Monday, October 11, 2010

صرخةُ الصمت



صرخةُ الصمت
الكاركاتيرست طلال الناير لـ(سديم): استفدت جداً من مقصّ الرقيب

قناعاتي السياسية وإيماني فيما أعتقد من أفكار كان مصدر إلهام وينبوع من الأفكار لا ينضب

أؤمن بالإنسانية ووحدة مصير البشرية أكثر من إيماني بالدول والحدود السياسية

أجد متعة طفولية في رسم شخصياً غير خاضعة لتفاصيل الجسم التشريحية


قفز طلال الناير، بأعماله الكاركاتيرية، إلى العالم! الأمر الذي يفرُمُ فرضيّة الأجيال وخبراتها فَرماً، ويؤكّد أن الخبرة تتعلّق، بصورةٍ كبيرةٍ، بانفتاح الذهن على العالم وتدقيقه في ما توصّل إليه؛ خبرةٌ ترتبط بالقراءة والاكتشاف. عَمِلَ طلال الناير كرسّام كاركاتير في الصحف السودانية، آخر هذه الصحف كانت صحيفة (أجراس الحريّة) حيث بَرَعَ في رسم الكارتون الخالي من التعليق الكِتَابيّ، ورغم ذلك فقد انتزعت الرقابة القبليّة، وقتها، عدداً من أعماله قبل النشر، كما أزعجت أعماله بعض قيادات الأحزاب السياسيّة. قدّم طلال لأطفال السودان أعمالاً مثيرةً عبر مجلّة (سمسمة) وأنطق رسمه من خلال شخصيّات (موج ولوج). نُشرت أعماله في بقاع العالم وتشابكت علاقاته مع عددٍ من رسّامي الكاركاتير عبر الانترنت. لقد استفاد طلال، استفادةً قصوى، من هذه المعرفة المبذولة على قارعة الفضاء، ورَفَع رأسه عالياً ليَشعُرَ بالعالم، ويتطوّر. مؤخراً، طلب منه رئيس تحرير مجلة African Writing أن ينتظم كرسّامٍ لصالح مجلّتهم، حول هذا التطوّر تحدثنا مع طلال، وحول قضايا أخرى متشابكة

.
حوار: مأمون التلب
يقول طلال: (قبل أيام، تلقيت رسالةً من تشوما إنوكولو، الكاتب النيجيري، ورئيس تحرير مجلة (أفريكان رايتنغ)، وهو محامٍ يعيش فى لندن، وله رواية بعنوان (Diaries of a Dead African) ونَشَرَ مجموعةً قصصيةً بعنوان (African Tales at Jailpoint) عام 1999م. في رسالته قدّم لي دعوةً لنشر أعمالي في مجلة (أفريكان راتيغ) مرفقةً بسيرتي الذاتية. لاحقاً، طلب مني التعاون معه في تحرير بعض أجزاء المجلة، والعمل فيها بانتظام كرسّام كاريكاتير؛ وكذلك طلب معاونتي في اختيار كتاباتٍ من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. مبدئياً، اتفقنا على الخطوط الرئيسية، ولكن لا تزال هنالك بعض التفاصيل التي سنتناقش فيها بشأن العمل ليصبح عملي معه في إطار التنفيذ.
ماذا عن حياتك مع الكاريكاتير في الخرطوم؟
لقد عَمِلتَ لفترة لصالح أجراس الحرية، ومُنعت بعض أعمالك من النشر، مالذي حدث في هذا الخصوص، ولماذا توقّفت عن النشر في الصحف السودانية؟.

