Wednesday, June 15, 2011

رسامو الكاريكاتير كانوا ذلك الجحيم

صورة (الآخر) من خلال التنميط الكاريكاتيري

رسامو الكاريكاتير كانوا ذلك الجحيم!!


طلال الناير*

كاريكاتير؟ من الروايات التي تؤرخ لبداية فن الكاريكاتير رواية تقول بأنه إنطلق غالباً من إيطاليا في فترة ما قبل عصر النهضة “Renaissance” التي كانت ما بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، وكان من المهارات الشائعة في تلك الفترة هي القدرة علي رسم اللوحات الجدارية علي الجدران أو أسقف المباني وهو ما عرف بفن الـ(فريسك)، وتلك المهارة الفنية كانت تتطلب مشاركة جماعية فى وضع رسومات أولية بالمقاس الفعلي علي ألواح من الورق السميك، وذلك العمل كان يتطلب جهداً جماعياً للوصول إلى رسم تقريبي يشابه العمل الفعلى المراد تنفيذه، وكانت تلك الرسومات تنفذ علي ألواح ورقية سميكة تسمي بـ"cartooni" والتى إشتقت لاحقاً منها الكلمة الإنجليزية "cartoon". كانت أغلبية تلك رسومات الـ(كارتوني) تتلف أو تُحرق بعد إنتفاء الحوجة إليها، ولكن من حسن الحظ بأنه تمت المحافظة علي بعض الرسومات الكاريكاتيرية الأصلية فوجدنا الرسومات التزينيية للفنان الإيطالي "رفائيل" الذي قام بها لـ"كنيسة سيستان" في الفاتيكان، وكذلك رسوم "ليوناردو دافنشي" التي إستخدمها كتصميم أولي لوحة "العذراء والطفل مع القديس جون المعمداني والقديسة آن".

لكن النقطة الحاسمة في تاريخ الكاريكاتير هي عندما أطلق الأمير ألبرت مسابقة فنية لرسم اللوحات الجدارية من أجل تعليقها في أروقة البرلمان البريطاني، وفي تلك المسابقة أرسل البعض رسومات كاريكاتيرية ساخرة ولاذعة جداً، وبعضها كان تافهاً للغاية، وهو ما دفع مجلة بانش "Punch" اللندنية (1841 – 2002) لنشر تلك الرسومات وكان ذلك الشئ حديث المجتمع البريطاني وتندره لفترة طويلة، ذلك العدد من أرشيف المجلة أصبح تاريخياً، حيث تغير بعده معنى كلمة "cartoon" من ورق إلى الرسوم الهزلية الساخرة، وهو الفن الذي نعرفه اليوم بأسم الـ"كاريكاتير" وهي كلمة محرفة في اللغة العربية من كلمة "caricature" أو "كاريكاتور" باللغة الفرنسية والتي تعني السخرية في تصوير ورسم الشخصيات، أو المبالغة بصورة عامة.

كما ذكرنا فإن بداية فن الكاريكاتير كان ممارسة جماعية عندما نشأ، وسمة الجماهيرية هي التى إتصف بها الكاريكاتير منذ بدايته حتي الآن، وهو فن مرتبط بالناس وحركة المجتمع وهو يعتبر من أكثر أنواع الفنون شعبية، ومن أسرع أساليب صناعة الرأي العام، فن يعتمد في بعض مدارسه علي صناعة صور نمطية، أو السخرية من صور نمطية مُفترضة للـ(آخر) أو تضخيم صور والتكريس لها.

