Friday, January 20, 2012

كيف ستودع الخرطوم سودان الطائفيين وتجار الدين؟

في العالم 1966 شاهد العالم فيلم "الخرطوم" للكاتب (روبرت أردري)  الذي يحكي عن الأيام الأخيرة للـ"بطل" الجنرال تشارلز غُوردن - أو غرّدون كما يُسميه السودانيين - والذي قتله أتباع محمد أحمد المهدي وقطعوا رأسه أثناء معركة تحرير الخرطوم التي سقطت تحت ضربات جيش الأنصار يوم 25 يناير 1885. مقتل الجنرال غرّدون مثّل صدمة للأمبراطورية البريطانية حينها بإعتباره أحد أعظم العسكريين الأنجليز في عصره، وكان له دور كبير في النصر بحرب الأفيون الثانية ضد الصين عام 1860؛ والتي علي إثرها ظل الإنكلتار في هونج كونج حتي العام 1999.
بوستر فيلم الخرطوم؛ وفيه يجسد تشارلز هينسون دور (غردون)، ويمثل لورانس أوليفير شخصية (المهدي)


قام العديد من الرسامين بتوثيق مقتل غرّدون "المفجع" في عدد من اللوحات التي قام بها (فيرّس)، (فرانك) و (كاستلّي) وغيرهم.

الرسم بريشة فيرّس
الرسم بريشة فرانك
الرسم بريشة كاستلّي


أما (بانش) ؛ مجلة الكاريكاتير الأقدم في العالم فنشرت رسماً يصور حرق وتدمير مدينة الخرطوم علي يد أنصار المهدية،  الأمبراطورية البريطانية تقف جانباً لتنتحب لمقتل (غرّدون)، وكُتب تحت الرسم "Too Late"، وهي أشارة لحملة إنقاذ غردون التي وصلت للخرطوم بعد سقوطها! صحيفة (Le Temps) نقلت إقتباساً عن صحيفة (Time) التي نشرت الكاريكاتير مرة أخري وكتبت التعليق الآتي :

See Mr. Punch's Cartoon At Last!" in preceding Number. "The Artist, in that admirable sketch, has simply translated the picture which had taken of every English imagination."

مجلة (بانش) الأنجليزية بتاريخ 14 فبرير 1885 

أحد أشهر من ودعتهم الخرطوم هو (إليتش راميرز سانشيز) الشهير بـ(كارلوس)؛ ذلك الثعلب الفنزويلي الذي أصاب بالصداع أعتي أجهزة المخابرات في العالم طوال عقود، لكنه وجد نفسه في قبضة المخابرات الفرنسية في الخرطوم عام 1994، ولربما كان الغدر به علي يد نظام الجبهة القومية الإسلامية أقسي عليه من ألم ختانه الذي قام به للزواج من أمرأة مسلمة علي أرض السودان!

كارلوس

مخرج فيلم الخرطوم (بازل ديردن) توفي في العام 1971 في حادث حركة أليم في موقع تصوير فيلمه الأخير " The Man Who Haunted Himself"، قٌتل المخرج في نفس المكان الذي كان من المفترض أن يُقتل فيه البطل بحادث تحطم سيارة؛ حسب سيناريو الفيلم! أهكذا تودع الخرطوم دائماً أُناسها، قتلي، محطمين، وكسيري الفؤاد؟

بازل ديردن
سيناريو الفيلم الأمريكي "2012" تخيل بأن الفيضانات سوف تغمر العالم لأن تقويم حضارة المايا يقف في العام 2012، وهو ما يعني أنها نهاية العالم! وإذا تجاوزنا أحداث الفيلم ووصلنا إلي خاتمته لوجدنا بأن الرؤية النهائية تقوم علي الترويج للقوة الأمريكية وبتصوير قادة العالم والصفوة المختارة ينتظرون بعجز العون الأمريكي لإنقاذهم من هذا الهلاك المحتوم، وبالفعل لم تخذلهم أمريكا وأنقذت البشرية، ولكن ذلك بعدما تحولت المركبة الماكوكية التي كان يريدون بها السفر للفضاء إلي قارب ضخم لم يجد بقعة يرسو عليها إلا الهضبة الأثيوبية! هل هذا يذكركم بشئ ما؟ إنها تشبه كثيراً قصة نجاة المؤمنين في سفينة نوح! 
هذه البروبوغاندا الأمريكية قدمت الخلاصة في شكل فيلم أكشن عُرض عقب الأزمة الإقتصادية العالمية التي تسببت فيها أزمة العقارات الأمريكية. الرسالة بإختصار هي: "ثقوا في قيادة أمريكا وقدراتها، فمهما واجهتم من مصاعب فأمريكا كفيلة بإنقاذكم في النهاية".

