Sunday, April 24, 2011

حدود ما قبل التشظى ... السلطة مقابل البقاء


حدود ما قبل التشظى
السلطة مقابل البقاء




طلال الناير
12-1-2011


قبل أيام من تشظى الوطن الكبير، وفى خضم إنشغالنا بـ"هروب أخوة الوطن" بحياتهم و"حقهم فى تقرير المصير" نحو الجنوب، نسينا، أو تناسينا الكثير من الحقوق فى خضم معركة الحقوق، لقد نسينا أو تناسينا "حق الأرض" أثناء الجدال والحرب حول تثبيت حق السلطة والثروة بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية الذى تم تضعييه للحفاظ على "حق السلطة"، وذلك إذا تجاوزنا أن حق السلطة هو تفويضاً يمنح وليس حقاً ينتزع.


أثناء قتالنا كسودانيين لبعضنا البعض أضعنا أراضى السودان شبراً بعد شبر ومتراً بعد متر، أحياناً بالغفلة وكثيراً بالتغافل. هل تذكرون عدد الأهازيج والأغانى تم تأليفها لتمجيد الـ(مليون ميل مربع)؟ كل هذه الأهازيج ستنتهى فترة صلاحيتها قريباً جداً ولن تصبح صالحة للإستخدام إلا فى طقس ماسوشى نبكى فيه على ضياع الوطن الكبير.
فبعد إستفتاء التاسع من يناير 2011 ستتقلص مساحة الوطن وتنكمش ولن تبقى الدولة متماسكة إلا بمقدار قوة النار والبارود التى تستطيع السلطة ضخها نحو مواطنيها لمنعهم من الهروب من هذه المحرقة، حديد ونار لحماية مُلك لا تملكه الحكومة ولا تستحق حيازته ناهيك عن وهب أجزاء منه لآخرين، ألا وهو الوطن.


قبل إنفصال الجنوب كان "بديهياً" لدى السودانيين أن بلدهم هو مليون ميل مربع، ولكنه لم يكن كذلك ولن يكون، فقد إحتلت مصر لمثلث حلايب وكذلك إحتلت مثلث فرص، وإحتلت أثيوبيا أراضى الفشقة، وإحتلت كينيا لمثلث اليمى وسيطرة أفريقيا الوسطى على خور أم دافوق والجماهيرية الليبية على مثلث سارة، وتمددت يوغندا شمالاً لمطاردة جوزيف كونى ومليشيا جيش الرب مستبيحة الحدود السودانية فتدخل متى تشاء وتخرج متى تريد. إن خروج هذه الأراضى خارج شبكة الدولة سوف تجعل الوطن "بديهياً" أقل من مليون ميل مربع، وذلك بالطبع قبل إنفصال جنوب البلاد الوشيك.


منذ سيطرة مصر على مثلث حلايب أقامت 132 مستوطنة لتوطين البدو وخلق مجتمعات عمرانية لإستغلال ثروات المثلث الذى تبلغ مساحته 25,280 كليومتر مربع ويدخل حوالى 50 كيلو داخل عمق الدولة المصرية التى شرعت فى تمصير المنطقة فجعلت الجنيه المصرى هو العملة الرسمية وفرضت على السكان التعامل بالأوراق الثبوتية المصرية والتعامل مع قوات الأمن المصرية، وحتى فى الإنتخابات الرئاسية الأخيرة أسقطت مفوضية الإنتخابات السودانية سكان حلايب من قائمة الإنتخابات ولم يزر الرئيس البشير المنطقة ولم يتحدث عن الموضوع مطلقاً وهو المعروف بحبه للحديث والتصريحات النارية، الرئيس الذى نال شهرته من الرقص الحماسى وطلاقة اللسان تصل أحيانأ إلى حد اللؤم.


