Sunday, December 25, 2011

توازن الدم - مذابح الجزائريين والأرمن



طلال الناير

تعجبت لتصريحات رئيس الوزراء التركي "رجب طيب أردوغان" التي وصف فيها المجازر التي أرتكبتها الأمبراطورية التركية العثمانية ضد الشعب الأرمني بـ"قناعات يجب أحترامها"، وتابعت إتهامه لفرنسا بإرتكاب مجازر مماثلة في الجزائر وطلبها بالصمت عن تركيا نظراً لـ(تاريخ فرنسا الأسود)، وذلك رداً منه علي قانون تجريم إنكار مذبحة الأرمن الذي سوف يدخل حيز التنفيذ بعد إقراره من قبل البرلمان الفرنسي.



 العديد من الوثائق والمصادر التاريخية تعضد الروايات التي ذكرت بالتفصيل مذابح الأرمن، وكذلك العديد من المثقفين والمستنيرين الأتراك يؤيدون هذه الوقائع التي يتفق الجميع تقريباً علي حدوثها، بما فيهم "أردوغان" نفسه الذي يقر ضمناً بحدوث المجازر ولكن يختلف مع الآخرين في تقدير عدد القتلي من الأرمن وأسباب وفاتهم، فالأتراك يقولون بأن الموتي هم 300 ألف أرمني (فقط) سقطوا بسبب البرد والجوع والمرض، والأرمن يقولون بأن مليون ونصف من أسلافهم قتلوا في العام 1915 أثناء حرب تركيا العثمانية مع روسيا القصيرية. أماكن المعارك كانت في مناطق جنوب القوقاز، ولسوء حظ الأرمن فإنهم سقطوا بين مطرقة العثمانيين وسندان الروس، فقد كانوا منقسمين بين الطرفين، فقسم من الأرمن كانوا يحاربون تحت راية القيصر الروسي، بينما أُجبر الأرمن في الجانب التركي علي التعاون بالقوة مع السلطان العثماني "محمد السادس" الذي تخوف من إنحياز أرمن تركيا إلي الروس، لذا قام بمواصلة حملات تقتيل الأرمن التي بدأت عام 1896، ولكن هذه المرة بوتيرة أعلي، خاصة بعد تمرد الشباب المثقفين من الأرمن وقيامهم بالعصيان المسلح وقتل الموظفيين الأتراك وتشكيل حكومة محلية مستقلة.




بإعتباره أميراً للمؤمنين؛ أعلن السلطان العثماني الجهاد على (الكفار ومن والاهم)! ويفهم ضمناً بأن الكفار هم الروس، وأن الأرمن هم من يوالون الروس! عليه؛ أصدر مجلس الوزراء التركي قراراً بترحيل الأرمن من منطقة الأناضول الشرقية بأتجاه سوريا والعراق خلال 24 ساعة فقط، وكان القرار ينص بأن كل من يخالف هذا الأمر ستطبق عليه عقوبة (الأعدام) فوراً! ولكن هذا القرار التعجيزي يمكن تبسيطه علي أنه أعلان إبادة جماعية بكل معني الكلمة! ومما يعزز أدلة أدانة تركيا هو تزامن مجازر الأرمن مع الترحيل القسري للآشوريين من سريان وكلدان، ولليونانيين الذين يتواجدون مع الأرمن في نفس المنطقة؛الأناضول الشرقية. أحد أهم المصادر التي تؤكد وقوع المجزرة هو التقرير المصور لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية يوم 17 أكتوبر 1915 وإحدي هذه الصور أدت إلي تطوير القانون الدولي الأنساني الذي أصبح القاعدة التي اُسس عليها إتفاقية جنيف المتعلقة بمعاملة المدنيين أثناء الحرب!






 





أنا شخصياً لدي قناعة تامة بصحة وقوع الهولوكوست التركي ضد الأرمن، فتاريخ تركيا الكونيالي في بلادي شاهد على بشاعة الحكم العثماني، فسجل الأتراك في السودان يشهد على قسوتهم ووحشيتهم، ولايزال حتي الآن يذكر السودانييون طريقة الأعدام على (الخازوق) التي تفنن الإستعمار التركي في إستخدامها ضد المواطنين. العثمانيون بدأوا عهدهم بمجازر ضد قبائل الجعليين والحسانية، أما حملة "الدفتردار بك" الإنتقامية عام 1821 فقد عاثت في الأرض فساداً وأوقعت تقتيلاً في الناس، فسارت قافلة الموت التركي علي طول شاطئ النيل ومضت غرباً حتي إقليم كردفان، ولم تقف الحملة الدموية إلا عندما واجهت الصحراء وعدم عثورها علي تجمعات من السودانيين حتي ترمي إنتقامها عليهم. مازالت حتي الآن أتذكر رويات جدتي عن قسوة الأتراك الذين أجبروا أسلافها علي الهروب من شمال السودان إلي كردفان خوفاً من إنتقام جنود الأمبراطورية العثمانية؛ (الباشبوزق) وقسوتهم التي لا تحتمل! ذكرت في مقال سابق  يتناول تاريخ الحكم العثماني في السودان:

"ويذكر الأستاذ/ السني بانقا في كتابه (أضواء على النظام القبلي في السودان) بأن المصريين والأتراك كانوا يجهلون طبيعة أهل السودان وغير مدركين حتى لماكينيزمات الاقتصاد المحلي الذي يمثل قمة هرم اهتماماتهم، فكانوا مثلاً يطالبون السكان بدفع الضرائب نقداً على عكس السكان المحليين الذين كانوا يفضلون نظام المقايضة والتعامل بالذرة والدمورية بدلاً من النقود وذلك لأن الريالات المتبادلة بين الناس كان قليلة ولا توجد أسواق كافية للبيع!! عندما لعب العثمانيون دور المستعمر البغيض بدلاً من الأخوة في الإسلام أبانوا للسودانيين أنهم حتى يفتقرون حتى لمعلومات أولية وأساسية عن البلد التي يحكمونها ناهيك عن امتلاكهم لفلسفة أو منهج واضح لإدارة البلاد. ولم يراع الغزاة الجدد روابط الإسلام الذي يدعي السلطان العثماني ووكلائه أنهم حماته، ولا تزال تلك الحقبة المظلمة محفورة في أذهان السودانيين بكل ماضيها الأليم، فبانت في بعض أمثالهم الشعبية، وأشهرها "زولين في تربة ولا ريال في طلبة" الذي ضُرب لتبيان شكوى السودانيين وكراهيتكم لحكم العثمانيين الذين قتلوا من الشعب الآلاف المؤلفة وأذلوا من بقي على قيد الحياة منهم وأجبروهم على دفع الضرائب، فضرب السودانيون المثل ليقولوا أنهم يفضلون الموت على هذا الحكم البغيض!"



رئيس الوزراء التركي "رجب طيب أردوغان" الذي قارن بين إبادة تركيا للأرمن مع إنتهاكات فرنسا في الجزائر وقتلها لمليون ونصف إنسان هناك؛ أي نفس عدد قتلي الأرمن علي يد الأتراك، واللبيب بالأشارة يفهم! أنا شخصياً أعتبر بأن فرنسا، مثلها مثل تركيا؛ دولة إستعمارية إرتكبت جرائم ضد الأنسانية ترفض الأعتراف بها، وهي ترفض المصالحة مع ماضيها الأستعماري القبيح! ما ضايقني من الموقف التركي هو عدم إبداء "رجب طيب أردوغان" أي ندم أو حتي تعاطف إنساني مع الـ 300 ألف أرمني الذين لقوا حتفهم. وهو يستخدم نفس التبرير الذي أستخدمه الرئيس السوداني للدفاع عن نفسه تجاه إتهامات المحكمة الجنائية الدولية بالقول أن القتلي في إقليم دارفور هم 9 ألف قتيل فقط وليس 600 ألف كما تذكر تقارير الأمم المتحدة!

الجنرال "ترولير" نظّم مذبحة جماعية لسكان مدينة الجزائر العاصمة عند الغزو الفرنسي للمستعمرة الأفريقية عام 1830. وتذكر العديد من الروايات أن الرائد "مونتانياك" قد أعترف بأنه أصدر قراراً بقطع رؤوس كل ذكر تجاوز عمره الخامسة عشر، ثم أنتقل "مونتانياك" لأستراتيجية جديدة هي القتل الجماعي بدون الألتفات للجنس أو العمر، فطريقة قطع الرؤوس أقل تكلفة وأسرع في التخلص من الجزائريين بدلاً من إيداعهم في السجون.


 

  


  


شخصياً أري بأن هجوم "أردوغان" علي فرنسا إنما هو أسلو ملتوٍ لتخفيف الضغط عن تركيا وهي طريقة مريضة في تبرير المذابح التي قام بها العثمانيون، فالجريمة تظل جريمة مهما أختلف عدد القتلي أو الطريقة التي ماتوا بها، وإستخدام "أردوغان" لإسلوب (توازن الدم) وطريقة (جرائمكم أكثر من جرائمنا) التي يهدف بها إلي إحراج فرنسا أري بأنه قد أوقع البينة والدليل علي إرتكاب الجرائم ضد الأرمن!
كان من الأجدي للرجل الذي نصب نفسه قائداً للحرية وأيقونة للأسلام المتمدن أن يأخذ المبادرة وأن يقدم إعتذاراً تاريخياً عن أحد أبشع الجرائم في تاريخ الأنسانية بدلاً من التواري وراء هذه المنطق الأعوج! لا أستطيع أن أكن الأحترام لرجل يصف "مجزرة" علي أنها "قناعات يجب إحترامها"، لا أحترم "أردوغان" البتة وهو الذي أعلن نفسه متصدياً لإسرائيل من أجل الإعتراف بجرائمها في فلسطين. ولكن الرجل ينسي أن يقوم بنفس الشئ في بلاده، فإن كان "أردوغان" ينكر مذابح الأرمن لعدم توفر دلائل تاريخية واضحة فينظر إلي قضية الأكراد وتهميشهم السياسي والثقافي والإجتماعي في تركيا، وليتذكر الرجل الأسلوب الأرهابي الذي أستخدمته تركيا في إختطاف "عبد الله أوجلان" من مدينة ممباسا في كينيا عام 1999 بمساعدة (الموساد) والـ(سي آي آيه)، فالحكومة التركية أستخدمت أساليب القراصنة وقطاع الطرق لإعتقال "أوجلان" زعيم حزب العمال الكردستاني  الذي يقود نضالاً مجيداً من أجل أسترداد حقوق الأكراد التاريخية في وطنهم الذي تحتله تركيا منذ العام 1923، وها هي تركيا أردوغان تتصدر الآن صفوف المدافعين عن حرية الشعوب والأستقلال والعدالة، فتأمل مثل هذا التناقض، ولكن هل يستقيم الظل والعود أعوج؟


Post a Comment