بوستر الفيلم

ولكن يا حسرتنا علي السودان الذي مهما تذلل فهو لن يجد أي مقعد في سفينة أمريكا الناجية؛ كيف ننجو ورئيس دولتنا هو المطلوب الأول للعدالة الدولية بتهم إرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد مواطنيه؟ رشحونا في قمة الغذاء العالم لنصبح سلة غذاء العالم فخذلناهم وأصبحنا علي شفى حفرة من المجاعة. كيف ننجو وإقتصاد البلاد وصل لمرحلة إستيراد الثوم من الصين وجلب البصل من أرتريا؟ كل شئ وصل مرحلة الإنهيار، الخدمات الصحية، التعليم، الرياضة، كل يوم تطالعنا الصحف عن إعتداءات مهينة لعساكر وضباط الشرطة علي المواطنين وصلت لدرجة الأغتصاب الجماعي لسجين أمام زملائه! فشلنا في أي شئ، وفي كل شئ، فشلنا حتي في تجميع فريق من الرجال قادرون علي ركل كرة من الجلد أسمها "كرة القدم"!

عمر البشير، عبد الرحيم محمد حسين و نافع علي نافع

الإمام الصادق المهدي، آخر رئيس وزراء شرعي للسودان أصابنا في مقتل، كان الشعب ينتظر القرار الحاسم من الصادق بإرجاع السلطة للجماهير من حكومة العسكرتارية، ولكن الإمام قال ذات يوم: "عمر البشير جلدنا وما بنجر فيهو الشوك!". أيعقل أن يكون هذا هو رئيس وزراء السودان المنتخب الذي أقسم علي حكاية الدستور والديموقراطية في البلاد؟ كيف يتحالف الصادق المهدي مع الرجل الذي إنقلب علي سلطة الشعب السوداني وإغتصب الحكم في ظلمة الليل البهيم؟ لماذا يدافع الصادق عن البشير مضحياً بكل سمعته وماضيه السياسي؟ 
خذلنا رئيس وزرائنا المنتخب، فبدلاً من أن يتصدر الصفوف ويقف بصدره في وجه المدافع والبنادق التي قتلت ناخبيه في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ومن قبلهم في جنوب السودان؛ أضحي الصادق كحصان طروادة في صفوف المعارضة، ومقاتلاً مأجوراً بالوكالة عن حكومة الإنقلابيين الإسلاميين ضد مصالح الشعب السوداني والمنادين بالحرية! الصادق المهدي لم يقم بأي رد فعل علي الأنباء الواردة عن الإنقلاب العسكري الذي سمع تسريباته الناس في الأسواق!

الصادق المهدي



كتب الأستاذ كمال الجزولي مقالاً بعنوان "المهدي والترابي والخلاف علي إلتهام الموز السياسي" متحدثاً عن عرض الترابي للمهدي بالإنقلاب عسكرياً علي النظام الدستوري، وأقتبس من المقال:

حدثني السيد الصادق المهدي أواخر 1992م، قال: "كنا، في مارس/آذار 1989م خارجين لتوِّنا من أزمة ديسمبر/كانون الأول 1988م، وسببها زيادات كنا اعتزمناها فـي اﻷسعار، وكانت اﻷجواء ملغومة بـ"مذكرة الجيش" لمجلس السيادة في 20/2/1989م، عندما جاءني- في ما حسبته للوهلة الأولـى زيارة اجتماعية- أحمد سليمان القيادي في الجبهة الإسلامية المؤتلفة معنا وقتها فـي "حكومة الوفاق". وأثناء أنسنا سألني فجأة:
ـ "ألا توافقني في أننا معاً اﻷكبر تفويضاً شعبياً"؟!
فهمت أنه يشير لحزب الأمة والجبهة الإسلامية مجتمعين، فأجبته:
ـ "بحسب صناديق الانتخابات.. نعم".
ـ "حسناً.. أنا لا أرى مخرجاً من هذه الأزمات ما لم نحسم قضية السلطة عسكرياً، ونتحول إلى النظام الرئاسي، ونغلق البلد لعشـر سنوات انتقالية، نعالج خلالها مشكلة الجنوب، ونصفي ديوننا، وننعش اقتصادنا، ونرمم علاقاتنا الخارجية، ونحسم الفوضى الحزبية والنقابية والصحفية، فنهيئ البلد بالتدريج لديمقراطية راشدة؛ ولا أرى أنسب منك طوال الفترة المذكورة رئيساً للجمهورية"!


