Thursday, January 26, 2012

دماء علي ثياب رجال الإفتاء

قبل أيام طالعت خبراً في الصحف عن صدام الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة مع الإمام الصادق المهدي زعيم حزب الأمة بسبب دعوته للصلاة المختلطة بين الرجال والنساء، وقام أولئك العلماء لإستتابة المهدي وإصدار فتوى بشأنه وقالوا: "أقوال كفرية ندعو لاستتابة صاحبها الصادق المهدي، إما أن يرجع ويتوب أو يقدم لمحاكمة شرعية ترده وتردع أمثاله"، والموقف مرشح للتصاعد لأن هيئة شئون الأنصار قد ساندت فتوى الصادق المهدي وأيدتها من خلال إحد بيانتها. ولا يفوت علي العارفين بأن الصادق المهدي لم يكن أول من تبني بهذه الدعوة، فقد سبقه عليها حسن الترابي في دعوته لإمامة المرأة لطالما لفت نظري العلاقة الوثيقة لمؤسسة الفتوي الدينية بمؤسسة الحكم، وكانت أوضح حادثة لشرح هذا الترابط هو إعدام الأستاذ محمود محمد طه زعيم الحزب الجمهوري السوداني يوم 18 يناير 1985 بعد محاكمته بتهمة الردة؛ وهي ذات التهمة التي ألقيت علي الشيوعيين عقب حادثة معهد المعلمين والتي علي إثرها طُرد نواب الحزب الشيوعي السوداني من البرلمان عام 1968، وبعدها أُصدرت فتوى بإهدار دم الشيوعيين أينما وجدوا!


ولكن هذا الشئ الذي لا يمكن فعله مع الفتاوي المهدرة للدم؛ فالأحكام القضائية قد تسقط بالتقادم ولكن الفتاوى تستمر للأبد؛ وها هو الكاتب الهندي (سلمان رُشدي) لايزال طريد فتوى (الخُميني) منذ العام 1989 بسبب كتاب "آيات شيطانية" وذلك إثر تناوله لقصة الغرانيق. وهذه القصة لاتزال مثيرة للجدل حتي بين علماء المسليمن أنفسهم؛ فالإمام البخاري يقول بأن القصة صحيحة وقد قام بتدوينها في كتابه "صحيح البخاري" ضمن باب سجود القرآن، ولكن الإمام السيوطي والإمام البيهقي رفضوا القصة وطعنوا في صحتها! وجراء هذا التضارب في الأقوال والتفسيرات بين العلماء المسلمين ضاع مصير (سلمان رشدي) بالرغم من إستناده علي أحد أقوي الكتب التي يُعتمد عليها في التوثيق للأحاديث النبوية وهو كتاب "صحيح البخاري"!


قام الإسلاميون بتفجيير المكتبات التي تحتوي على مؤلفات (سلمان رشدي) وأحرقوا دور النشر التي تطبع له، وأقاموا المسابقات لحرق أكبر كمية ممكنة من مطبوعات الرجل الذي أرسلوا له أحد عناصر حزب الله اللبناني لإغتياله عن طريق كتاب مفخخ! بعدها قام (أحمد خاتمي) بالتأكيد علي أن فتوى إهدار دم (سلمان رشدي) لا تزال سارية وهي غير قابلة للتعديل! ظل الرجل هارباً من لعنة فتوى المرشد الأعلي للجمهورية الأسلامية الإيرانية، وبالرغم من أن (الخُميني) نفسه قد مات ولكنه ترك فتواه التي أطلقها عبر الراديو تُطارد الكاتب الهندي حتي آخر ساعة في حياته!


