Thursday, May 13, 2010

الآيدلوجيا تصديق الخيال - مازن مصطفى



مازن مصطفى


فصل من رواية الفهرس

الآيديولوجيا تصديق الخيال،

و البشر يصدِّقون خيالهم،

إذن، البشر آيديولوجيين.

دعك من القياس الأرسطي السابق، فقد عُرِفَ منذ مَنَاطِقَةٍ خَلَوا أن الصواب المنطقي لا يطابق إلا سرابه الشخصي، ودعنا نلتزم بما يَلِي صَرَامَةَ تكويننا الرَّجراج: البشر لا يمتازون بالخيال فقط، بل الأعظم، هم كائنات تصدق خيالها:

الرابطة المقدسة للأسرة، الوطنية، المجتمع.. إلخ، من خيارات الخيال المعمَّدة نِهَائِيَّة، قَاطعَة، وحيدةً وموغلةً في ضرورة الوجود. الخيارات التي دفعت بمئات اليهود في محارق النازي، ودفعت بعشرات البنات اللواتي لم يفعلن شيئاً، سوى قضم الأظافر، إلى الأمواس وصبغة الحجر. الخيال العظيم الملتوي المعقد، المتراكم، المُتَعَالِق، الناسج بعضه والمشرئبّ إلى تأكيد ذاته كحقيقة: حقيقة الذات، الحزب، الجامعة، الدين، التاريخ؛ والأطرف: العلم البارع في ستر عورات نصوصه الماجنة. الخيال الذي يتخيل ذاته كـ"لاخيال"، هو أخبث ما بالخيال.

البشر يصدقون خيالهم لدرجة الموت من أجله. البشر حمقى. البشر يصنعون اتفاقاتهم وينسبونها لطبيعة الأشياء ثم: فووو، يموتون من أجلها.

أنا لست بشرياً، لكنني أقاسمهم داخل هذا النص حدودهم الإعتباطية للشرّ والمسكنة. وهنا، حيث أقيم لمواقيتٍ غيبية، لا يلاطفني قوس المخيلة المتحرِّش بِبَرْبَخ المُمكِنَات كثيراً. إذ اقتصر على الكائنات البشرية لما تحمله من إغراء بالذاكرة، ولِمَا تبذله في حشيشتها للواقع، وأيضاً ـ لعجبي ـ لما تَحْمِله من مظانٍّ بشيءٍ في ذاته. ورغم جريمة اختراعها الهائل: "الأصولية".

أنا حائط كما يتضح لكل جاهلٍ بوجودي. أنا حائط رابع. أنا الحائط الرابع المختفي رغم وجوده. الموجود لكنه منعدم الخواص، ولذا ظلَّ محجوباً عن البشر الفانين، والمقيَّدين بابصار الشيء عبر خواصه وخواصهم. أما أنا، فمن مكاني المسطور بطبيعة الأشياء في زيفها، خلف أرتال الورق الممتدة إياها، ووراء المكان النهائي للخيال البشري، فلا آخر لي ولا أول، لا امتداد ولا إحاطة، أنا لا مرئيٌّ ومنعدمُ الكثافة مثل جسدٍ لم يُوجَد قَط.

أنا حائطٌ حاسدٌ للخيال في الكائن البشري. أنا حاسدٌ حائطٌ مَعطُوبُ المساحةِ بانعدام الخواص، ولذا لا آمل إلا في ترفّق النص باستعارة خواص الأوراق والأحبار والوَرَثَةِ المستعبدين بسادومازوخية الخيال.

من صحرائي أبصر جنادباً وسلطعونات، وإمرأةً تملأ جرَّتها من ثقبٍ في السماء، وأبصرُ الكائن متربصاً بالهواء، خائفاً من غبار المرايا، يتقهقر ويتدافع إلى حدودٍ شرقيةٍ للرمال، فإلى حدود غربية، ثم ينكفئ على خانةٍ لا تخصّ جريرته، متخلصاً من زواياه زاويةً زاوية، كتقطير عدو للعنانة يتمالأ مع الرواية، متجنباً نجبائها سحراً سحراً، الكائن، المشغول بإبر الشك والرعب البشريين فوق ما يحتتم، الكائن يخطو على عجينة القلق لا يلخبطها مقلقاً، يبصق على "سبت الفار" الهانئ بتفاعل الرمل البطيء، ـ " لعينةٌ يا سرعة"، ينطقُ لسان حال "سبت الفار" الثقيل بسبب السُكر ـ والرمل مسكرٌ عند تخمر آلامه بالشمس ـ بينما تمتد جذورٌ من العصب والليف تمتصّ غذاء الموتى من العروق الطينية التي تتخثر ببطء في التراكيب الباطنية للأرض. "سبت الفار" ـ كما لاحظ الكائن ـ يستحيل بتواتر أفكاره إلى شجرةٍ ضخمة، مُنبِتَاً أورَاقاً تتنوع بتنوع أفكاره في المكان. بينما ينفخ ببطءٍ لطرد السّحب المتواترة على الجفاف، طارداً كل الخيرات المرجوة لتنحيف علاقته بالمكان.

