Friday, September 24, 2010

البكاء المرير على حائط الفيسبوك الكبير

العمل الجماهيرى بين الواقع والعالم الإفتراضى

البكاء المرير على حائط الفيسبوك الكبير




طلال الناير

"التكنولوجيا مثل السمكة، كلما طال بقاؤها على الرف كلما قلت الرغبة فيها" – أندرو هيلر

الإنسان والتكنولوجيا، علاقة ألهمت العديد من الروائين والسنيمائيين فسطروا رؤاهم حولها فى أعمال إبداعية خالدة، الفيسلوف الأنجليزى ألدوس هيكسلى فى رائعته (عالم جديد رائع) صور إنسان دولة يوتوبيا الفوردية الذى تستغل السلطة فيها التكنولوجيا ببشاعة جاعلة أعضاء الحكومة فى مكانة الآلهة فيخلقون بالفعل بشراً بالمواصفات البدنية والعقلية التى يحبونها، ينتجونهم من خلال فقاسات صناعية عملاقة، بشر تسيطر عليهم الحكومة عن طريق غسيل دماغ الأجنة، وعندما يكبرون تجعلهم مدمنين للجنس ومخدر "السوما". آيزاك أزيموف يحكى فى روايته (آى روبوت) عن إتكال الإنسان على التكنولوجيا حتى يجد نفسه واقعاً ضحية لتمردها عليه، أنه موقف تطابقه مقولة هنرى ديفيد ثورو: "أصبح الإنسان أداة فى يد أدواته". وفى ملحمة الـ(ماتركس) الأخوة واكووسكى يقدمان رؤية كابوسية لعالم يصبح فيه الإنسان مجرد رقم تافه فى المصفوفة العملاقة.

هناك علاقة وثيقة بين الحركات التغيير وتطور وسائل الإتصالات والتكنولوجيا، الجماهير الغاضبة فى الفلبين أطاحت بالدكتاتور فيردناند ماركوس عبر الإستفادة من خدمة الهاتف، ناشطى "ثورة سلطة الشعب" السلمية قاموا بإشغال فتيل الثورة السلمية وكان لخدمة الهواتف الدور الأكبر فى المظاهرات الأخيرة التى جعلت بماركوس وزوجته ذات الألف حذاء يفرون إلى جزيرة هاواى.
عندما قام الإيرانيون بإنقلاب على الشاه الإيرانى فى العام 1979 لم يكن الدور الأكبر فى الثورة لقوات عسكرية أو مليشات لمقاتلة نظام آل بهلوى، بل كان مرجع الأمر إلى (أشرطة الكاسيت) التى تحتوى على خطب وكلمات الخمينى القابع فى باريس. وللمفارقة، كما وصلت حكومة الملالى الإسلامية للسلطة بالإستفادة من التكنولوجيا المتوفرة حينها (الكاسيت) فإنها ذات الحكومة التى كادت أن تسقطها التكنولوجيا، وتحديداً موقع (تويتر) الذى أستخدمه المتظاهرون ذوى القمصان الخضراء فى التحضير والتنسيق لإحتجاجاتهم على تزوير الإنتخابات.

عندما أوصل سلوبدان مليسوفيتش صربيا إلى الهاوية وأثقل كاهل الدولة البلقانية بالديون وتكاليف الحروب التى خاضتها صربيا مع شركائها السابقين فى الإتحاد اليوغسلافى، أشتعلت ثورة جماهيرية أسلحتها الهروات الخشبية وخدمة الرسائل القصيرة الـ (إس أم إس)، فأطيح بالرئيس ذو الشعر الأبيض الذى أنتهى به الحال ميتاً فى زنزانته أثناء المحاكمة الدولية بتهم جرائم حرب وإنتهكات ضد الإنسانية.
عندما أنشأ مارك زوكربيرج موقع الفيسبوك تخيله فى البداية سيكون مجرد منتدى صغير للتواصل بين طلاب جامعة هارفرد ولكن شيئاً فشيئاً نما الموقع بصورة غير متوقعة فأضحى الآن يضم بين جنباته نصف مليار إنسان دفعة واحدة. الموقع أضحى نقطة تحول فى تاريخ الأنترنت وغير فى الكثير من مفاهيم العلاقات الإجتماعية.
كم من الذين تعارفوا وأفترقوا فى الفيسبوك، وكم من المجرمين ومنتحلى الشخصية قبعوا فى دهاليزه بإنتظار صيد سهل المنال. أضحى الفيسبوك عالم آخر موازى للعالم الذى نعيش فيه، الوضع معكوساً عند البعض ليتحول الفيسبوك وعالم الأسفير إلى واقع والعالم الحقيقى إلى واقع إفتراضى. الشرطة البريطانية تطارد المجرم الفار من العدالة كريج ليزى لينش والذى يستفز الشرطة بتحديث صفحته بالفيسبوك بصوره وهو يمسك فى إحداها ديك رومى كبير وبيده الأخرى يلوح بإشارة بذئية، وعشرات الآف يفتتنون بالرجل وشجاعته فيطبعون صورته على الفنائل وأكواب الشاى ويؤلف مغنى موسيقى الـ(كانترى) الأمريكى كينت كروفورد أغنية عاطفية للمجرم الأنجليزى الهارب.