ظهر النزاع حول مثلث حلايب لأول مرة فى يناير1958 عندما أرسلت مصر مذكرة إعترضت فيها على مسودة قانون الإنتخابات الذى أصدره السودان فى 27 فبراير 1958 وأشارت إلى أن القانون محالف لإتفاقية (غالى – كرومر) الموقعة عام 1899 وذلك بشأن الحدود المشتركة فى المنطقة الواقعة شمال وادى حلفا والمنطقة المحيطة بحلايب وشلاتين على سواحل البحر الأحمر وتبعيتها للدوائر الإنتخابية السودانية وطالبت الدولة المصرية حينها بالحق فى إدارة كل المناطق شمال خط 22 درجة عرض وقد نست أنها قد قبلت بالوضع القائم قبل إستقلال السودان إستناداً على مبدأ التقادم وفعلية الحيازة، وكذلك إعتراف مصر الرسمى بحدود السودان عام 1956 بعد الإستقلال عن مصر وبريطانيا، وقدمت إعترافاً آخر بحدود حلايب وشلاتين وفرص داخل السودان فى مؤتمر الرؤساء الأفارقة عام 1964 والذى أوصى بالمحافظة على الحدود المتعارف عليها أثناء الأستعمار، وهذا مثبت بالوثائق السودانية والمصرية. ولكن يا ترى ما السبب الذى جعلت المثلث يأخذ وضعاً ضبابياً هذا فى ملف السيادة السودانية، ضبابية جعلت الحكومة المصرية تتجاوزت حاجز التراشق الإعلامى والتصريحات النارية والجعجعة لتقوم بالإنزال الميدانى والسيطرة على الوضع عسكرياً وهو ما قابلته محاولات دبلوماسية خجولة للتهدئة لم يعتدها الكثير من السودانيين.


إعتبر الكثيرون أن زيارة البشير للقاهرة فى عام 1999 ولقاءه مع الرئيس المصرى حسنى مبارك وإتفاقهما على تشكيل لجنة لدراسة أمر "التسوية" وخروجهما ببيان مشترك جعل من منطقة حلايب منطقة تكامل إقتصادى، وهو الشئ الذى زاد من ضبابية المشهد، فلا الزيارة جعلت المصريين يرفعون أيديهم عن حلايب وقطعت بسيادة السودان على المثلث، ولا هى أرست طريقة للحل السلمى والواضح للمشكلة، لا عبر التفاوض المباشر ولا عبر التحكيم الدولى كما حصل مع فى قضية جزر حنيش بين اليمن وأرتريا، ولا عبر القضاء الدولى الذى لجأ إليه السودانيون لتحديد مصير أبيبى.


هذا كله يرسم علامات إستفهام حول هلامية وليونة موقف الحكومة السودانية التى جعلت من مصر يوماً ما هدفاً للتدمير، فكان الطلاب وتلاميذ المدارس يغننون ويصرخون بأهزوجة "نحنا الطلبة" الشهيرة والتى فيها مقطع يقول (جات تعليمات ... نضرب دانات .. فى الأهرامات). ما الذى دفع بحكومة توعدت الدولة المصرية بالحرب إلى إتخاذ مثل هذا الموقف المتراخى من سيادة السودان ولماذا تراجعت هكذا؟


قال عمر البشير رئيس الجمهورية فى إحدى خطاباته بأن من أراد أن يأخذ شبراً من أرض السودان فعليه أن يلحس كوعه، وهذا دلالة على إستحالة هذا الأمر. ولكن الواقع يقول بأن المصريون نجحوا فى لحس كوعهم وإنتزعوا حلايب وشلاتين وفرص وهى تحتوى على الملايين من الأشبار، ولحس الأثيوبيون كوعهم وإنتزعوا الفشقة، ولحس الرئيس بوزيزيه كوعه وضم خور دافوق إلى دولة أفريقيا الوسطى، وفعلت مثلها ليبيا وكينيا. أنه الكوع الذى قال البشير لمعارضيه أن يلحسوه إن أرادوا إقتلاعه، فهل من (لاحسين)؟


وفى غياب وضوح الموقف الحكومى من هذه القضايا ظهرت العديد من التفسيرات التى تحاول إجلاء الغموض عن الموقف بهدوء عم الموقف وأحد هذه التفسيرات هو تصريح حسن الترابى - حليف الرئيس البشير السابق وشريكه فى الحكم – لقناة العربية الفضائية يوم 17 مارس 2006 والذى قال فيه أن الحكومة السودانية شاركت فى محاولة إغتيال حسنى مبارك فى أديس أبابا عام 1995، وأن النظام المصرى عرف ذلك وإستغل إنكشاف النظام دولياً ومحلياً بهذه الفضيحة وأكمل أنزالناً عسكرياً كان قد بدأه جزئياً عام 1992 فدانت السيطرة المصرية الكاملة على حلايب وشلاتين، وبهذا كانت هذه فرصة عظيمة سنحت لمصر بتحقيق مصلحة تاريخية فى السيطرة على المنطقة التى تحتوى على الحديد والذهب والحجر الجيرى والأسمنت.