حسناً، لنعد لشأني الشخصي، وهو ما لم يكن معلوماً لولا دخولي لمغامرة التكون حبراً، وهي مغامرةٌ حمقاء إذا ما أخذنا باعتبارنا ما يكتبه الكاتب وما يكتب عبره، والذي لم أمتلك الخصائص الكافية لفحصه لأني ـ ببداهةٍ تزعجني ـ بلا خصائص.

الشرط الوحيد لوجودي كشخصيةٍ داخل النص، هو امتلاكي لخصائصٍ ما. وبالتحديد، مخالفةً للبشريّ الذي استماح المخيلة عذراً وانخرط. ولما كنت خارجه، في وضعي اللاخصائصي، فقد استعرت الكثير من الممكنات المتاحة حبريَّاً لأتشكل، لا ككائن حي (لاحظ مفارقتي الحارقة)، بل كمفهوم، مفهومٌ يتوسط بين اللغة والمرجع الذي تحيل إليه. وفي ذاك المكان الرّحب، لكنّ المتَّسخ بهرائاتٍ عديدةٍ وأوساخٍ مُجَرْثَمَةٍ جرَّاء النصوص التي كَتَبَتْهَا ظلاماتٌ سبقتني، تشكَّلت. في البدء، كنتُ مجرد حائطٍ رابع مختفٍّ ومطلوبٍ لصدِّ الأوراق عن تمددها داخل كوخ الطباعة إلى مالانهاية ( وهي نهايةٌ أخرى كما تعلمين). كنتُ عاجزاً عن أداء المهمة لأني مجرد مطلق، والمطلق بؤسه مخبوزٌ بالعدم. داخل النص، وإن كنت محدوداً بهوامش مفردات الكاتب، إلا أنني أتوفَّر على الحد الأدني المقبول من مطالبي المشروعة، وهو تصرفٌ أذكيٌّ من تورطي في نقابة الحوائط منعدمة الخصائص، ومحاولاتها العملية والوقتية للإمتلاك، بالتمييز الحقير الذي لن يتأتَّي لها إلا بسلب الأوراق عبر تهجين المطبعة.

الكائنات المُبتَلِيَةُ بالخصائص، والأسوأ، بتبدُّلاتها اللحظيةُ ماجنةُ الحَنْظَل، تُسَمِّي حضوري حائطاً، وغيابي حائطاً، ثم يسمونني جداراً كأنما أُصِبْتُ بالجُّدري. الكائنات حَقْرَاء في إقصاء العناصر التي لاتتراص على نسقهم، المعمد أكثر كمالاً، كالحجارة والأشجار والقعونجات وغيرها. بالطبع، إلا بنات خيالهم: كالملائكة، والبعاعيت و، آآآآآآآآخ من البشر، ينقلبون على هذه أيضاً لتصديق خيال آخرٍ بحبكةٍ تختلف.

بالضبط، أنا ـ بصورةٍ ما، حائطٌ متمرّسٌ على الوشاية، غادرٌ بأصل الحوائط، وصمةٌ تصيبها في صَمَّتْ خَشْمَهَا. ولمن؟، يا جمال قذارتي، لمصلحة البشر الفانين. كمبعوث قيادة الثورة العليا، ممثلةً في مجلسها العشريني الموقر، اسْتَبْرَرْتُ وجودي في العالم الوَرَقِي بقوة التقارير المكتوبة، المذكرات الدقيقة، العروض التفصيلية موجعةً البروجيكتر وخلايا المراقبة. أنا واشي، وهي ليست سوى مهنةٌ أخرى، وإن إكتسبت خُزيَهَا عبر ملايين الباذلين الحقدَ في الآنية، الموشَّى بهم لعجزهم عن ملامسة القداسة. أنا واشي ولست خائناً، فكما عُرِفَ في أسطري، لا أمتلك القدرة على "التحائط"، وهو الفعل الذي تستعصي الخيانة دونه، وبالمقابل لاأملك القدرة على مخالفة جوهري في الأحوال العادية، أي في تلك الأحوال التي تجسَّد فيها أسلافي، إذ شيدت في الأصل بغرض الكتمان لا الوشاية. وهو ـ مغنطيس العناصر الفعال ـ لم يقتنصني، والشكر والحمد للمجلس العشريني الموقر، آيةُ العقل في الكائن، ومَجْمَرَةَ الإختلافات التي تعوي بعشِّ فَرَادَتِهَا خضيبة بالطاقة.