الآخر؟ خلق الفيلسوف جان بول سارتر (معملاً وجودياً) في مسرحيته الشهيرة "جلسة سرية" التي كتبها عام 1944، وفي تلك المسرحية نجد الإقتباس الشهير (الآخرون هم الجحيم). طلب ثلاثة ممثلين من سارتر أن يكتب مسرحية يكون فيها جميع الممثلين متقاربين علي خشبة المسرح وحاضرين في كل مشاهدها طوال الوقت، وأن تكون درجة التعقيد في العلاقات متساوية بين الجميع، الشخصيات الثلاثة هي لرجل يتصف بالجبن وأمرأتين إحداهما سحاقية والأخري قاتلة، فنجد بأن (الجحيم) الذي يعيشون فيه هو صالون ذو زخارف إمبراطورية فرنسية، و نجد أن العذاب الذي يعانونه هو عذاب ذهني وليس جسدي، عذاب يعتمد علي النظرة للعلاقات البشرية التي إستمدها سارتر من هيجل الذي يصور العقول البشرية بأنها دوماً في حالة صراع دائم مع بعضها البعض. الخلاصة هي أن الجميع يريدون إجبار الآخرين علي النظر إليهم بالطريقة التى يريدونها، وليس النظر لحقيقتهم المجردة، فأي إنسان لديه نظرته التي يريد من الجميع المصادقة عليها، والآخرون يريدون نفس الشئ، المصادقة التامة، وتكون الخلاصة هي (صراع دائم) هو سمة العلاقات البشرية.

قامت بعض الرسومات الكاريكاتيرية بتدمير شخصيات عامة وإسقاط حكومات، الرئيس الأمريكي هاري ترومان كان يقول بأنه لا يخاف إلا من الموت ورسامي الكاريكاتير، أما ريتشارد نيكسون فقد كان يمتلك قائمة سوداء بأسماء أعدائه وكانت تضم فيها عدداً كبيراً من رسامي الكاريكاتير الذين خاض معهم صراعاً مريراً ومع الصحافة الأمريكية التى أسقطت نيكسون لاحقاً من رئاسة أقوي دولة في العالم! ساهمت بعض الرسومات الكاريكاتيرية بنجاح في إثبات زعم سارتر الذي يقول علي لسان شخصية الرجل الجبان "جرسان"، أنه ليس هناك أي حاجة لتلك الآلات الرهيبة والأهوال المفزعة المخصصة للتعذيب التي أبتكرها الإله من أجل الذين سيرسلهم إلي جهنم، فـ(الجحيم هو الآخرون)، رسامو الكاريكاتير كانوا ذلك الجحيم لأولئك الرؤساء، فهل يجب أن يكونوا دائماً هكذا بالنسبة لأناس آخرين؟

سأستعرض بإختصار التنميط الكاريكاتيري وأثره علي قبول (الآخر)، أو إفناءه، سواء كان هذا التنميط جندرياً أم العرقياً أم دينياً. إذا بدأنا بالتنميط الجندري فإننا نجد تكريس للعقلية الذكورية والتقليل من شأن المرأة خلال الرسومات الكاريكاتيرية، فيتم تصوير النساء، بوعي أو بدون وعي، كشخصيات ثانوية أو تابعة في الرسم الكاريكاتيري، فالرجل غالباً هو المبادر، وهو من يبتدئ الحوارات ويصنع الأحداث وتتبعه المرأة برد الفعل إما تأييداً أو إعتراضاً. هناك صور نمطية يتم الترويج لها عن المرأة السودانية منها أنها شخصية سادية تريد تعذيب الرجل وإستنزافه مادياً، فتصبح المرأة متلازمة مع ثقافة الإدمان الإستهلاكي. غالباً ما يتم السخرية من المرأة السودانية وتصويرها علي أنها دوماً تكون بدينة، مرأة قبيحة الوجه متجهمة الملامح، حادة الطباع وسليطة اللسان، فيقف الرجل المسكين عاجزاً أمامها!

