Monday, January 2, 2012

إل خُوفِيس ... شغب يوم الخميس

طلال الناير

في العام 1977 أثار فنان الكاريكاتير الكتالوني (خُوسيه لويس مَارتِن زابالا) زوبعة عندما أصدر سلسلة كتبه الكاريكاتيرية المعنونة بـ(Quico el progre.)  التي قام فيها برسم يوميات (إله) لديه هوايات وأشياء روتينية يقوم بها كأي إنسان عادي، ورسم من عالم ذلك الـ(إله) الكثير من الأنبياء كـ (المسيح) و(موسي) و(مُحَمّد) ورسم الكثير من الشخصيات التوراتية كـ(بُولِس) و (يُوحنّا) و(مريم العذراء)، وصوّر شخصيات مقدسة من ديانات أخري كـ(بوذا) و(كُونّفوشيوس)، ورسم الجدل العبثي المستمر لذلك الإله مع فلاسفة وعلماء أمثال (فردريك نيتشهْ) و (غَالِيلو). وفي الكتاب سخر من بابا الفاتيكان (يوحنّا بُولِس الثاني) ومن كل من أستطاع رسمهم من شخصيات! 



تسبب هذا الكتاب في تقديم (مَارتِن) للعديد من المحاكمات بتهمة الأساءة للكنيسة الكاثوليكية، ولكن لم تستطع أي محكمة إدانة الفنان الأسباني الذي نقلت عنه صحيفة (آل باييس) أثناء محاكمته الثالثة عام 1984 وصفه للكتاب بأنه:

"... يقدم رؤية جديدة للأنجيل!"

خوسيه لويس مارتن
قام (مارتن) بالأستفادة من نجاح الكتاب بتحويله إلي برنامج تلفزيوني ناجح بأسم (Ouico)، وكذلك بنشر رسومات يومية للشخصية في الـ(إل بِيرّيِوديكو دي كَتَالونيا)؛ ثاني أكبر الصحف إنتشاراً في الأقليم بعد صحيفة (لافانغوارديا). بعد نجاح سلسلته الأولى قام "مَارتِن" بإصدار مجلة (El Dios)؛ أو (الأيام)، وهي مجلة كاريكاتيرية ساخرة حققت رواجاً كبيراً عقب صدورها، وتميزت المجلة بخلوها من أي تعليق علي الرسومات.


وفي ذات العام قرر "مَارتِن" مواصلة شغبه المجنون ومتابعة نجاحاته فأتفق مع الكاتب والرسام (غُوداي سَالاْس) علي مشروع فني جديد، قرر الأثنان أن يحررا مجلة غير الأعتيادية في ميعاد صدور غير إعتيادي، فالكثير من مجلات الكاريكاتير والكوميكس في أسبانيا كـ(أومّبْري) و (سَارّفان) و (إل مِرّثِنَاريو)، و(بُووغي) تصدر يومي السبت والأحد، ولكن الصديقان الكتالونيان قررا أن تصدر مجلتهما الجديدة كل يوم خميس من مدينة (بَرّشَلُونْة)، وأن يكون أسمها الكامل:
"El Jueves, la revista que sale los Miércoles
أو
"إل خُوفِيس، المجلة التي تصدر يوم الأربعاء"


في اللغة الأسبانية (إل خُوفِيس) تعني حرفياً (يوم الخميس)، وهي المجلة التي صارت بعد صدورها محط أنظار كل محبي الكاريكاتير والمقالات الساخرة في أسبانيا، وعلي مر السنين حافظت المجلة علي خطها المشاغب ونقدها اللاذع للجميع، فتقريباً، قامت المجلة بنقد كل الحكومات التي تعاقبت علي حكم أسبانيا بعد موت الجنرال (فرانشِيسّكو فرانّكو) وإنتهاء حكم الـ(فِلانَجْي) الفاشستي الذي أُعلن بعده عودة حكم الملكية الدستورية للبلاد، فكانت المجلة تستهدف كل الحكومات، سواء كانت ذات ميول يسارية أو يمنية، وعلي أغلفتها ساوت المجلة في النقد الاذع بين رئيس الوزراء (خوسيه ماريا آثنار) ذو التوجهات اليمينية مع (خُوسِيه لويس ثَباتِيرو) الذي ينتمي إلي التيار الأشتراكي، وأنتقدت المجلة بقسوة سقطات جورج بوش، ورسمت الرئيس الفرنسي (نِيكولا سَارْكُوزي) وزوجته (كَارْلا بَرُونْو) عرايا علي غلافها، ورسمت رئيس الوزراء البريطاني (تُوني بلير) علي هيئة جرو صغير يتقافز فرحاً وراء الرئيس الأمريكي السائر نحو غزو العراق بحماس طفولي منقطع النظير!! النقد اللاذع والليئم للسياسيين هو ملخص تاريخ (إل خُوفِيس)!