بدأ عملي في الصحف قبل بضع سنوات، كانت بداية عادية جداً جداً إلى أن شاهدت رسومات الفنان السوري علي فرزات، وبعدها تواصلت مع الكاريكاتيرست الكوبي العظيم (أريستديس هيرنانيز غوييرو) والمعروف بلقب (آريس)، حينما شاهدت رسوماته وأفكاره شعرت بأنني أريد الاستفادة من تلك المدرسة الفنية المتميزة في محاولةٍ للوصول إلى مستواها.
قمت بمراسلة (آريس) والذي قدّم لي نصائحاً هامةً جداً من ناحية أسلوب الرسم، ومعالجة الأفكار للمواضيع. وقد أدخلني في تواصل مع بعض فناني الكاريكاتير الجُدُد فى كوبا من خلال شبكة مرسلات؛ مجموعة من الفنانين الشباب الذين كان يعمل معهم، ومن الفنانين المميزين الذين برزوا من خلال تلك الشبكة: زورداياس والفنان البرازيلي كيفال أرنستين، وجميعنا تقريباً في نفس السن. كان في الشبكة رسامون لاتينيون آخرون، وكنا نتبادل من خلالها الرسومات والخبرات. من خلال تلك الشبكة كانت نواة صداقاتي العديدة بفناني الكاريكاتير من حول العالم، واللاتينيين على وجه الخصوص، وفي تلك الفترة تبلورت شخصية فنان الكاريكاتير الحالية، وأعتبر بأن بدايتي الحقيقة كانت في تلك الفترة.

بالنسبة للصحف السودانية؛ فقد كانت فترة عملي بها سانحة كبيرة مكنتني من الالتقاء بالعديد من الشخصيات الممتازة في شتى المجالات، وخَلَقَت لي منبراً لإيصال آرائي السياسية، وتقديم نفسي للقراء بصورة متواصلة. فترة عملي في أجراس الحرية كانت صاخبة ومميزة رغم قصرها؛ فقد وجدت نفسي أمام العديد من التحديات وظروف العمل التي لم أواجهها من قبل. مثلاً، وجدت نفسي مضطراً للعمل طوال عامين تحت مقص الرقيب! وساهم وضع الصحيفة الخاص، ومشروعها السياسي، في تعقيد الوضع بالنسبة إلي؛ لقد كانت الأوضاع صعبة جداً عليّ في البداية، لاحقاً بدأت أعتاد على مسألة وجود الرقابة، ومن خلال استمراري في العمل خلقت طرقي الخاصة بالتحايل على الرقيب. أفادنى جداً أسلوب الرسم بدون تعليق في ذلك الوضع الصعب. قابلت بعض المشاكل أثناء العمل بصحيفة أجراس الحرية، ولكن بوجود بعض الشخصيات التي أعتز بصداقتها خفّ أثرُ بعض الضغوط، ولولا وجود شخصيات مميزة مثل علي حاج الأمين ولؤي قُور وأبوبكر المجذوب والدكتور محمد جلال هاشم وآخرين لكان الوضع أصعب بكثير.


هل نستطيع أن نقول أن الرقابة طوّرت أسلوبك الصامت/ الصارخ؟
نعم، استفدت جداً من الرقابة، استفدت جداً جداً، لأنني وجدت في كل رسمٍ تحدٍ جديد يتطلب منك توصيل فكرتك دون أن يطالها مقصّ الرقيب، والتحدي المضاعف أن تكون الرسومات بلا تعليق. لقد كانت فترة العمل تحت مقص الرقابة مليئة بالتوتر والضغط النفسي، ولكن (مَكنَكَة العمل) أفادتني جداً، وأعني بـ(مكنكة العمل) الطريقة التي أخلق بها أفكاراً للرسم فى كافة المواضيع وباستمرار؛ هذه الطريقة مكنتني من الرسم دون انقطاع، وانتاج أعمالٍ بغزارة بغض النظر عن الحالة المزاجية؛ أرسم في الصحف السودانية وخارج السودان وأرسم في مجلات الأطفال وأراسل المسابقات الدولية بأعمالي، وهي، جميعها، مجالات تختلف عن بعضها، وطبيعة الأعمال فيها مختلفة. بهذه الطريقة أحاول الحفاظ على مستوى متقارب ومقبول للأعمال

