Saturday, October 16, 2010

مذكرات رسام مغمور


مذكرات رسام مغمور!

طلال الناير

"تباً! لا أستطيع التركيز، لقد شربت من القهوة ما يكفى لإحياء فيل متحجر". قال الرسام فى سره، ثم أطرق برأسه وتأمل فراغ الورقة البيضاء على مكتبه الخشبى، رفع رأسه ببطء نحو ساعة الحائط فوجد عقاربها تتسارع كمؤشر بوصلة يراوغها مغناطيس. غرز الرسام أصابعه الطويلة فى وسط شعره الكثيف وبتوتر بدأ يحك رأسه بإبهامه الأيمن. راح دماغه يعمل كآلة عرض سينمائي محشوة بفيلم مهترء، أحياناً تعمل بسرعة وسلاسة وأحياناً تُصدر أصواتاً تهتز مضطربة عند مرور المؤشر على الندوب التى تعلو شريط الفيلم القديم ذو اللون البنى، تعلو الأصوات حيناً وتنحفض حيناً بغير إنتظام، مثل موجة تائهة تكسرت على صخرة مدببة.

إستعرض الرسام اللقطات التى إقترحتها آلته السينمائية. أنه يريد أن يقدم رسماً كاريكاتيرياً من أجل الصحيفة وأفكاره قد نضبت لهذا اليوم، بدأت اللقطات تمر من أمام عينيه بسرعة لم يتبين إلا ظلال بنية اللون لتاريخ أشباح أفكار مرت أمام عينيه من قبل. بدأت شريط اللقطات يتباطأ وبانت بعض الصور المهتزة، ولكن فجأة وقف دوران الشريط الذى داس عليه رئيس التحرير بمقاطعته له للمرة الخامسة ومطالبته مجدداً بالرسم الكاريكاتيرى، فالآن الساعة التاسعة والنصف مساء ويجب تصميم الصحيفة ثم عرضها للرقابة لإجازتها للطبع قبل حلول العاشرة مساء . الرسام عانى من هذا الأمر كثيراً، كم أرهقه نضوب الأفكار وعدم إستطاعته التركيز والرسم مع حركة زملائه بالصحيفة، يربكه كثيراً إنفعال رئيس التحرير الدائم الذى يحاول التأقلم معه، ولكن فى ذلك اليوم أحس بأن رئيس التحرير، بطريقة ما، يذكره بمراقب الإمتحانات فى المرحلة الثانوية والذى يجد بأن أفضل موقع للمراقبة هو خلف الظهر مباشرة!

أومأ الرسام لرئيسه بالإيجاب وأطرق برأسه نحو الصحف القابعة على المنضدة. نظر الرسام لعناوين الأخبار فى محاولة أخيرة لإيجاد فكرة للرسم يمكن أن يبنى عليها نكتة، هكذا علمه رئيس التحرير منذ اليوم الأول، يجب ألا يرسم أفكاره الخاصة فالقراء يريدون نكاتاً مرسومة وليس مقالات مرسومة. قال له بأن الصحيفة تدفع للرسام أجراً كى يرسم لها ما تحب وليس ليرسم قناعاته الشخصية. تذكر اليوم الذى قدم فيه رسماً عن قضية التعذيب وتذكرمحاولته المتهورة والمستميتة للجدال مع رئيس تحرير الصحيفة الموالية للنظام، رئيس التحرير رفض الكاريكاتير جملة وتفصيلاً وكاد أن يمزق الرسم نفسه، جادل الرسام المغمور وقدم مرافعة لا بأس بها عن التحول الديموقراطي التى ينادى به الزعيم فى متن كل خطاب، حدث رئيس التحرير عن حقوق الإنسان والمبادئ والقيم، والضمير، هنا أوقفه رئيس التحرير بعصبية: "ضمير؟ لا يوجد شئ أسمه ضمير، الضمير إختراع بشرى، كما قال هتلر"، إنتهره رئيس التحرير بشدة وقال له أن يترك التفلسف وأن يرسم عن إرتفاع أسعار الطماطم!

"إستخرج النكتة من أحشاء المأساة" هذه كانت النصيحة الذهبية التى قدمها رئيس التحرير للرسام المبتدئ، ولكن عناوين الأخبار لا تساعد على خلق أى نكتة، لم يجد الرسام شئ من السخرية فى مقتل مدنيين عُزل فى إشتباك مسلح بين الجيش ومسلحين، ولا يمكنه التملق للنظام بإنكار المجاعة التى يعترف بها رئيس التحرير ولكنه يسميها تحبباً بـ"فجوة غذائية". الرسام يومها تذكر ميشيل فوكو الذى تمنى عندما كان صبياً أن يتحول إلى سمكة ذهبية، فوكو الذى قال: (لا تسألنى من أنا ولا تطالبنى بالبقاء على ما أنا عليه). سأل الرسام المغمور نفسه كثيراً: (من أنا؟ لماذا أرسم؟ كيف أرسم؟ لمن أرسم).