ومضى المهدي يقول: "لم يخطر ببالي -أثناء حديث الرجل- سوى أنه مَن ورَّط الشيوعيين فـي انقلاب مايو/أيار 1969م، وها هو يريد أن يسوِّق للجبهة الإسلامية ولنا معها مغامرة أخرى، فقلت له: قد تبدو الخطة نظرياً براقة، لكنها عملياً ليست كذلك. انظر.. بالديمقراطية عالجنا أزمة ديسمبر/كانون الأول، وأزمة الحكم التي فجرتها "مذكرة الجيش"، وهذا لا يعيب النظام الديمقراطي لكونه من طبعه، أما النظام الشمولي فيركز -وفق قوانينه الباطنية- على تأمين نفسه، من تضييق إلى تضييق، ومن عسف إلى عسف، مع ما يجره ذلك من إنفاق بلا حدود على اﻷمن والدفاع، وهيهات أن ينجح مع ذلك في تحقيق أي استقرار".

وختم المهدي روايته قائلاً: "بعد أيام وأثناء مناسبة عائلية، اقترب مني الترابي هامساً: هل جاءك أحمد؟! ففكرت برهة، لكني حين أدركت المقصود والتفت إليه ألفيته فص ملح وذاب!، هكذا بلغتني الرسالة واضحة: ننتظر ردَّك"!



إنتهي الإقتباس، ولكن هذا يعيد تذكيرنا بحديث عبد الرحمن فرح عن معرفة الصادق المهدي بأنباء الأنقلاب العسكري للإسلاميين الذي إنتشرت الإشاعات عنه عقب صدور مذكرة الجيش في يوم 20 فبراير 1989، أي قبل أربعة أشهر كاملة من وقوع إنقلاب 30 يونيو 1989!

رئيس الوزراء المنتخب ديموقراطياً يحذرنا من محاكاة ثورات الربيع العربي خوفاً علينا من سفك الدماء! قُتل أكثر من ثلاثة ملايين سوداني في عهد حكومة "الإنقاذ الوطني"، فهل هذه الدماء التي أريقت كانت مجرد مزحة؟ هل يظن الصادق المهدي بأن كل شئ بخير لمجرد أن أولاده وبناته يعيشون بسعادة في الثراء الذي نالته أسرتهم الإقطاعية من أراضي وأموال السودانيين البسطاء؟ الصادق المهدي يملأ رؤسنا صباحاً ومساءً بمحاضراته عن الديموقراطية وأبنيه أحدهما في جهاز الأمن، والآخر في الجيش! لقد رفض المهدي أن يكون قائداً لكل السودانيين ورمزاً للحرية والديموقراطية وأختار أن يكون زعيماً طائفياً عتيق الطراز، وحليفاً وثيقاً للعسكر، في فترة مايو والإنقاذ، ومدافعاً متحمساً عن المطلوبين للعدالة الدولية!

الصورة تُعرّف بنفسها

لمصلحة من يقوم الصادق المهدي بتفريق صفوف المعارضة؟ فعلها من قبل عندما قام بمصالحة جعفر النميري في بورتسودان عام 1977، وقام بشق صف التجمع الوطني الديموقراطي عندما أنسحب منه عام 1996، وها هو الرجل يفعلها مجدداً بهجومه علي  المعارضة ورموزها ليحصر أزمته مع قوي الإجماع الوطني في "إسم التحالف" ومقترحاً القيام بتسمية جديدة تناسب الواقع لأن قوي المعارضة "غير مجتمعة"، وقد نسي الصادق المهدي في أنه تسبب في شق صفوف هذا التحالف!
يطالب المعارضة بعدم إستخدام العنف في تغيير النظام، وإنما عن طريق "القوة الناعمة"، ولكأنما النظام قد إستجاب لمطالب الحوار ونداءات التداول السلمي للسلطة، أولم يسمع السيد الإمام رأس الحكم نفسه وهو يقول علانية في مكبرات الصوت بأن الإنقاذ أتت بالسلاح، ومن أراد تغييرها فليفعل بالسلاح!