والآن نحن فى السودان لدينا العديد من التنظيمات السياسية وحركات التغيير، ولدينا نظام شبه تعددى - شبه عسكرى يحكم دولة تحتل مراتب مقدمة فى (روليت الدول الفاشلة). محاولات التغيير فى البلاد أخذت العديد من الأشكال، العمل المسلح، العصيان المدنى، التفاوض، المشاركة فى السلطة، ألخ. وفى السنوات الماضية تعاظم دور الإنترنت فى حياتنا ليعتمد البعض عليه فى تغيير الواقع السياسى، فقد يقول لنا البعض بأن الراعى فى الخلاء يمتلك هاتفاً سياراً وأن "بوست" واحد فى منتدى سودانيز أونلاين (على سبيل المثال) قد يجتذب الآف الزوار وقد تبلغ عدد مشاهداته مئات الألوف فى بعض الحالات! ولكن حق لنا أن نسأل: "من هم زوار هذه المواقع؟".

لا أظن بأنك القطاع الأكبرمن السودانيين الذين يقاتلون من أجل لقمة العيش ويناضلون من أجل الظفر بأساسيات الحياة مثل السكن والماء والكهرباء والطعام سيكونون مهتمين أو حتى عارفين بالمعارك التى يدور رحاها بالفيسبوك والمنتديات الإلكترونية بين الحكومة والمعارضة، وإن كانت تلك المعارك تدور بأسمهم ومن أجلهم كما تتدعى كل أطراف الصراع الأسفيرى. هل تستطيع شريحة الأميين وذوى التعليم الضعيف التجاوب مع ذلك العمل الجماهيرى الإسفيرى؟ هل من الممكن أن تكون المعارك فى الفيسبوك والإنترنت بديلاً عن النضال الدؤوب بين الجماهير الكادحة؟ هل تحولت بعض التنظيمات وحركات التغيير لكيانات لا تتواجد إلا فى الإنترنت؟

كتب الأستاذ محمد عثمان إبراهيم مقالاً فى صحيفة الرأى العام بعنوان (أشباح الأنترنت ضد شخوص الواقع)، ورغم إختلافى معه فى بعض آرائه المضمنة بالمقال إلا إنه يمكننى أتفق معه جزئياً فى إمكانية تحول (الواقعى إلى إفتراضى) بالنسبة إلى بعض أحزاب المعارضة وحركات التغيير، فهناك أحزاب لم تٌعرف لها مقر ولا أعضاء يطرحون رؤى حزبهم على الجماهير، أحزاب سياسية لا توجد إلا على الإنترنت تعقد إجتماعاتها وتقدم فيه طلبات العضوية وتعرض فيه الإستقالات عن طريق البريد الإلكترونى وعلى صفحات المنتديات!!!

كم هو محزن أن تتضأئل أحزاب جماهيرية إلى مجرد أشخاص حقيقيون، أو بأسماء مستعارة يمتلكون حسابات فى منتديات الإنترنت ... كم أشفق على حال شعبنا عندما أرى أحزابنا المعارضة تملأ فراغ الأسافير بالضجيج عن العمل الجماهيرى وهى لم تعقد من اللقاءات الجماهيرية إلا بما يٌعد على أصابع اليد!


بالنسبة لى، كما للكثيرون، فإن تغيير الأوضاع المزرية التى تمر بها البلاد هو خيار غير قابل للتفاوض حوله، ولكننى أعتقد بأن مجرد الصراخ فى فضاء الإنترنت وخلائه وإعادة الخطب النارية عن سوءات النظام وكيفية تدميره للبلد هى من سيزيل النظام ويلقي به إلى مزبلة التاريخ لهو شئ من التوهم. شخصياً أؤمن بفكرة العمل الجماهيرى بشكله الكلاسيكى على عكس ظن البعض بأن تطور وسائل الإتصال يعنى تغيير العمل الجماهيرى على أرض الواقع مع الناس فى المراعى الشوراع و المزارع إلى الظن الآثم بأن الجماهير المحشودة فى الفيسبوك أو قراء البوستات فى المواقع والمنتديات هى من ستغير الواقع المر!