ويعزز هذا التفسير تصريح للرئيس المصرى حسنى مبارك من خلال برنامج (كلمة للتاريخ) للإعلامى عماد أديب والذى نشرته صحيفة الشرق الأوسط اللندنية يوم 26 أبريل 2006، وهناك صرح مبارك بأنه رفض "تأديب" السودان عقب حادثة أديس أبابا!


وهنا يقفز سؤال: (لماذا رفض مبارك تأديب السودان؟)، وما هو الثمن الذى دفعته الحكومة السودانية مقابل تلافى العقوبة؟ يقول البعض بأن مصر أستأثرت بحلايب وشلاتين ومثلث فرص مقابل عدم تصعيد الأمر وأنها أغرت الحكومة ببعض المحفزات لأكمال صفقة تبادل المنفعة، ومن هذه المحفزات إتفاقية الحريات الأربعة والتى راجعت إشاعات حولها بأن بها بنود سرية تم بموجبها منح مصر الحوض النوبى والمياه الجوفية المنطقة وموافقة مصر على إمداد السودان بالسلاح فى صفقة تشمل طائرات ودبابات يحتاجها النظام فى الخرروج لقمع حركات التمرد المسلحة فى دارفور، ثم أخيراً موافقة الحكومة المصرية على بناء سد مروى.


إقامة سد مروى يعزز من هذه الإفتراض وذلك لمعلومية مصر أن سد مروى لن يسبب لها أى مشكلة لأن بحيرة السد ليست مصممة لتخزين المياه ولن ينقص من حصتها البالغة 55 مليار متر مكعب مضاف لها 4 مليار متر مكعب لا يستغلها السودان، بل أن السد سيحل لمصر معضلة ملوحة الأرض التى تسبب بها السد العالى. فعند تراكم الأطماء تخرج المياه من السد العالى محملة بأملاح مركزة تضر الأراضى الزراعية بمرور السنوات، ولكن بعد إنشاء سد مروى ستقل نسبة الملوحة الذاهبة إلى مصر لتوزعها داخل المياه السودانية وعندما تصل المياه لمصر تكون نسبة أضرار الأملاح أقل.

مصر حريصة على ألا تقل حصتها فى مياه النيل مهما جرى، فقد صرح وزير الخارجية المصرى أحمد أبو الغيط يوم 26 ديسمبر 2010 بأن مصر تبارك إستقلال جنوب السودان فى حال لم تتأثر حصتها من المياه وقال بأن الجنوب بعد الإستقلال يجب أن يأخذ حصته من مياه النيل من الدولة الأم (السودان). لقد حصلت الحكومة المصرية على حكومة سودانية مستأنسة ومطيعة أكثر مما كانت تريد.


فى العام 1988 نجد أن صحيفة "الميدان" قد نشرت نبأ فى صفحتها الأولى عن تقرير سرى أعده خبراء من الأمن القوى المصرى يقول أن مصر لا تقبل نظام حكم معادى لها فى السودان وإن إستدعى الأمر تدخلها عسكرياً لأن مياه النيل مسألة حية أو موت بالنسبة لها، وقد أعادت صحيفة "الشماسة" المستقلة نشر هذا التقرير فى العدد رقم (138) بتاريخ 33 يناير 1988.


موقف مصر التاريخى من رفض إنتقاص حصتها من مياه النيل معلن وثابت وهى قد هددت أثيوبيا بالحرب فى حال أثر بناء السدود فى حصتها من النيل، وسبق أن هددت مصر هددت كينيا فى ديسمبر2003 بالأمر نفسه، وإعتبرت القاهرة أن تنصل كينيا من معاهدة مياه النيل سيعتبر إعلان حرب.


فهل جعلت (الصفقة) بين الحكومة السودانية والمصرية السودان يتحول من دولة ممر إلى دولة مصب ليقف ضد مصالحه وبقية دول المنبع فى أهمية مراجعة إتفاقية مياه النيل التى أبرمت فى العهد الإستعمارى؟ إنها إتفاقية جعلت أثيوبيا التى تعطى 87% من مياه النيل دولة فقيرة وجافة وهى تأخذ نصيباً من النيل لا يتناسب مع حوجتها الفعلية ولا مساهمتها فى تغذية نهر النيل، فتعيش أراضى أثيوبيا فى جفاف وقحط ومن أرضها يخرج أكبر أنهار العالم!!