أما السيد محمد عثمان الميرغني، رئيس الحزب الإتحادي الديموقراطي، ورئيس التجمع الوطني الديموقراطي (المقبور)؛ فقد كبّل المعارضة وأعاق حزبه بخموله الغريب، ولم أعرف له موقفاً واضحاً ضد النظام سوي العبارة الشهيرة "سَلّمْ تَسْلّم"، وهي العبارة عرفت معناها الحقيقي لاحقاً؛ فالشعب ظنها (تهديداً) من الميرغني للبشير بتسليم السلطة للشعب السوداني، ومولانا الميرغني كان لا يهدد البشير؛ بل كان يرجوه أن يغدق عليه من عطاياه، فرمي المشير فتات ما تبقي من السلطة للميرغني وأولاده فمضوا بها فرحين وتناسوا مظالم الشعب السوداني الذي يعقدون بأسمه الإتفاقيات ويقتسمون بأسمه الثروات. وفعلاً، لقد (سَلِمْ) المشير البشير من شر الميرغني وأبنه خريج روضة الحنان بعد أن قام بتسليمهم (الفيها النصيب)!

آل الميرغني

مفارقة التراجوكوميديا الكُبرى تتمثل في أن يتزعم حسن الترابي صفوف المعارضة السودانية وأن يصبح الأعلي صوتاً في إسقاط النظام الذي جلبه إلينا! تأملوا هذا: الترابي يريد إسقاط البشير الذي قال عنه بأنه "هبة السماء لأهل الأرض"، وبعد أن أسبغ عليه من صفات الأنبياء والأولياء طيلة سنوات تواجد الترابي في رأس السلطة، ولكن بعد إنقلاب تلاميذ الترابي علي شيخهم أصبح زعيم حزب المؤتمر الشعبي يكيل السباب للبشير سراً وعلانية، بل ويستند بآيات من القرآن يدعو فيها الرئيس لتسليم نفسه للمحكمة الجنائية الدولية، بعد أن كان يستخدم نفس القرآن لتأليه البشير؛ هبة السماء لأهل الأرض!
 وهنا يحضرني رسم كاريكاتيري للفنان (مصدق) علي صفحات جريدة الميدان قُبيل الإنتخابات "المخجوجة"، وفي ذلك الكاريكاتير يظهر الترابي وهو يكيل السباب للشجرة – رمز المؤتمر الوطني في الإنتخابات – ويصرخ بوجوب إقتلاعها، ولكن أحد المواطنين يرد علي الترابي بأن هذه الشجرة كانت من غرس يده!

التُرابي

في فيلم "In The Mouth of Madness" ، أحد ثلاثية أفلام "الرؤية النبوءية" للمخرج (جون كاربنتر)، نجد أن بطل الفيلم الروائي شهير (سوتر كين) قد أسقط قراء رواياته في دوامة لانهائية من الكوابيس المتداخلة بطريقة يصبح من المستحيل معرفة الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم، وفي الفيلم ستشاهدون الروائي (سوتر كين) وهو يتحدث مع الشخصيات التي كتبها قلمه، ولتكتشف بأن (سوتر كين) يصبح هو أحد الشخصيات المشاركة داخل الأحداث التي صاغ تفاصيلها خياله! كل شئ متداخل في بعضه؛ القراء الحقيقيين، وشخصيات الرواية، وكاتب الرواية نفسه، كلهم يتفاعلون بطريقة قد تصيبك بالجنون إذا حاولت مشاهدة الفيلم أكثر من مرة لمحاولة إمساك رأس خيط الحقيقة!

بوستر الفيلم

 وأنا أحسب بأننا نعيش في حالة مماثلة لأحداث ذلك الفيلم الأمريكي، فظني يقول بأن كل ما يجري ما هو إلا فيلم كتبه حسن الترابي وأعد للجميع أدوارهم فيه، وتوزيع الأدوار تم بتنسيق محكم، سيناريو يضع ممثلين في مجموعة أسمها (الحكومة)، وآخرون أسمهم (المعارضة)، والبعض دورهم في الفيلم يقتضي أن يكونوا كومبارس، ومن المستحب أن يحصل صراع بين الشخصيات لخلق تشويق سينمائي. في هذا الفيلم الترابي يتقمص بإمتياز شخصية (سوتر كين)، وحسب السيناريو؛ في البداية يكون الترابي هو كاتب قصة الفيلم، ولاحقاً يصبح من ضمن الممثلين في الفيلم!