كعنكبوتٍ أبصره على الفراغ الافتراضي الذي أشغله، أُضَاعِفُ ألوانَ وشاياتي راصداً الكائن يتدرَّجُ من مخالفةٍ إلى أخرى، في البدء ـ بدء الكائن ـ يقوم حيواناً قوياً بِقَمْعِ حيوانٍ أَضعَف، أو يقومُ الأضعفُ بالإحتيال على قوة الآخر بسلطة الإيحاء القَبْلِيَّة، أو هكذا. ثم يرتكب الحيوان، الذي هو ليس حيواناً إلا في الخيال المصدَّق البشريّ، بقتلِ آخَرِهِ الذي تعجزُ عن اقتناصه لزوجات المهبل العائقة. الحيوان، الذي يحمل اسم "الرأس المذيَّل" كاسمٍ لا مُكَرَّس، يبدأ بالفعل في تحقيق أُوْلَى وصولاته على مقتل الآخرين، بينما تنتظر الوردةُ في مكانها اختراقَهُ لها، ساكنةً في سلبيةٍ تُثِيْرُ ريبةَ الكون. الرأس والوردة، المتَّحدان بسخرية الطبيعة من أمسها، يواصلان تشكلاً مريباً وتضاعفاتٍ متماوجةٍ منزاحةٍ من ركنٍ لركن. الكائن، أُسَجِّلُ على أوراق المجلس الثلاثينيّ الموقر المروسة، يخلقُ انبعاجاً ببطن أنثى البشري، ثم يقتحم نظامها محاولاً قتلها ببراعة، لكنها تلفظه، ثم تفرح به لاحقاً بتأثير إيحائات الجماعة البشرية الحافظة للنَّوع رغم ركاكته. الكائن ـ العدواني تماماً وذا الخمسة وعشرين عضلة طولية، وإثنتا عشر إصبع ـ يتمادى بتغوله على لافظته، بينما تواصل إنصياعها للبَلَه البشريّ وإيحاء الجماعة فتُرضِعُهُ. هنا، يغدو خارجاً بعدما كان داخلاً، ويتورَّطُ في ألاعيب الرشفة الأولى. كحدٍّ أدنى، يرتكب الكائن، البَرْلُوم بالعالم، عشرة خياناتٍ حتى هذه اللحظة، وهو عددٌ بسيطٌ لكنه فألٌ لا يبشِّرُنَا كثيراً بالانصياع. الأمر ـ دون شكّ ـ متروكٌ لعفوِ المجلس الموقر في آخره، ولكنني لا أوصي كثيراً ببقاء سماحة الطبع أمام شرور البشريّ وتهاويله.

كمغناجٍ، يوالي البشريّ تدوينه لمخالفات المطبعة السرية وأخطاء الطباعة وخيانات الترجمة، عاطل صحراؤه مُتَبَنْدِل في المكان والزمان، شانقاً الممصَّات بلا جدوى. أُسجِّل: للكائن ممصاتٌ مخروطةٌ بالتوالف، للكائن أعمدةُ الحشمة، وأقلام الصوت محتشدةً بتثقيفها في نقطةٍ بؤرية. دُوِّنَ في تاريخه مُدرجاً في التسلسل.

البشري يهمس للمطبعة بما يُستباح. المطبعة تصرصر. البشريّ يطأ جندباً ويحرك قدمه الهاصرة. عَدَدْ وَاحِدْ جُندُبْ مَيِّتْ، حائلُ اللون، متوسط العمر، متخمٌ بسوائل المكان، يمتلك ذكاءً متوسطاً بين الجنادب، وصلادةً لم تستعصِ على الحذاء. تمَّ التدوين وجاري إرفاقه بالتقرير الأوَّلي.