تبعاً لفرضية (الصفقة)، فقد تغاضت الحكومة السودانية عن إحتلال أراضى الفقشة وكانت تضغط بعلاقاتها مع أثيوبيا على أرتريا التى كانت تدعم قوات التجمع الوطنى الديمقراطى والحركة الشعبية و الآن تستضيف بعض حركات دارفور المسلحة، أرتريا التى تمسك بملفات سلام الشرق ودارفور. ونفس الشئ حصل مع ليبيا مكافأة لها على دورها فى التوسط مع حركات دارفور والتخفيف من عزلة البشير خصوصاً بعد ملاحقته بإتهامات محكمة الجنائية الدولية فكانت ليبيا من الدول القلائل التى كان البشير يستطيع زيارتها خوفاً من القبض عليه، وهنا تبدو لنا ميلودراما الوطن الكبير، فكما تقلص الوطن وضاعت حدوده بفعل غفلتنا تقلص العالم على الرئيس وضاق عليه فأصبحت الزيارات الخارجية المفاجأة والسريعة إنتصار سياسى يستحق التهليل والتكبير مع أن الرئيس من المفترض أن يمارس حقه السيادى فى السفر والتنقل بكل حرية، ولكنه حق يمارسه البشير بحذر وخوف جعله لا يستطيع السفر لدول صغيرة وهامشية التأثير فى القارة مثل أفريقيا الوسطى ويوغندا وزامبيا ناهيك عن المشى بفخر على البساط الأحمر فى دول الحل والربط. وللمفارقة، كما حول البشير السودان لسجن حبس فيه شعبه دارت الدوائر وأصبح السجان محشوراً فى زنزانة بحجم الوطن.


مع إفتراض صحة هذه الفرضيات فإنه يمكننا القول بأن الحكومة الإسلامية وضعت نظام مقايضة يمكن أن نسميه بـ(الأرض مقابل البقاء) وقد أستعرت التسمية من نظام (النفط مقابل الغذاء) الذى كان يأخذ نظام صدام حسين الذى فقد مصادر التمويل المباشرة نتيجة للحصار الدولة بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 وعدم قدرة النظام على بيع النفط مباشرة فأصبحت مقايضة النفط مقابل الغذاء هى إحدى وسيلة النظام العراقى للإستمرار فى الحكم فى مقابل العقوبات التى وقع واجب تحملها على ظهر الشعب العراقى. إحتذاءً بالحكومة العراقية فى التصرفات الرعناء، قامت حكومة الإنقاذ أيضاً بالحذو والهرولة بحماس نحو نظام (المقايضة) من أجل الإستمرار فى الحكم، لقد قايضت وضحت بالمتاح من أجل البقاء على الكرسى، من أجل بقاءها أعطت حتى ما يعتبر أمانة التفريط فيها خيانة، السودان وأراضيه.


جمال الدين الأفغانى عندما وجد نفسه ضد السلطان عبد الحميد فى أسطنبول وضد الشاه نصر الدين فى طهران وضد الخديوى توفيق فى القاهرة وصفهم بالخونة وقال معرفاً الخيانة: (لسنا نعنى بالخائن من يبيع بلاده ويسلمها للعدو بثمن بخس أو غير بخس، وكل ثمن تباع به البلاد بخس، إن خائن الوطن من يكون سبباً فى خطوة يخطوها العدو فى أرض الوطن، بل أن من يدع قدماً تستقر على تراب الوطن وهو قادر على زلزلتها ذلك هو الخائن، فى أى لباس ظهر وعلى أى وجه إنقلب، القادر على فكر يبديه أو تدبير يأتيه لتطيل حركات الأعداء ثم يقصر فهو الخائن).


قد يظن البعض أن عدم تعامل الحكومة بقوة مع هذه القضايا أنما لعدم رغبتها فى إستخدام القوة، ولكن هذا الأحتمال يدحضه تشدق الأنقاذ بقوة الآلة العسكرية والتى تجاوزت الأهازيج والخطب النارية لتدك على أرض الواقع مئات الآف القتلى ولتسحق بلا رحمة إستقرار وحياة الملايين، إنها قوة لم تفرق بين متظاهرين عزل أو جنود مسلحين، فأى تحرك صغير يتم الشك بأنه قد يضعف هيبة النظام ناهيك عن تغييره يتم سحقه بلا تردد، وفى سبيل السلطة فالتضحية بأى شئ تهون، حتى حدود وطناً على محك التشظى العظيم.

Post a Comment