زملائه الأقدم فى العمل أجابوا عن أسئلته الوجودية الجديدة بإجاباتهم القديمة، فهم الخبراء والخبرة كما يقول آلدوس هيكسلى: "ليست الشئ الذى حدث معك ولكنها ما ستفعله إذا حصل هذا الشئ معك". ولتسهيل الأمر عليه نصحوه بالمزيد من المرح وروح الدعابة فى الرسومات، فهى خارطة طريق الفنان نجم الشباك. تعجب أحدهم من لقب (فنان) الذى ينادون به هذا الرسام المبتدئ، وذلك فقط لأنهم لا يعرفون أسمه بعد، تعجب الصحفى من الفنان لا يعرف فن العلاقات العامة مع مرؤسيه! وحلاً لمعضلة مواضيع الرسم نصحه ذو الخبرة أن ينتقد الدول الأجنبية بقسوة كما يريد، فهذا يجعل رئيس التحرير والنظام فى حالة رضا عنه، فما أجمل الأخطاء عندما تٌعلق على الشماعة الأمريكية. ولكن الرسام وجد أنه من غير المنطقى أن يُحمل مسئولية كل شئ للدول الأجنبية، ليس دائماً، فبإمكانه أن يصور قادة المعارضة السياسية فى هيئة خونة للوطن وإنتهازيين بلا ضمير وعملاء للغرب الكافر، وفى إستطاعته أن يسخر منهم وأن يتلاعب بهيئتهم كما يريد وأن يحملهم كل مشاكل البلاد نسبة لتواطؤهم الصريح، كما يكتب رئيس التحرير، مع أعداء الوطن والذى هو الزعيم، لا فرق بينهما. بسهولة يمكنه أن يرمى علي المعارضين مسئولة كل ما يحدث فى البلاد بدءً من الفشل السياسي وإنتهاء بفشل منتخب الكريكيت فى بنغلاديش. ولكن، وللآسف، هو لا يستطيع التخلى عن ذلك الإختراع الإنسانى الذى يسمى بـ"الضمير". لام الرسام حظه العاثر الذى رماه للعمل فى هذه الصحيفة، حظه الذى أنبت الضمير فى قلبه.

بدأ شريط الأفكار بنى اللون فى الدوران ودخلت الآلة السينمائية فى حالة من الإهتزاز مجدداً، وبدأت أشباح الأفكار فى التراقص أمام عينى الرسام بسرعة مجدداً. هذه المرة قرر أن يجرب طريقة إستبعاد الأفكار التى نفذها من قبل والعمل على المتبقى بعد الفرز، ولكنه إكتشف هذه الإستراتيجية غير مفيدة الآن وضيق الوقت لا يساعده فى إنجاح هذه المحاولة. تذكر نصيحة زميله فى العمل وفكرته الجهنمية، قال له زميله بأن هناك كنز ملقى على قارعة الإسفير يسمى بـ(الإنترنت) به كل شئ ومجاناً، وفيه يمكن التنقيب عن رسومات قديمة لفنانين أجانب وإعادة إنتاجها مرة أخرى، أو رسمها كما هى إن لم يجد وقتاً لذلك، فهى طريقة سهلة وسريعة وناجعة، "وما أجمل الخمور العتيقة عندما تُعبأ فى قوارير جديدة".

إهتز مؤشر (الضميروميتر) لدي الرسام بشدة، وإرتجف عندما تذكر فضيحة الكاتب المخضرم الذى إنهارت سمعته بعد القبض عليه متلبساً بالسرقة الأدبية لأعمال أدباء آخرين، وعندما سقط الكاتب اللص من فوق برجه العاجى كال له النقاد والقراء و الصحفيون من التقريع ما لم يحتمله وكانت أقسى الإنتقادات فى الصحف والمنتديات تأتيه من أحد أكبر متملقيه والذى عندما إلتقى بالكاتب العجوز ذات مرة نظر إليه بإحتقار وسبه، فأطرق الكاتب برأسه خجلاً وقال فى سره متحسراً: "حتى أنت يا بروتس!". الفنان المغمور فكر فى قصة الرسام العجوز وقلب فى عقله معادلة الربح والخسارة، فهنا الكثير من الخسائر الفادحة التى سيتكبدها مقابل مكسب ضئيل وعواقب غير مضمونة، وهو لا يريد تكرار تاريخ الرسام العجوز، فالتاريخ لا يعيد نفسه مرتين، وإن أعادها إما أن تكون مأساة أو ملهاة، لكن الغبى هو وحده من يعيد نفس الخطأ مرتين!