التقرير بالرقم المدون أدناه:

جاري التدوين، الرجاء فتح القيد لاستلام الملف،

اللجنة التنفيذية الفرعية للمجلس العشريني:

تم فتح القيد، الرجاء اتباع موجِّهات الأداء الموضحة بالجدول.

البشري يتحرك من مكانه للأمكنة المكتظة بالمعدن. كما نلاحظ زيادة في معدل استهلاك الورق. البشري يبدو سعيداً بلامبرر، ويكفُّ عن التحديق الساخر بالأفق. ينحني على الأرض لوهلة، يغترف حفنة تراب، وينثرها حوله ببلاهة. يجلس على الأرض في لامبالاة صاعقة بمخاطر تصرفه. هنا، تجدر الإشارة إلى أن هذه التصرفات غير مقبولة إطلاقاً لقوانين المجلس، إذ قد تؤدي إلى فناء الكائنات باللعنة، كما تجدر إشارة أخرى إلى تسامح العشريني الموقر المفرط أمام الفساد الإداري، وهو تسامحٌ مبررٌ، بالطبع، طالما هو صادرٌ عن المجلس، وإن كنت أجده، بلا تعمد لوقاحة، ومع الإعتذار القَبْلِي عن أي دوال غير ملائمة، كرمُ أخلاقٍ لا تستوجبه الكائنات الخسيسة العاقة الكائنة.

الكائن الآن في معقل شقه بين فراغات الصحراء، مؤسس بصبارات زينة ناحلة لدى الأركان، وأعوادٌ مرمَّحة الأطراف بغرض استخدامها لشواء الجنادب، بينما ينثر ـ في جهاتٍ عشوائيةٍ من معقله ـ ظلالاً مرحةً، وكريات لامتحان العجين، وأشكالاً متراصةً بحيث لا تخدم غرضاً. الكائن يستخرج كومة أفكار محاطة بهلام أحمر من ثقب على أيمن الدماغ، ثم يفرشها على الأرض الساخنة ويستلقي عليها. يتقلب عليها بصعوبة، تلتصق أجزاءٌ من جلد الظهر بالمفرش، لتنفصل بخشونة عن الجسد لدى الحركة، مخلفة رقاعها الدهينة على الأرضية، رقاعٌ ترتجف قليلاً ـ من الألم وحب الإستطلاع ـ دون مبارحة مكانها، ثم تنغمس في تكوين المَفرش، مستحيلةً إلى غشاء للهلام والأفكار سالفة الذكر.

هنا، يهرش الكائن الصدر والعنق والأذرع، يفترع معابراً جديدة لدخول الخارج في الداخل، يبصق مفاهيماً وقضايا إشكالية، وأفكاراً عظيمةً، ومردودات حواس، وبلاهات. يتقيأ مظانه فكرةً بعد فكرة، ويستلقي على فكرة النوم وحدها، وقوفاً للحفاظ على رقاع البشرة المتبقية، ومن يحاول أن يخدع؟. يدبج تقريراً زائفاً للمجلس العشريني الموقر، يروي به التهاويل عن صحة المطبعة. يرسم شرفة القضايا الزائفة وأشباه القضايا، ليطل عبرها على أمنياته المرسومة على الصحراء بدقة، أمنية أمنية، إلى تلك الأمنية اللايمكن التفكير بها، والتي يتنزَّل عندها العمى إلى لغط الكائنات كنبيٍّ عارف.

وقيل أن للكائن عداءه مع المرايا، ولم أكن منتصباً لذلك ما لم ألتقي بتقارير إنزياحاته. الإشاعات الرئيسة حول الأمر تقول أن خلاف الكائن مع المجلس العشريني حول قضية المرايا هو اختلافٌ بالدرجة لا بالنوع، إذ، بينما يلفظ الكائن المرايا جميعها، يحتفظ المجلس بتلك التي عليها إنعكاس صورته. إقتراحي الشخصي، والمختلف قليلاً عن الشائعة السابقة، يقضي بأن المجلس يريد توحيد المرايا على نسقه، بينما يرفض الكائن المرايا حفاظاً على نسقه. والإختلاف هنا، ليس اختلافاً البتة، إذ يتفق الإثنان على جوهر القضية: تجنب النظر للمرايا كموجود مستقل عن كلاهما، أي أن كلاهما مقتنعٌ بأن العالم ـ وبجدية تامة ـ سيزول بمجرد موتهما. الكائن مائت ما في ذلك شَق، وإن توسَّل بالمرايا أو بعدائها. أما المجلس، فلا يليق بنا اتهامه بما لا يليق بصفته وذاته، فالصمت خير.