أحياناً يقوم بعض فناني الكاريكاتير، بوعي منهم أو بدون وعي، بالمشاركة في حملات تنميط منهجي ومنظم يركز على التقليل من شأن (الآخر) المختلف عرقياً أو دينياً، فهناك صور عنصرية تتم صناعتها والترويج لها عن قوميات وأجناس محددة تجعل جميع المنتسبين لها يأخذون صفة معينة، وهو أسلوب غير علمي وغير منطقي كذلك. علي سبيل المثال يتم الترويج لصفات مثل (اليهودي الخسيس) و(الأمريكي الداعر) و (الجعلي الشجاع) و (الشايقي الشحيح)، و (الجنوبي السكران) وغيرها النعوت، صفات تطلق بإستهال وتصبح بمثابة الثوابت عند البعض. الشجاعة والجبن والبخل والغباء واللؤم صفات فردية يكتسبها الأفراد لإختلاف الصفات الشخصية ومستوي التعليم ونوعيته، وكذلك لإختلاف نمط الحياة الإجتماعية والظروف الإقتصادية، والتاريخ السايكولوجي للإنسان ما لا يمكن أن يتطابق كوقع الحافر مع الحافر مع إنسان آخر، فما بالك بإطلاق تعميمات مخلة وإصباغ نعوت ما لتشمل بأحكامها كل المنتسبين لقومية ما أو شعب ما أو دين ما.

قمت علي فترات متقطعة برصد نظرة رسامي الكاريكاتير للهوية السودانية وفكرتهم عن مسألة التعدد العرقي والثقافي والديني في السودان، فوجدت أن هناك صورة نمطية عن (السودان) عن بعض الرسامين يرجون لها، صورة تخالف الواقع الذي أعرفه وأراه وأعيشه، وهذا من وجهة نظرى الشخصية المتواضعة. غالباً ما يتم رسم صورة نمطية للسودانية بشخصية قسماتها ملامحها تبين أنها لسكان منطقة الوسط النيلي، فيتم رسم الشخصية السودانية "المفترضة" علي هيئة (رجل) غالباً، ذلك الرجل يرتدي جلباباً وعمامة. وفي تلك الصورة لا يقف الأمر فقط علي تجاهل وجود ملايين السودانيين الذين يقعون خارج هذا الوصف، بل يتعدي الأمر لمحاولة تغييرهم لمطابقة النموذج الإفتراضي للشخصية السودانية، وتحقير كل من يبدي مقاومة أو رفضاً لإدماجه في ذلك النموذج الإقصائى.

من أحد أكثر الرسومات الكاريكاتيرية التي شاهدتها إقصائية هو رسم يصور رجل ضئيل، ضئيل الحجم مقارنة بحجم الرسم، ذلك الرجل كان يهرول هارباً، وكان الرسم الكاريكاتيري يصور اللحظة ما قبل الأخيرة لسحق ذلك الرجل بواسطة قدم عملاقة هى (اللغة العربية)!! غالباً كان المقصود بذلك الرسم هم الجنوبيين وغير الناطقين للغة العربية بصفة عامة، من السهل تحسس العقلية التطهيرية التى يتمتع بها رسام الكاريكاتير الذي نشر الرسم، فهو يعمل ويجتهد لنشر أيدولوجيا الصحيفة المعروفة القائمة صراحة علي كراهية ومعاداة أصحاب الأصول غير العربية وثقافاتهم التى لم تر فيهم تلك الصحيفة ورسامها إلا ما يشبه (حشرات تستحق السحق)، كما أوحي لي الرسم الكاريكاتيري، أو ما أمكنني تفسيره. أيمكننا إعتبار هذا الرسم إثباتاً لوجهة نظر هيجل الذي يقول بأن أي عقل يبحث عن فناء وموت (الآخر) دائماً وفي جميع الأوقات؟