وما الذي تعنيه، بعد هذه التجربة العابرة للحدود، كلمة (فن الكاركاتير) بالنسبة إليك؟ وما هي الفروقات ما بينها وما بين فهمك القديم لهذا الفن؟.
حالياً أعمل مع مجموعة صحافة في هولندا، ونشرت أعمالي فى بعض الإصدارات خارج السودان: في البرازيل، أذربيجان، ألمانيا، صربيا، البرتغال وغيرها.. وأصبح تواصلى مع العالم الخارجي من خلال الكاريكاتير ممارسة يومية، إنها حقاً تجربة مثيرة. من خلال هذا الفن وجدت نفسي مثل المواطن العالمي؛ أتجول بين الأنحاء بفني، وأرى الدنيا بعيونٍ أخرى. تجربتى الكاريكاتيرية خارج السودان لم تطور مستواى كفنان فقط؛ بل ساهمت في تطويري كإنسان من الداخل، وساهمت في تغيير نظرتي لكل البشر من حولي، هذه المشاركة جعلتني جزءً من حركة تطور الكاريكاتير العالمي بكل تفاعلاتها. الإنترنت كَسَرَ العزلة بين البشر، وأصبح الجميع يتحاورون ويصلون لأفكارٍ ومشاريع مشتركة بكل سهولة. يكتشف العالم كل يوم ميلاد تجربة كاريكاتيرية جديدة، وكذلك يراقب تجارب كاريكاتيرية تندثر لأنها لم تستطع التطور؛ أصبحت المنافسة كونية، وسقف المنافسة فضاء مفتوح، ولا حدود له، والبقاء للأصلح. سابقاً كان فهمي للكاريكاتير غير ناضج، ومع الزمن بدأت أدرك أبعاداً جديدة في هذا الفن، وبدأت أتلمس أشياء جديدة لم أكن لأعرفها إن واصلت في عزلتي


لماذا، في رأيك، يغلب الخطاب السياسي (السائد) على رسم الكاركاتير في السودان إن وافقتني على فكرتي هذه؟ أي أنني ألاحظ الوئام السائد بين المعارضة، مثلاً، ورسم الكاركاتير، كأن الرسم يعبّر عن وجهة نظرٍ سياسية قيلت أصلاً، وجهة نظرٍ ربما ألغت فرادة نظرة الفنان للواقع السياسي؟.
طبيعة الفن الكاريكاتيري النقدية الساخرة تجعله فناً لاذعاً، يقدم نقداً وانتقاداً قد يوافق أراء البعض كما يعارض أراء آخرين؛ وهنا على الكاريكاتيرست أن يحدد: هل يقدم آراءه للتعبير عن نفسه وقضايا الناس؟ أم هو أداة في أيدي السياسيين؟.
ليس كل من رَسَم الكاريكاتير ناشط سياسي، أو له أهداف سامية يريد تحقيقها من خلال رسوماته، ليس شرطاً، فالبعض يرسم من أجل الشهرة، والبعض يرسم من أجل الكسب الماديّ، والبعض يَهِبُ موهبته لمن يدفع أكثر، والبعض يرسم من أجل التسلية فقط. وهذه النماذج موجودة في كل الأوساط الإبداعية المختلفة سواء كانت فى حقل الفن التشكيلي، الصحافة، الغناء، الرياضة وخلافه.
تتوافق المعارضة والحكومة، كلاهما، مع نوعية رسامي الكاريكاتير الذين يتشابهون معهم فى الأطروحات ويخدمون خطهم السياسي؛ للحكومة رسامين الكاريكاتير الذين يروجون لمشاريعها وأطروحاتها، والمعارضة كذلك.

عندما أرادات الولايات المتحدة الأمريكية غزو العراق استعانت بترسانة من رسامي الكاريكاتير بحملةٍ للترويج للغزو المرتقب. قام فنانون، مثل بروس بلانت، ستيف ساك، ميخائيل راميرز، روبيرت إيرال، غوركي ترينيداد وغاري ماركيشتاين وآخرين بدورٍ، أعتبره (لا أخلاقي)، من أجل دفع رجل الشارع الأمريكي لقبول خيار الحرب، وبعد أن وقعت قامت الجماعة السابقة الذكر بتبرير الحرب والغزو واستمرار الإحتلال الأمريكي للعراق.
هذا نموذج لرسامي كاريكاتير، يوجد لدينا نموذج آخر؛ فنان الكاريكاتير النزيه والملتزم بقضاياه؛ وأشهر هذه النماذج هو الفنان الفسلطينى ناجي العلي. للأسف هنالك بعض الزملاء السودانيين من يروج لأفكار عنصرية، أو يعمل لتلميع وجه السلطة وخداع الجماهير من خلال الأعمال الكاريكاتيرية، وهناك أيضاً الزملاء الذين يقدمون أعمالاً تخدم قضايا شعبنا العادلة وتعبر عنها. لذا فكل فنان حرّ فى اختياراته ومسئوليته عنها.

