهج حتي النهاية. إبتدء (منغستو)؛ كعادة أغلبية الإنقلابيين، بتصفية الذين شاركوه في إنجاح الإنقلاب حتي أصبح وحيداً في قيادة الجيش وقيادة الـ(CoEWP / WPE)! لأسباب عديدة يطول شرحها قام العديد من المؤرخين الغربيين بتجاهل الصراع الذي نشب بين التنظيمات الماركسية الإثيوبية بعد نجاح الثورة ضد الإمبراطور وذلك من أجل الضغط علي المعسكر الشرقي أثناء الحرب الباردة بإدعاء إن الإنقلاب تم بإتفاق كل الشيوعيين الإثيوبيين، والبعض يّفضّل أن يجعل وصول (منغستو) للسلطة نتيجة حتمية لكونه قائد الإنقلاب العسكري. ولكن الحقيقة أن الماركسيين الإثيوبيين من المدنيين كان لهم دور حاسم في إسقاط الإمبراطور، والـ(درغ) قام بإختطاف نضالاتهم وسرقة الثورة.

تأسس حزب "إتيوبيا هزبوي أبيوتاوي بارتي"؛ أو حزب الشعب الثوري الإثيوبي ذو الإيدولوجيا الماركسية والذي يتم إختصاره في لغة الأمهرا بـ"إهابا"  في أبريل من العام 1972 علي يد (تسّفاي ديبيسّاي)، ومن إقليم الأرومو أسس (هايلي فِرّدا) حركة "مِيلّا إتيوبيا سوسيالست إنكوينكي" والذي يُختصر بحركة "ميسون"، وباللغة العربية تعني " حركة كُلّ إثيوبيا الإشتراكية". أدت الإختلافات الإيدولوجية بين  الماركسيين في "إهابا" و"ميسون" عام 1976 مع نظام (منغستو) إلي بداية عهد الرعب الأحمر! الكاتب (ديفيد أوتّاواي) يذكر في صفحة 187 من كتابه الهام "إثيوبيا: إمبراطورية في خضم ثورة" أن حركة "مِيلّا إتيوبيا سوسيالست إنكوينكي" تعاونت مع نظام الـ(درغ) في قمع رفاق النضال من حزب "إتيوبيا هزبوي أبيوتاوي بارتي" وذلك بالمشاركة في عمليات التصفية الجسدية والإعتقال الجماعي، ولكن (منغستو) قام الإنقلاب عليهم وشن حملة دموية عام 1978 إنتهت بإبادة قادة حركة "مِيلّا إتيوبيا سوسيالست إنكوينكي" وإعتقال أغلبية الأعضاء وتصفيتهم جسدياً.

كان الإمبراطور (هيلاسيلاسي) يستقوي علي شعبه بواسطة الجيش، وسلاح الدين. أما (منغستو) فكان يستقوي أيضاً بالجيش، بالإضافة إلى السلاح السوفييتي الذي جعل الجيش الإثيوبي الأضحم تسليحاً في أفريقيا. قام (منغستو) بإستخدام الإيدولوجيا الماركسية كغطاء لعمليات القمع المنهجي ضد المعارضة الماركسية. يا للمفارقة! كانت ساحة (مَيسّكل إسكوير) تحتشد دوماً بالدبابات السوفييتية التي تذهب بعد إنتهاء العروض العسكرية لقصف المدنيين في الأرياف ولسحق المقاومة الأرترية المسلحة التي بدأت منذ العام 1961. التسليح السوفييتي لنظام (منغستو) جعله في حالة حماس وثقة لحوض الحروب مع الثوار الإرتريين وضد نظام الرئيس الصومالي (سِياد برّي) في إقليم أوغادين. كانت الأموال السوفييتية تُضخ في خزائن الجيش وبفضل المساعدات العسكرية من كوبا وكوريا الشمالية صعد الضباط والجنود قمة الهرم الإجتماعي والإقتصادي في البلاد بينما الأرياف كانت تضربها المجاعات والفقر.
طلاب المدارس الثانوية قاموا بتكوين حركة (زامبييشا) التي ضمت 60 ألف شخص للإحتجاج ضد نظام (منغستو)، حيث كانوا يقومون بإقامة إعتصامات سلمية ضد النظام الفاشيستي الذي قابلها بموجة إعدامات وإنتهاكات لحقوق الإنسان وصلت ذروتها في عامي 1977 و1978، حيث قدّر تقرير لمنظمة (إمنستي إنترناشونال) إن نصف مليون شاب وشابة وطفل قتلوا في المعتقلات وحقول الإبادة الجماعية! متحف ضحايا الرعب الأحمر محتشد بصور الآف القتلى، والذين كانوا أحياناً من أسرة  واحدة، وفي بعض الأحيان كان القتلي أطفال تقل أعمار بعضهم عن العاشرة، ووصل الأمر بجنود الجيش الإثيوبي على إجبار الضحايا على دفع نقود حتى يتم إسترداد ثمن الرصاص الذي سوف يقتلون به!!!