الوقت يمر بسرعة ولابد من حلٍ ما، هذا هو الأسبوع الأول للفنان المغمور فى الصحيفة وهو يسعى جاهداً لإثبات كفاءته ونيل رضا رئيس التحرير وثقته، وهذه هى الصحيفة الأولى التى يعمل بها ويجب أن تكون بدايته قوية. عقارب الساعة الثلاثة تراصت فى صف واحد بالقرب من الرقم عشرة، كم جميلة هى عقارب الساعة عندما تتعانق بحميمة بالقرب من ذلك الرقم السحرى. إفتراق عقارب الساعة مجدداً صنع شكلاً أشبه ما يكون بسيف مبارزة يسبح فى الهواء، لكلأنه ينوي قتل شئ ما، ولكن يا ترى من القاتل ومن المقتول؟ أيمكن أن يكون وليم فوكنر محقاً؟ هل الساعات هى التى تقتل الزمن؟ هل الوقت ميت طالما تلك العجلات الصغيرة تستمر بالطرق عليه؟ أيعود الزمن للحياة مجدداً عندما تتوقف الساعات؟. لكم تمنى الفنان أن تتميع ساعة الحائط وترتخى مثل ساعات سلفادور دالى فى لوحة (إصرار الذاكرة).

قرر الرسام المغمور اللجوء إلى المفاضلة بين إرضاء القارئ والرقابة ورئيس التحرير والنقاد، تذكر كيف كان مرتفعاً مؤشر (الضميروميتر) لديه فى الأسبوع الأول عندما ركب سرح أفكاره الثورية وتخيل ترتيباً إفتراضياً للقضايا المصيرية التى يريد طرحها فى مساحته اليومية بالصحيفة، ولكنه إبتلع ذلك الترتيب منذ اليوم الثانى عندما نال سخط الرقيب الذى أزال رسمه من مسودة الصفحة بـ(جرة قلم أحمر). وصل الخبر لرئيس التحرير بأن الرقيب الأمنى أزال الرسم الكاريكاتيرى وأنه قد كتب تقريراً للجهات العليا عن خطأه الفادخ فى نشر رسم كاريكاتيرى معادى للنظام فى صحيفة تمتلكها الحكومة، ومنذ ذلك الوقت أمر رئيس التحرير الفنان المغمور بألا يرسم خطاً فى الورقة قبل أن يعرض الفكرة عليه مسبقاً، ولامه لأنه خان ثقته بإعطائه فرصة الذهاب بالكاريكاتير للنشر مباشرة. الآن الرسام فى ورطة، كيف يمكنه إرضاء القارئ ورئيسه والرقيب والناقد فى آن واحد؟

المعادلة صعبة، إذا حاول الفنان إرضاء القارئ فسيغضب الرقابة، وإذا حاول إرضاء الرقيب فسيغضب الجمهور، وإذا أرضى رئيسه فسيغضب النقاد. فوجود الرسومات التى قد تسر الرقابة والقراء ورئيس التحرير معاً مستحيل، وهى إن وجدت فلن تسر بعض النقاد الذين لا يعجبهم شئ على الأطلاق، حتى المستحيل نفسه، ناهيك عن رضاهم عن أعمال فنان مغمور ومبتدئ. تذكر الرسام الحكاية التى كان يرويها له جده فى طفولته عن جحا وإبنه والحمار وإستحالة إرضاء الناس جميعاً، فكر فى مغزى القصة وقال فى سره: "تباً! لماذا أحاول إرضاء الجميع وأنا لا أفكر فى إرضاء نفسى؟".

نظر الفنان إلى فراغ الورقة البيضاء وأدرك أن آلته السينمائية ليس بها المزيد من الأشرطة بنية اللون، رفع بصره للساعة فوجدها تقترب من العاشرة مساءً، نظر مجدداً إلى الورقة البيضاء فوجد فوقها أشباح جحا وأبنه والحمار، كانوا ينظرون بشفقة وسخرية نحوه، نظر إليهم طويلاً، فى خلفية المشهد السينمائي الجديد صوت عجلات الساعة تدق على الزمن معلنه ميعاد القتل، وفجأة هوى الفنان بقبضة يده على الأشباح الثلاثة فسحقهم على سطح الورقة، نظر مرة أخيرة إلى أشلاء الأشباح المتناثرة على سطح الورقة، إبتسم فى أسى ثم خرج من الباب.

Post a Comment