وكما تم إهدار دم الكاتب (سلمان رُشدي) فقد قام 14 من شيوخ الإسلاميين السودانيين في العام 2003 بإصدار فتوي إهدار دم عدد من الكُتاب والصحفيين، وشملت القائمة عدد من السياسيين والقضاة والمحامين، وقد كانت الصفقة محددة ومُغرية؛ عشرة ملايين جنيه سوداني للرأس الواحد، منهم الكاتب الصحفي الحاج وراق! بعدها أصدرت الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة يوم 4 يوينو 2003 بياناً تُكفر فيه الحزب الشيوعي السوداني، وتنظيم الجبهة الديموقراطية؛ التنظيم الطلابي للحزب في الجامعات. وكفروا كل الأحزاب التي تنادي بالديموقراطية والإشتراكية، وشنوا هجوماً عنيفاً علي الحركة الشعبية لتحرير السودان و أعتبرت الرابطة الشرعية أن الإنضمام للحركة كُفر، وتأجير المنازل والسيارات لمنسوبيها أو يتعامل معهم تجارياً أو دعائياً فهو في نفس مرتبة الكُفر معهم! وقام بالتوقيع علي الفتوي 26 شخصاً يسبق أسمائهم لقب "فضيلة الشيخ"، ومن هؤلاء "الشيوخ الأفاضل" نجد: محمد فاضل التقلاوي، مساعد بشير، عطية محمد سعيد، د. عبد الله الزبير، وعمر عبد الخالق وآخرون، قاموا بنشر الفتوى في الموقع الإلكتروني الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة!

قد يظن البعض بأن هذه الحوادث المتعلقة بالتكفيرين والراديكاليين الإسلاميين ما هي إلا حالات معزولة وشاذة، ولكني أعتقد بأن العنف المنهجي جزء أصيل من الأيدولوجية السلفية لنشر أفكارهم المتطرفة عن طريق القوة والإرهاب، ولعلكم تذكرون قتل المصليين أثناء صلاة التراويح في مسجد الجرافة على يد السلفي (عباس الباقر) في العام 2000، وكلنا يذكر حوادث مسجد مدني، ومسجد أنصار السنة، ولعلكم تتذكرون مقتل النساء والأطفال في إحدى صالات الأفراح بمدينة الدويم عن طريق قنبلة ألقاها أحد المتطرفين الإسلاميين لأنه قال لهم بأن صالات الأفراح والموسيقى حرام في شريعة الإسلام!

صديق طفولتي وزميل الدراسة طول 15 عاماً؛ محمد مكاوي، تحول بفضل الجماعات السلفية من شخص مُحب للحياة إلي إرهابي متطرف، وقد كنت شاهد عيان علي التحول التدريجي لصديق الطفولة من مغني بارع وممثل مسرحي ولاعب كرة ماهر، إلي مجرم يقتل بلا رحمة بأسم الإسلام! قام محمد مكاوي بقتل موظف الإغاثة الأمريكي (غرانفيل) وسائقه السوداني (محمد عبد الرحمن) ليلة 31 ديسمبر 2007 بالتعاون مع ثلاثة من المتطرفين الإسلاميين؛ أحدهم أبن الشيخ الهدية زعيم جماعة أنصار السنة بالسودان!


قد يظن البعض بأن وجود الفكر التكفيري في السودان مرتبط بفترة وجود زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في السودان، وأنه ساهم بأمواله في دعم النهج التكفيري بأمواله الضخمة وأنه ساهم في خلق توأمة بين الجماعات التكفيرية في الداخل والخارج. ولكنني أرى بأن هذا الزعم يفتقد للصحة إذا ما رجعنا للتاريخ، فهناك سنجد أن الفكر التكفيري ومؤسسة الفتاوي تستند غالباً علي حائط السلطان لكي تنمو، حتي وإن كان الحاكم غير مسلم!!!في العام 1987 أصدر البروفسر (تيم نبلوك) بجامعة أكستر كتاباً بعنوان
Class and Power in Sudan: 
The Dynamics of Sudanese Politics
1898-1985



  

قال فيه أن "مجلس العلماء" السوداني في فترة الإحتلال الإنجليزي المصري للسودان قد بارك تنكيل البريطانيين والمصريين بـ(الشيخ علي عبد الكريم) وأعطى ذلك التنكيل بُعداً شرعياً لأنهم "أولياء أمر المسلمين"، وتجاهل شيوخ مجلس العلماء إنهم قوى الإستعمار التي نفذت مجازر إبادة جماعية للسودانيين في كرري وأم دبيكرات وتركت الجرحي لأيام تحت هجير الشمس يموتون عطشاً وجوعاً، ومنعوا الناس من دفن أشلاء القتلي التي مزقتها مدافع المكسيم، وتركوا الجرحى يتعفنون وهم علي قيد الحياة بعدما منعوا الأهالي من إسعافهم ، فكان الجرحي نهشاً للدود والغرغارينا والكواسر من الطيور والوحوش! هذا هو موقف علماء السلطان السودانيين من أخوانهم وما لاقوه من أهوال الإستعمار.