غلاف الرواية الخيالية التي أصبحت واقعاً
بوستر آخر للفيلم
هل تذكرون دور الترابي في تمكين الإسلاميين إقتصادياً وسياسياً في عهد حكومة جعفر نميري وكونه جزءً أصيلاً من السلطة حتي أسابيع من قيام إنتفاضة أبريل 1985؟ هل تذكرون تمثيلية الترابي والبشير للإنقلاب علي الديموقراطية الثالثة؛ تمثيلية "أذهب للقصر رئيساً وسأذهب للسجن حبيساً"؟ الترابي يعرف جيداً من أين تؤكل الكتف، وهو الآن في قيادة المعارضة ويعرف ماذا يريد أن يفعل!
أدخلنا حسن الترابي والصادق المهدي في دوامة من الأوهام والأكاذيب، كيف يمكن تصديق هذا؟ الصادق المهدي رئيس الوزراء الشرعي يطالب شعبه الذي إنتخبه بعدم الثورة ضد الإنقلابيين ومقوضي النظام الدستوري في البلاد؟ كيف أمسي الترابي الذي جلب لنا هذا البلاء العظيم هو قائد ثورة الحرية؟ أما الميرغني فهو في المنطقة الرمادية (عصاية نايمة .. وعصاية قايمة) ومع تضارب التصريحات لم نعرف إلي أين مسير الرجل ومصيره! كيف رضينا علي أنفسنا القبول بمجرد رؤيتهم يتبادولون الأدوار بهذه الطريقة طيلة نصف قرن؟ أيريد الترابي والصادق والميرغني دفعنا جميعاً لحافة الجنون؟ 


جميعهم ساهموا في تقويض اي مقاومة مدنية للحكم العسكري، فجعلوا المعارضة تنتقل من مرحلة النضال المسلح إلي القبول بخمسة نواب بلا صلاحيات في برلمان إتفاقية نيفاشا، وبلغت المعارضة من الهوان لدرجة عدم إستطاعتها إقامة ندوات في مقراتها! إبتلعوا كل شعارات العمل المسلح وعنترياته، وأضحوا يتحدثون عن التداول السلمي للسلطة وإستخدام "القوة الناعمة" لتغيير النظام تدريجياً!

نحن شعب لا يتذكر، ذاكرة السمكة التي نعيش بيها جعلنا نتجاهل  تاريخ من ساهموا في جريمة إجهاض مشروع الدولة الوطنية والممارسة الديموقراطية السليمة لصالح إستمرار سلطة الطائفيين وتجار الدين الذين يدورون بالبلاد في الحلقة الجهنمية (ديموقراطية – عسكرتارية)؟ جعلوا اليأس يتملك الشعب لدرجة جعلت البعض ينتظر ثورة تصحيحية من داخل المؤتمر الوطني الذي أصبح اللاعب الأساسي في ميدان السياسي، هو المبادر وهو صاحب رد الفعل، والباقي في مقاعد المتفرجين، أو هكذا دورهم!

قد ينتظر صديقي تحقق نبؤءة تقويم المايا الخرافية بنهاية العالم، أو دمار الخرطوم علي أقل التوقعات، ولكن من المؤكد بأن إله الحرب "بولون يوكتي" عند المايا إذا أتانا فلن يجد شيئاً يدمره، فالخراب قد عم كل شبر في البلاد وكل شئ قد سُوي بالأرض، وصديقي يقول لي بأن دمار الخرطوم في العام 2012 حتمي ولا شك فيه، فإن لم تدمرها نهاية العالم التي ينتظرها البعض فسوف تُدك لأنها ستكون أرض المعركة المقبلة لحسم الصراع علي السلطة والثروة، فالنار أكلت كل شئ ولم يتبق إلا العاصمة، وكل الطرق تؤدي إلي الخرطوم، والخرطوم قد ودعت غردون وكارلوس من قبل، فمن يا تري سوف تقوم بوداعه في هذا العام، وكيف ستقوم بذلك؟

في فيلم الخرطوم لـ(بازل ديردن) يختتم الراوي القصة بقوله: "عالمٌ لم يتسع من أجل البطل تشارلز غوردون لهو عالم محكوم عليه بالفناء!"، أهي نبوءة عن الخراب الذي سيصيب الخرطوم التي ضاقت علي غردون بما وسعت، أم هي لعنة ألطلقوها علينا؟ وأنا أقول، هي فعلاً نبوءة إذا إستمر تحالف الطائفيين وتجار الدين في التلاعب بالسودان  وإستنزافه حتي نهايته، وهذا التحالف القمئ يذكرني بتلك الكائنات الطُفيلية التي تظل تمتص دماء عائلها حتي الرمق الأخير، تظل عالقة به لآخر نقطة دم، ولا تقارفه حتي بعد موته. وعلي نسق راوي الفيلم الأنجليزي أقول: "سودانٌ لم يتسع من أجل مشروع دولة المواطنة والديموقراطية الحقّة لهو سودان محكوم عليه بالفناء!"

Post a Comment