عقب ذلك ظهرت حزب الشعب الإثيوبي الثوري أو الـ(EPRP) وقد إنبثق من بقايا حزب أهابا الذي تم تدميره، تأسس الحزب في مدينة برلين الغربية على يد (كييفلو تدسي)، (تِيسفاي ديباسّاي)، (بِرهاني مِسْكِل ريدا)، وهو حزب ماركسي وقد إعتبر بأن (منغستو) لا ينتمي للماركسية بأي حال من الأحوال، فهو يرفع شعارات قومية متطرفة (شعار إثيوبيا أولاً)، ويتدثر بالشيوعية ظاهرياً لكي يكسب ود النظام السوفييتي ودعمه. تلقى الحزب دعم التنظيمات القومية المسلحة ذات التوجه الإشتراكي مثل جبهة التحرير الإريترية ELF، والجبهة الشعبية لتحرير التغري TPLF. إعتبره نظام الـ(درغ) حزب الـ(EPRP) بمثابة عدواً للدولة. وقام (منغستو) بحملة شعواء لإبادة التمرد، فبدأت قوات الشرطة بحملات تفتيش دقيقة في كل أنحاء البلاد بطريقة الـ(door-to-door search). كانت نشرة الأخبار المسائية تحتفل بإنجازات الشرطة والأمن والجيش بالتنكيل بالمعارضين، وكانت تعرض في التلفاز ماكينات طباعة المنشورات، وتعرض الإذاعة أنباء القبض علي مسلحين. حركة القمع لم تمنع من تنامي الغضب الشعبي علي نظام الـ(درغ) الذي لجأ إلي تسليح المدنيين وإعطاءهم رخصة للقتل في حالة الإشتباه، وأعطاءهم صلاحيات بإقامة محاكم تفتيش في الشوارع وتنفيذ أحكام الإعدام في كل من يشتبه في إنتماءه للمعارضة! طريقة الإعدام كانت تتم فور العثور علي أي منشورات الشخص، وكان الإجراء الروتيني حينها أن يتم تجميع أقرب مجموعة من الناس وإجبارهم علي مشاهدة الإعدام للعظة والعبرة!!!

وللمزيد من إرهاب الجماهير ظهر الجنرال (منغستو) في التلفزيون وهو يحمل زجاجة من الدم وأطلق خطاباً نارياً يهدد فيه بالموت لكل من يتجرأ علي عصيان النظام الذي أصدر الـ(wanted list) والتي تحتوي علي صور وأسماء  المطلوب القبض عليهم. وخلال فترة حكم النظام من العام 1974 وحتي 1991 سقط أكثر من 2 مليون قتيل، وقد شهدت معتقلات التعذيب فظائع يقشعر لها البدن. كانت تقنية الـ(وفِيلالا) هي المفضلة في سجون أديس أبابا، والكلمة بين القوسين هي طريقة تعذيب يُربط فيها المعتقلين من أرجلهم وأيديهم ويتم تعليقهم في عصا بين كرسيين أو منضدتين، بعدها يتم تظهر السادية المطلقة لأساليب التعذيب؛ حيث يقوم الجنود بالتبول والتغوط في قطعة قماش يتم تكويرها وحشوها في أفواه المعتقلين. الذين يجلدون بسوط مزدوج. في أديس أبابا إلتقيت بالناشط السياسي (همّبرّو ميكيلّي) الذي قضي ثمانية سنوات من حياته في سجون الـ(درغ)، وقد حكى لي يوميات السجن المرعبة، وكيف كان الجنود يغتصبون المعتقلات بصورة جماعية، وبعدها يقومون بحشر العصي الخشبية في المؤخرة والأعضاء التناسلية بعد وضع الشطة أو الزيت الحار، وفي النهاية يتم قطع الأثداء وترك الضحايا ينزفن حتي الموت!!!

الجزء الأكثر رعباً من متحف ضحايا نظامي (منغستو) و (هيلاسيلاسي) هو القسم الذي يحتوي علي البقايا البشرية لضحايا التعذيب والإعدامات العشوائية والإبادة الجماعية، مئات الجماجم والآف العظام محشوة في أرفف حديدة تئن من هذا الوزن الثقل، ومن الحمولة الدموية والأخلاقية لهذا التاريخ الأسود. وسط الأعداد التي لا تحصي سيجد الزوار بعض متعلقات شخصية للضحايا كالصلبان والمسبحات، أقلام رصاص وفرش أسنان، لعب أطفال، وأيضاً ميدالية منقوش عليها شعار الشيوعية! أشار مرافقي (همّبرّو ميكيلي) إلي ساعة أحد الضحايا، وتحديداً علي شظية إخترقت زجاج الساعة وظلت عالقة بها. الشظية أوقفت الوقت عند يوم الأربعاء، الساعة الثانية وثلاثة وعشرين دقيقة وتسعة ثواني؛ إنه ميعاد الموت الدقيق للضحية (A 41)؛ وهو الرقم المتسلسل الذي كُتب علي جمجمته. وللمزيد من الدقة، ما تبقي من جمجمته التي لا يوجد منها علي الرف الحديدي سوي الفك الأسفل وجزء من مؤخرة الرأس!
بعد سقوط نظام (الدرغ) عام 1991 بدأت إثيوبيا تتعافى ببطء من ماضيها الأليم، إثيوبيا تسير في الطريق الصحيح للإصلاح السياسي، وهو وإن بدا صعباً وطويلاً إلا أنه لا سبيل إلا للتقدم، فتركة الماضي والملايين من جثث القتلى تغلق الدرب على كل من يود تكرار الماضي، فالماضي إذا قد قام سلفاً بتكرار نفسه، ولم يكن إلا قمة في المأساة.
Post a Comment