ما هي مصادرك في القراءة؟ أعني ما كُتِبَ عن الكاركاتير من ناحية، وما يُلهمك التفكير الفني وطريقة عمله؟ أعني الكتابة، فأنت كاتب أيضاً.
لا أعتبر نفسي كاتباً، فأنا أكتب بعض المقالات السياسية من حين لآخر، وأكتب بعض القصص القصيرة والشعر الركيك الذي لا أعرضه على أحد. الكتابة ميدانٌ شائك، وصعب، ويحتاج لتخصصية وقدرات خاصة وقدراتي لا تؤهلني للكتابة بطريقة احترافية ولفترات طويلة. بالنسبة للكاريكاتير فإنني أحاول تتبع تاريخه وتطوره. قبل فترة قمت بالبحث عن الأعمال الكاريكاتيرية القديمة، محاولاً مقارنتها بنظيرتها الحالية، ووجدت الكثير المفيد في ذلك. مثلاً قمت بمحاولة تتبع تطور الكاريكاتير البريطاني، وبدأت في البحث عن المجلات البريطانية الكاريكاتيرية القديمة، ومنها مجلة (بانش) التي اقتبست منها الصحف السودانية القديمة بعض الرسومات. ومن خلال تاريخ مجلة (بانش) وجدت تاريخ العالم محفوظاً في خطوط كاريكاتيرية بديعة؛ وجدت رسم كاريكاتيري يمثل سقوط الخرطوم عام 1885م، وفيها الدراويش يقتحمون سرايا غردون وعلى جانب الرسم توجد الإمبراطورية البريطانية تنتحب بحسرةٍ على مقتل غردون.
وجدت في ذات المجلة رسم كاريكاتيري للمستشار الألماني فوون بسمارك وهو ينزل من على سطح مركبة بحرية في إشارةٍ إلى نزوله من على سدة الحكم. ذات الرسم اكتشفت بأنه موجود على كتاب التاريخ الأوروبي للمرحلة الثانوية السودانية! وطبعاً دون الإشارة لمصدر الرسم.
بعض الرسومات الكاريكاتيرية تُجمِّد الحدث التاريخي في عملٍ فنيٍّ يعبر عن واقعه الزماني والمكاني بصدق. أنا أحب قراءاة التاريخ وكذلك الروايات؛ خصوصاً لألدوس هيكسلي الذي أحبه جداً؛ أحب قراءاة الكتب السياسية بقدر ما أستطيع، وأعتبر بأن قراءتي للكتب السياسية ساهمت في مسيرتي الفنية بطريقة كبيرة، فالقراءة منحتني ذخيرة دائمة من الأفكار وهي ترفع من الحس السياسي للفنان وتعطيه قدرة أفضل على تحليل الواقع، وهو ما سينعكس بالتالي على المستوى الفني للأعمال الكاريكاتيرية. قناعاتي السياسية وإيماني فيما أعتقد من أفكار كان مصدر إلهام وينبوع من الأفكار لا ينضب.


إذاً، توسّعت نظرتك لرسم الكاركاتير ليخاطب العالم حتّى وإن رسمته متَذَكِّراً، ومُستَلهِمَاً، واقعاً سودانيّاً آنياً. كيف استطعت أن أن تعبّر عن المأساة، أو الملهاة، أو المفارقة، عالمياً وكأن الذي يحدث في العالم متشابهٌ في جذوره ومختلفٌ في شكل أشجاره؟.
كل القضايا في العالم مترابطة؛ الأزمات السياسية والاقتصادية في إفريقيا تؤثر على أوروبا بالهجرة السرية واللاجئين السياسيين؛ زحف الرمال في الصحراء الإفريقية يجعل العواصف الرملية تضرب اليونان، أزمة اقتصادية سببها العقارات في أمريكا تخرج من بلدها لتهزّ كل العالم، وجود أزمة داخلية في بلدٍ يؤثر على السلم الأقليمي والدولي أيضاً -دارفور على سبيل المثال - لذلك لا يمكنك الإنعزال من العالم وتقول (هذه بلادي.. وهذه شئوني).
في الكثير من الأحيان كنتُ أقوم بإرسال أعمالي التي أنشرها في الصحف السودانية لمواقع أخرى، دون أن يحس المتلقي الأجنبي بأن هذا الكاريكاتير رُسم لأجل حدثٍ معينٍ فى السودان؛ أول جائزة أفوز بها كانت بكاريكاتير نُشِرَ في أجراس الحرية وطالعه البعض كأي كاريكاتير عادي. معظم أعمالي التي تنشرها لي المجلات خارج السودان هي أعمال لقضايانا المحلية.
عندما كانت قضية لبنى أحمد الحسين في أوجّها؛ قمت برسم عمل كاريكاتيري بعنوان (الموناليزا المنقبة).. هذا العمل لم يلتفت له الكثيرون من القراء في السودان، وقد نشر هذا العمل في مجلة (دون كيشوت) الألمانية ومجلة زيكيسون الصربية، ونال في أحد المواقع الألمانية استحسان الكثير وهو من أحد أكثر الأعمال مشاهدة حتى الآن بذلك الموقع. لذلك لا توجد عندي الحواجز التي يخلقها البعض من العدم؛ عندما ظهرنا في هذا العالم كبشر لم يكن هناك حدود، كنا كلنا بشر، إنني أؤمن بالإنسانية ووحدة مصير البشرية أكثر من إيماني بالدول والحدود السياسية.