من الرسومات التي بُنيت فكرتها الأساسية علي نمطية الوصمة أو الـ(Stigma)، رسم نُشر قبيل الإستفتاء علي إستقلال جنوب السودان وكانت فكرة الرسم تعليقاً علي خبر مفاده إختصاراً منع حكومة جنوب السودان لتناول المشروبات الكحولية أثناء فترة الإقتراع، فقام الرسم الكاريكاتيري بتصوير شخص يقول ما معناه (أخيراً سيكون الجنوبيين في وعيهم وإدراكهم)، وهناك رسم آخر يصور قاعة لمركز إقتراع يدخلها ناخبون جنوبيين يفاضلون فيها ما بين خيارين لدولتهم الجديدة، خيارين لا ثالث لهما (إما خمر .. وإما بنقو)!! البعض لا يستطيع تفهم وضعية (المريسة) في بعض المجتمعات السودانية سواء في الشمال أو الجنوب، التى تعتبر بمثابة (غذاءً)، والبعض لا يريد تذكر أن بعض قبائل الشمال المسلمة خاصمت الإمام المهدي لأنه حرَم عليهم (التمباك)! إزدراء الثقافات الأخري التى تقع خارج تصنيف (الإسلاموعروبية) هو القاسم المشترك بين ما تم إستعراضه من أمثلة، فتتم السخرية من (الآخر) بطريقة مهينة ويتم في تلك الرسومات الكاريكاتيرية إحتقار عاداته وتقاليده التي تختلف مع من نفذوا تلك الرسومات، فهناك من لا يستطيع قبول مفهوم المواطنة الذي يفترض أنه يساوي بين الجميع بإختلاف إنتمائتهم العرقية والدينية والطبقية.

فن الكاريكاتير من أخطر الصنوف الإبداعية فهو يتقاطع مع العديد من المجالات ويستعير منها أدواتها فيقوم بعادة ترتيبها وتركيبها ليصنع آلة عالية الفعالية في صناعة الرأي العام، آلية قد تصل درجة فعاليتها لحد التدمير! كتبت الأديبة الإنجليزية ماري شيرلي واحدة من أشهر الروايات في التاريخ وهي "فرانكنشتاين" لتروي فيها مأساة فيكتور الطبيب السويسري والذي في العام 1797م بدأت حكايته برؤيته لأحبائه يتخطفهم الموت واحداً تلو الآخر بدءً من كلبه برونو وصولاً لوالدته التي ماتت بإحدى الأمراض المستعصية، فيكتور الذي تحدى إرادة الإله وكشف سر الخلق الدفين ولم يستمع لنصيحة أستاذه البروفيسور وودمان الذي قال له: (المعرفة ليست شراً، بل ما يفعله الإنسانوبفضوله القاتل ولا مسئوليته، خلق فيكتور وحشاً سُميَ مجازاً بـ"فرانكنشتاين"، فكيف يا سادتي يكون للمسوخ أسماءً؟ قام الوحش بتدمير حياة خالقه وأبيه الطبيب فيكتور"، كما قام بتدمير حياة سكان مدينة "أنشلغولت" الألمانية التي فر إليها فيكتور من مسقط رأسه في "فيينا".

رسام الكاريكاتير المدرك لقوة تأثير الكاريكاتير في يده إمكانية المساهمة الإيجابية في إصلاح العالم الذي نعيش فيه وجعله مكاناً أفضل، ورسام الكاريكاتير بيديه أن يكون عنصرياً لا مبالياً بما يرسم، رسام يتتخلي عن مسئولياته الأخلاقية لتكون لديه إمكانية كبيرة لخلق "فرانكنشتاين" آخر يدمر به حياة وثقافات الآخرين، فيجعل من نفسه وفنه جحيماً بالنسبة إليهم. الكاريكاتير كفن جماهيري ذو تأثير إجتماعي يمكنه أن يساهم في تعزيز قيم القبول بالآخر ورفع الوعي الشعبي وإعلاء قيم الديموقراطية والعدالة الإجتماعية، ويمكنه كذلك أن يكون وسيلة مدمرة وفعالة للترويج للعنصرية والرجعية وإحتقار الآخر، والفيصل في الأمر هو مدي إدراك رسام الكاريكاتير لمسئولية حمله للواء الفن، إنه الفن الذي إعتبره الأستاذ كارل ماركس الحركة الأخلاقية لزمانه.

Post a Comment