شيوخ الفتاوى الجاهزة قاموا بتفصيل فتوى تُلائم جعفر نميري الذي غير لقبه إلى (أمير المؤمنين) بعد تطبيقه للشريعة الإسلامية في سبتمبر من العام 1983. نميري ضرب الجزيرة أبا بواسطة سلاح الطيران المصري  - الذي كان آنذاك تحت أمرة محمد حُسني مبارك - وبعدها أراد النميري سنداً دينياً لتبرير مجازره  فكانت مباركة العلماء لتلك الفظائع وقالوا في وصف أحداث الجزيرة أبا في 1970: "إن مبادئ مايو لا تخرج من مبادئ الإسلام التي تقوم علي العدل، والإحسان ومحاربة الظلم والفساد، لذلك أن الوقوف بجانبها واجب دينياً قبل أن يكون واجباً وطنياً، والخروج عليها خروج علي أمر الله، ومخالفة صريحة لأهداف ومبادئ الإسلام"!


عندما أسقط تلاميذ الحركة الإسلامية أستاذهم الترابي من قمة هرم السلطة عام 1999 وقع الرجل لتظهر السكاكين من حوله، ليصرخ بعدها في صحيفة الشارع السياسي بأن  "إبعاده من السلطة هو محاولة لإبعاد أصل الدين". و قال القيادي بالمؤتمر الشعبي (علي الحاج) لصحيفة الصحافة يوم 6 يناير 2000 أن المفاصلة "تُمثل تمرير لفصل الدين عن الدولة"! لا أعرف ما هي أول فكرة تقفز في رأس الترابي عندما يصحو من نومه؟ هل يظن الرجل بأنه إله أم نبي حتي يعتقد بأن إبعاده من السلطة إبعاد لأصل الدين؟ هل الفجور في الخصومة بين الإسلاميين وصل لدرجة أن يضع (علي الحاج) إخوانه من الجبهة القومية الإسلامية في خانة واحدة مع العلمانيين والكفار وأعداء الدين؟ أليس هذا هو الشيخ حسن الترابي نفسه الذي قال عن الرئيس عمر البشير بأنه "هبة السماء لأهل الأرض"؟ يظنون بأنهم سيحكمون حتي الموت وبلا محاسبة لمجرد إدعائهم أنهم يطبقون شريعة الله في الأرض ويستخلفون الإله؟ ولكم كان (لورد أكتون) صادقاً عندما بأن "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة"!

عندما مال ميزان السلطة نحو البشير إنبري من جماعة التكفييرين ورجال الفتاوى يطالبون الرئيس البشير محاكمة الشيخ حسن الترابي وإعدامه مثلما أعدم الرئيس جعفر النميري الأستاذ محمود محمد طه بتهمة الردة! الرابطة الشرعية للدعاة والعلماء تري في "إجتهادات" الترابي إنكاراً بيناً للقرآن والسنة وتضليل لجماهير المسلمين، وقتل هذا الرجل فيه قضاء للحق وإيقاف للشر والضرر، ولكن لماذا لم نسمع منهم هذا القول الواضح أثناء وجود الترابي في السلطة ما بين الأعوام 1989 و 1999؟

قرأت قبل سنوات كتاب (حسن الترابي: آراؤه واجتهاداته في الفكر والسياسة) وهو عبارة عن حوار مطول أجراه محمد هاشمي الحامدي مع الترابي تم نشره في الكتاب سنة 1996. وفي هذا الكتاب إعتبر الترابي أن التكفيريين:  "ليسوا قوة ذات وزن تستحق أن نفرط طاقتنا المحدودة بهم وبترهاتهم .. دعهم يتحدثون حديثهم". والغريب أن الترابي نفسه هو الذي وفر السند القانوني للتكفيريين عندما طالبوا بإعدام الأستاذ محمود محمد طه في دولة أمير المؤمنين جعفر بن محمد النميري، ألم يكن الترابي وزيراً للعدل في العام 1979 وهو من ساهم في إدخال تشريع الردة ومبادئ الشريعة الإسلامية في القانون السوداني؟