بعد حلول الذكري الثلاثين لتأسيس المجلة لم ير المحررون بأن (إل خُوفِيس) قد بلغت عمراً ينبغي بعده أن تصدر بشكل أكثر وداً وبرصانة تناسب المرحلة فأختاروا أن يواصلوا المسير في طريق مشاكساتهم ومناوشاتهم للحكومة والمعارضة في أسبانيا والسياسيين في أوروبا والعالم، فوصلت دعاباتهم التي لا تحتمل إلي العائلة الملكية نفسها؛ وذلك عندما قام رساما الكاريكاتير (غِلّمْارو تُوريس) و (مَانِيل فانْتِدفيلا) بتصوير أبن الملك (خُوانْ كَارّلْوس)؛ الأمير (فِليبّي) ولى العهد وأمير أستورياس؛ وزوجته الأميرة (لِيتيزيا) وهما يمارسان الجنس علي غلاف المجلة الأكثر إنتشاراً في أسبانيا!
وآثار العدد ضجة كبيرة عند صدوره يوم 24 يوليو من العام 2007، وسارع القراء لإقتناء هذا العدد من المجلة، وسريعاً قامت السلطات بمصادرة ذلك العدد عن طريق الشرطة الأسبانية وتمشيط البلاد طولاً وعرضاً لإيقاف تداول هذا العدد، وحالاً تم إيقاف الموقع الإلكترونى، وفي يوم 13 نوفمبر من نفس العام تمت محاكمة رسامي الكاريكاتير الأثنين فأصدرت المحكمة عليها حكماً بعد أن وجدتهما مذنباً بتهمة إهانة التاج الملكي بالغرامة مبلغ 3000 يورو لكلاً منهما. الرسم الكاريكاتيري كان تعليقاً علي قرار الحكومة الأسبانية بمنح كل أسرة مبلغ 2500 يورو لكل مولود جديد لديها، وفي الرسم كان الأمير (فيليبي) يقول للأميرة  (لِيتيزيا أُورتيز):

 "إذا حملتِ فسوف يكون هذا هو العمل الوحيد الذي أنجح في القيام به طوال حياتي!"


مبلغ الغرامة الذي دفعه (غِلّمْارو تُوريس) و (مَانيل فانتدفيلا) يزيد قليلاً عن منحة الحكومة الأسبانية التي قررتها للمواليد الجدد، ولكن هذه الغرامة جعلت المسيرة للرسامين تُولد من جديد؛ فقد أصبحا أشهر رسامي المجلة الذين تسببوا في مصادرة عدد من أعداد مجلة (إل خُوفِيس)!

غلمارو توريس و مانيل فانتدفيلا 

في (إل خوفيس) يرفع طاقم التحرير شعار: بأن ... "لا أحد فوق النقد"، وعليه قاموا بتصوير البابا (بنِيديكْتوس السادس عشر) في عدة أغلفة لا تحصي، وبلغت هذه الأغلفة ذروتها أثناء دفاعه المستميت عن الفاتيكان إبان فضيحة تحرش القساوسة بالأطفال، ووضعت المجلة علي أغلفتها رسومات تنتقد بقسوة الحركات الأسلامية الراديكالية!




المجلة لم تراع أحد عنده توجيه سهام النقد، فهي لم تكترث لمشاعر محبي (مَايكل جَاكسون) عندما مات فرسموه علي غلاف المجلة وهو يقدم إثبات هويته لدخول الجنة، ولكن الإله إعترض علي دخوله بحجة أن الصور الموجودة في الهوية لا تشبه الوجه الذي أمامه! أنهم ينتقدون (مَايِكل جَاكسون) علي تغييره لون جلده وملامح وجهه عن طريق العمليات الجراحية، سخروا منه وأشبعوه تنكيتاً في صفحات المجلة كما إنتقد البعض (مَايكل جَاكسون) عندما غير لون بشرته في نهاية الثمانيات، وها هم يقتلونه تنكيتاً وتقريعاً ثانية، ولكن هذا المرة بعد موته. يا لهؤلاء الكتالونيين!!!


الطابع الأعم للمجلة هو النقد السياسة التي تحتل رُبع صفحات المجلة البالغ عددها الثمانين، والأسلوب الفني للرسومات يكون غالباً علي شكل الـ(كوميك ستريب)، ويكون موضوع الدكتاتورية والحكم البيروقراطي موضوع العدد ربع السنوي الخاص والذي يكون في حجم 120 صفحة. بعد السياسة يأتي موضوع الدين كثاني أحد أكثر المواضيع التي تتناولها المجلة بشكل راتب، وتخصص المجلة قسماً كبيراً من صفحاتها للرسومات المتعلقة بموضوع الجنس. وعلي هذا النسق نري بأن المجلة خرقت عن سبق الأصرار 
والترصد، وبعنف، التابوهات الثلاثة في الصحافة؛السياسة والدين والجنس





قبل أيام إختتمت المجلة 35 عاماً من الرسومات الكاريكاتيرية اللاذعة والمقالات الساخرة، وعلي ما يبدو بأن المجلة التي تضع (مهرجاً عارياً) كأيقونة لها لن تحيد عن خطها المشاكس، ويبدو بأن جماهير القراء يعشون الشغب الذي تعبئ به المجلة صفحاتها قبل أن تطلقه في الأسواق كل يوم خميس، فمبيعات المجلة المتصاعدة والتي وصلت مبيعاتها إلي ما يفوق الـ 130 مليون نسخة تدل علي عزم (خُوسيه لويس مَارتِن) وعصابته من الفنانين علي المضي حتي النهاية في إنتقاد الجميع، وفي خرق كل المحظورات والتسلل خلف الخطوط الحمراء!
Post a Comment