تجارب التغيير فى الفلبين وإيران وصربيا لم تتم بطريقة آلية عن طريق وسائل الإتصال (فقط) بل كان هناك عمل جماهيرى مؤسس دعمته التكنولوجيا فى النهاية. فـ "ثورة سلطة الشعب" فى الفلبين بدأت الثورة عام 1986 ولم تُسقط فيرناند ماركوس إلا فى العام 1989.

هل أصبح العمل الجماهيرى هو مجرد شعار لتزيين اللافتات على مداخل الندوات المنعقدة فى الصالونات المغلقة التى يحضرها منسوبي الأحزاب وأصدقائهم، إنها كفعاليات موسمية مزاجية لا تعرف عنها الجماهير أى شئ وتذهب خلاصات تلك الندوات إلى أدراج المكاتب. ومن هنا تبدأ دورة جديدة من (اللت والعجن) وإجترار النقاشات عن أحوال البلاد السيئة التى أوصلنا لها الإنقلابيون الإسلاميون. توقف نشاط أحزاب المعارضة وندواتها الجماهيرية التى كانت فى أوجها إبان فترة الإنتخابات، وما أن أنتهت الإنتخابات حتى عادت الأحزاب إلى كهفها تنام مرة أخرى.

كم يغيظنى إندهاش البعض وعدم مللهم من ترديد تساؤل الطيب صالح: (من أين أتى هؤلاء؟)، الأ تكفى 21 عاماً للإجابة عن هذا السؤال؟

الأحزاب تخلت عن أدوارها فى العمل عبر القواعد وتوارت خلف أشخاص (حقيقيين يمشون بين الناس أو حقيقيين بأسماء مستعارة) لإدارة معارك وهمية مع النظام العسكرى عبر أزقة وحوارى الأسافير، وأقول معارك وهمية لأننى أعتقد بأن التغيير الحقيقى لا يتم إلا على أرض الواقع، وهذا التغيير قد يختاره البعض أن يكون سلمياً وبالطرق المدنية، وقد تشتعل الروح الثورية فى البعض فيأبوا التغيير إلا بالثورة الحمراء والكفاح المسلح. الصراخ عبر الإنترنت (وحده) لا يلتقى مع طريق التغيير المدنى السلمى أو لا مع العمل العسكرى الثورى، لا يمكن أن يحدث تغيير فى أرض الوقع بالسودان من خلال الكتابة والصراخ والهتاف عن الجماهير، الكلام وحده ما رفع من على الأرض حصاة.

يتحدث البعض عن الموت فى سبيل القضية ويرفعون صور وإقتباسات تشى جيفارا على صفحات الفيسبوك وهم جالسون خلف حواسيبهم، البعض يكتب عن الجماهير المسحوقة على شاشة هاتفه النقال أثناء قيادته لسيارته، يكتب على سرعة ليقذف بهتافاته إلى "حائط الفيسبوك الكبير"، و"حائط" هنا هو الأسم الذى أختاره أصحاب الموقع للصفحة الشخصية للمشترك فى الفيسبوك. صديقنا هذا يظن بأنه يقوم بعمل نضالى عظيم، وهناك من يصدق هذا التوهم فيقوم بالضغط على زر (لايك) معلناً إعجابه بما أرسله صاحبه ليتوهم هو الآخر بأن يقوم بمساندة هذا العمل النضالى العظيم، وليزيد رصيده النضالى فإنه يقوم بنشر التعليق بين قائمة أصدقائه آمالاً فى (أجر المناولة)، ومع كل تعليق زائد يكبر الوهم بـالفعل ثوري الخارق الذى سيقتلع النظام الفاشيستى من جذوره!!!

نشاط هؤلاء المناضلين الإفتراضيين قد يرفع رصيدهم عند أصدقائهم أو أحزابهم الإفتراضية التى تشاركهم هذه الممارسة والنشاط، ولكن نشاطهم هذا لم يفد سكان القرى والأرياف وحتى بعض المدن يعلمون شيئاً عن معاركهم الإفتراضية مع طواحين هواء الحكومة!