وبالرغم أن الترابي كان أحد أعمدة نظام النميري إلا أنه كان لا يحترمه وينظر إليه بأستعلائية، فالترابي ينظر إلي نفسه كسياسي مرموق حاصل علي الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية، أما جعفر نميري فكان "طيش حنتوب" وهو مجرد رجل عسكري محدود القدرات والتفكير. حدث ذات مرة أن سخِر من النميري عندما علم بأنه ألف كتاباً بعنوان (النهج الإسلامي .. لماذا؟) عقب إعلانه قوانين الشريعة الإسلامية في سبتمبر من العام 1983، وقال الترابي معلقاً علي ذلك: "هو متين نميري بقي مسلم عشان يكتب كتاب إسلامي؟". جعفر نميري لاحقاً عرف بهذه الحادثة وأقر بصحة هذه الرواية في السودانية أجراه معه الصحفي سيد أحمد الخليفة في مايو 1989 نشرته صحيفة الوطن السودانية.

كيف يقبل الترابي علي نفسه أن يكون داعماً لنظام إسلامي يتشكك في قوة إنتماء قائده للأسلام؟ وثم بعد هذا التشكك لماذا يقدم الترابي للنميري الفتاوى الدينية والدعائم القانونية لتدعيم تلك الفتاوى؟ لقد غذى المنافقون جنون جعفر نميرى وأقاموا له الأنصبة فقام النميري تحت تأثير جنون العظمة بطباعة صورته علي النقود السودانية، والترابي كان أحد أولئك الذين ساهموا في صنع الطاغية. التاريخ السياسي للشيخ حسن الترابي تُبين بأنه رجل منافق وشخصية حربائية بإمتياز.  

كتبت صحيفة السوداني عن قصة تعذيب الكادر الشيوعي الدكتور عمر التاج النجيب يوم 13 يونيو 2006 داخل مقر أتحاد طلاب جامعة أمدرمان الإسلامية علي يد "جماعة الدبابين التابعة لجماعة أبو مصعب الزرقاوي في السودان" وذلك بسبب توزيعه لبيان خاص بالحزب الشيوعي السوداني ينتقد فيه قرار حرمان الطلاب الغير قادرين علي دفع الرسوم الدراسية من الجلوس للأمتحانات! قام جماعة أبو مصعب الزرقاوي بمنع (عمر النجيب) من تناول الطعام وقاموا بتعليقه في مروحة السقف وضربه بالسيخ والأقفال الحديدية، وقاموا بصعقه بالكهرباء وتعذيبه بوساطة "زجاجية مياه غازية"، وضربوا (عمر النجيب) بمعقب مسدس علي رأسه حتي فقد الوعي، بعدها أرغموه علي توقيع وصل أمانة بمبلغ 15 مليون جنيه بدون تحديد أسم المستفيد! كل ذلك لأنه قام بتوزيع بيان للشيوعيين يرفض قرار منع الطلاب الغير قادرين مالياً من الجلوس للأمتحان، فتأمل!

أتراها صدفة أن يتصاعد نشاط الجماعات التكفيرية أثناء عهود الدكتاتوريات؟ وهل من المصادفة أن تكون أغلبية الفتاوي منذ الأستعمار ضد المعارضين للحكم أياً كانت مشاربهم؟ لماذا لم نسمع بفتوي تدعو للعصيان المدني بدعوي فساد الحاكم وحاشيته؟
في كتاب (حسن الترابي: آراؤه واجتهاداته في الفكر والسياسة) قال الترابي عن التكفيرين "أنهم يخدمون الغرب بضرب المسلم بأخيه المسلم"، ولعل هذه الجزئية هي من المرات القليلة صدق فيها الترابي، فالسلطة الفاسدة تستخدم علماء الإفتاء لضرب الناس بعصا الدين والترهيب بدعوة حماية حكم الله علي الأرض، ورجال الإفتاء أثناء إنشغالهم بهذه "المهمة المباركة" لم يلحظوا دماء ضحاياهم التي علقت في ثيابهم علي طول السنين، وهذه الدماء لن تزول بمجرد أن نمتثل لدعوة الترابي بترك التكفيرين وأصحاب فتوى السلطان يغرقون في بحر ترهاتهم، فالتغاضي عن أذي التكفيرين ورجال الإفتاء للسلاطين كمحاولة الرجل الذي تجاهل الغرغرينا التي تلتهم جسده بينما هو يقوم بمسح الزيت فوقها!

Post a Comment