حدثني عن هذه الجائزة، وعن جوائز أخرى إن وُجدت؟.
الجائزة التي أعنيها هي جائزة من مسابقة دولية بأذربيجان؛ فزت في هذه المسابقة مرتين على التوالي، وفي هذه الدورة تشرفت بدعوة منظمي المسابقة لأكون عضواً ضمن لجنة التحكيم الدولية لهذه الدورة. وهي بعنوان (مسابقة ملا نصر الدين الدولية للكاريكاتير). فزت بجائزة أخرى في رومانيا، وجائزة محلية عن مسابقة سامي الحاج. اختيرت لي العديد من الأعمال في كتالوجات المسابقات والمعارض الدولية، والتي تنشر أفضل الأعمال غير الفائزة ويتم اختيارها من خلال لجان التحكيم.

كيف حدث الأسلوب؛ الشخصيات التي ترسمها كيف تعيش معها، علاقتك بها، كيف حدث أسلوبك؟.
طريقة رسم الوجوه عندي تأثرت في البداية ببعض وجوه رسومات بيكاسو؛ ولكنني لم أستطع تطوير الوجوه حتّى أصل إلى الشكل الذي أريده، لذلك ظللت أغير في أشكال رسوماتي إلى أن بدأت في رسم القصص الساخرة للأطفال. في تلك الفترة وجدت الطريقة الملائمة للموائمة بين وجوه بيكاسو التي أحبها و(المبالغة الكاريكاتيرية) التي أريدها. لاحقاً، ولزيادة المبالغة، قمت بتخليق شخصيات بمواصفات تلائم أفكاري؛ شخصيات بلا مفاصل لتسهيل الحركة غير المألوفة، وجوه بالغة الاستطالة بها أفواه قابلة للحركة في كل الاتجاهات، أجسادٌ ضخمةٌ لأبعد الحدود لا تتناسب مع الأقدام التي تشبه، في حجمها وشكلها، أقدام الدواجن. وظيفة اليد في رسوماتي ثانوية، ولا أحتاج إليها كثيراً، قد تجد الأنف أكبر من كفّ اليد، وقد تجد قدم إنسانٍ أصغر من إحدى أسنانه. أجد متعة طفولية في رسم شخصياً غير خاضعة لتفاصيل الجسم التشريحية، وهي شخصيات تُعَبِّر عن أفكارٍ حرةٍ أيضاً غير ملزلمة ببقية المسلمات والبديهات. أعتقد بأن تجربة (أن تكون خالق لشيء ما) تجربة مثيرة وجديرة بأن يجربها كل إنسان. إنك تخلق في هذا الشيء الـ(ما) شخصيات عبثية مشوهة الأجسام لتوصيف عبثية العالم الذي تعيش فيه. شخصياتى تتطور؛ الكائنات التي شاركت في تمثيل أفكاري الآن لم تتشابه في ملامحها مع الكائنات المرسومة بعد عام؛ إنه التطور الدروايني

نُشرت المقابلة فى 31 مارس 2010 بصحيفة الأخبار السودانية
Post a Comment