قد لا أطلب من الأحزاب المعارضة العودة إلى خيار المقاومة المسلحة الذى تخلوا عنه طوعاً أو كرهاً ليجلسوا تحت قبة برلمان النظام الذى أقتلع ووئد ديموقرطيتهم ، ولكن، هل يضع البسطاء أملاً فى من ذاقوا طعم الوزارة وحلاوة المناصب (غير الهامة) فى بعض الوزارات الهامشية؟ هل يمكن لهؤلاء العودة مرة أخرى وقيادة ثورة جماهيرية جماهيرية من أجل التغيير؟ البعض يتحدث عن إصرارهم وعنادهم وتأكيدهم على خيار الموت على قتال الإنقلابيين الإسلاميين ، إنهم يتحدثون بسهولة وبإستمرار عن الموت كأنما حياتهم هذه مثل (كرت رصيد الهاتف)، كلما أستعملت كرتاً أشتريت واحداً جديداً يتيح لك التحدث مرة أخرى فى الهاتف بالمزيد من الثرثرة. الموت قاسى وبعنف وقد يكون مؤلماً وبطيئاً للغاية ومن يدرك هول هذا الأمر فإنه يجب أن يكون على قناعة تامة بأن حياته هذه ستنتهى مرة واحدة فقط وأنه يموت فى سبيل شئ مقتنع به تمام الإقناع، وعلى البعض الأ يظن بأن (الموت يأتى فقط مرتين) كما يقول أحد عناوين أفلام جيمس بوند.

هل الأحزاب وحركات التغيير، والقيادات على وجه التحديد، مستعدون حقاً للموت من أجل الحرية التى ينادون بها؟ هل من يصرخون للديموقراطية وتغيير هذا نظام عبر حوائط الفيسبوك وغرف الدردشة وصفحات المنتديات على إستعداد لحمل السلاح والقتال من أجل هذا التغيير؟

ليس مطلوباً من الجميع أن يكونوا مثل " جيفارا" فى القتال بالسلاح من أجل المبدأ حتى آخر نقطة دم، فليس جميع البشر يتحلون بمثل هذه الشجاعة الخارقة، مات "إل تشى" وهو يعلم ما هو مقدم عليه فلم يجبن وأنتظر موته القادم وهو متكئاً على فوهة سلاحه، حتى النهاية.

من أكثر الشخصيات التى تأسرنى هو الماركسى البرازيلى بالو فاريرى الذى إعتقد بأن الثورة يمكن أن تكون سلمية ونظيفة من الدماء وأن نتائجها مضمونة وأكثر ديومة وفوائدها ستعم الجميع. عمل باولو فاريرى فى سلك التعليم طوال حياته فكرس حياته من أجل الفقراء والكادحين، وكان يعتقد بأن الدكتاتوريات تنمو وتحكم مقتاتة من جهل الناس وخوفهم، فكرس كل حياته من أجل محو الأمية ورأى النظام العسكرى فى هذا النهج تقويضاً لأركان حكمه فقام بنفيه من البرازيل إلى بوليفيا والتى بدورها قامت بنفيه مرة أخرى إلى شيلى، بعدها تنقل كمعلم للفقراء فى دول العالم الثالث فى رحلة أستمرت لأربعين عاماً بالمنافى كتب خلالها سفر االعظيم (تعليم المقهورين) ومن هنا فإنه أتخذ من التعليم وتوعية الجماهير سلاحاً يحارب به الشموليات ليقتلعها من جذورها وقد قال مقولته الشهيرة: (التعليم لايكون محايداً، فإما يكون تعليما للحرية وإما تعليماً للإستبداد، أنا أتعلم لكى أتحرر).

التمسح والبكاء والصراخ على حائط الفيسبوك الكبير لم ولن يجلب للبلاد الديموقراطية المفقودة، ولم ولن يرفع ظلم الإسلاميين الواقع، ولن يعيد البسمة للدارفوريين، ولن يمنع إنفصال الجنوب وتشظى الوطن الوشيك.

تخيلوا الأثر الذى كانت ستحدثه المعارضة السودانية إذا نزل مناضلو العالم الإفتراضى إلى أرض الواقع ليخففوا معاناة الناس ليفيدوهم بما لديهم من معارف. تخيلوا كم من الأطباء والمعلمين والمهندسين والتقنيين الذين يمكنهم تغيير حياة الملايين من السودانيين عبر العمل الطوعى أو حتى الموجه حزبياً. إذا عملت المعارضة بصمت وبسلام بدون قتال أو حتى جعجعة لكان هذا أفضل للجميع، فهم يحفظ البعض من موت قاسى لا يبدو بأن الجميع مستعدون له إذا جد الجد وحمى الوطيس، وهم كذلك يخدمون الجماهير بما ينفعهم ويخفف عنهم وطئة الحكم الشمولى حتى يحين موعد التغيير والذى هو آت آتْ، تغيير هو طبيعة الكون.


Post a Comment