المجلس الموقر، لايليق بنا ارتكاب خطيئة موضعته. أما الكائن، فناتج فكرته البديهي لا يجعل موته كارثياً، فزوال العالم بزواله الشخصي يلزم عنه عالماً آخراً لوجوده الجديد، وبما أن الله ـ بالضرورة التي يفترضها الكائن في بلاهته ـ لا يخدعنا. إذن لماذا يدَّعي الكائن كارثية الموت؟. رغم قتله المباشر لأمه في الفصل الثاني؟. حسناً، الكائن ذو ولعٍ بما يعتقده، لذا، تناولَ ولعهُ بالتبدّي عميقاً وتعيساً ومفكراً، أمام أعضاء المجلس العشريني الموقر، والذي يُفضِّل، بطبيعة الحال، أن يظهر كحاضنٍ بارٍّ لدعاة التحديث والمثقفين المصابين بالقلق الوجودي وأفلاذ التراثات البدوية، إلا أن المجلس ليس مبذولاً بالطبع للاشتطاط، فلن يحتمل ما يتجاوز خليطاً لطيفاً ومتداخلاً بعنايةٍ لبراغماتي، ومثقفٍ عضوي، وعدميٍّ خفيف الحب. لذا حَذَّرَ المجلس الموقر، بعنايته المضمرة للشهوة، الكائن فور بلوغه زمان المجلس رامياً نرده على المكان:

ـ" يهمنا ألا تتمثل كارهاً للمرايا، فلابد أن يبدو شعبنا محباً لبعضه".

يوجد تناقض هنا، فَطن له الكائن ودَوَّنتُهُ في التقرير اليومي للحالة. إذ يطالب الكائن بعداء المرايا ليتأهل لدخول المجلس العشريني، ولكن ما أن يصل إلى داخله، حتى يستحيل عداء المرايا إلى سبة قصوى تقوم بقذف الكائن إلى درك الوجود بشرياً مرة أخرى. وهكذا، باسم تماسكٍ لم يكن له، لم يقتصر الكائن على الكره المُضمَّن في محاصرة المطبعة، عامداً، في تناسيه ربما، إلى طموحٍ يتجاوزُ، بمباشرته، أعطاف المجلس الموقر إلى ميتات أخرى. ولكن أيةُ ميتةٍ للكائن تحتمل تناسجه مع الضجيج المتواتر للمخلوقات الحِبرِيَّة المتفاضحة؟، سأظل غير قادر على الحكم طالما أنا متورط بالتحدث من داخل التناسج لا من خارجه. فقط، أستطيع تدوين تقريري بكامل حائطيَّتي، وإرفاق مستندات العَدَمِ اللازمة لضرورات المجلس.

تقريري يكتسب أهميةً إستثنائيةً مع المستجدَّات الأخيرة للعالم، والتي قضى فيها المجلس الموقر ـ على مضضه ـ بإدخال الإختراع الجديد المسمَّى بالمطبعة، وهي حديدٌ يَلِدُ أوراقاً عديدةً ويسمح بتجاوزات لامرغوبة في إدراك الكائن. تحججنا، المجلس الموقر وأنا، كحائط لامرئي وذو سلطة مرغوبة في التكرار، بعشرات الحجج المتواترة حول مئات النُسَّاخ البؤساء، الذين ستمضي وظائفهم إلى الأبد، ولن تعود منه لتبصر ما آل إليه حالهم، والأبد ـ بَولُه اللحظة ـ شنيعٌ كتلاوةِ النشيجِ الوطنيّ الصباحية (هذا مالم نقله)، ولكن الخواجة تفتا حدَّثنا كثيراً عن ابن رشد، ومكانٍ في القصيٍّ يُدعَى الأولمب، حيث المرايا على أشدّها. استمعنا ووافقنا، وقامت البنت الأخيرة، ذات الشامة الرمادية، بتوريط الكائن في استنطاق الحديد، عامدةً بذلك إلى إبعاده عن أعين المجلس الموقر، في حيلة بارعة لولا أن المجلس، مندوب الهسيس الأشد ضراوة، لا يغفل. من هنا كنت مستخلفاً في ذات المكان، لإعداد ما لن ينتهي من رصدٍ لجمرات الكائن، كشقيقٍ للحيلة في غائطها السماويّ المر.

البنت، تدعى "نجاة". قابلها الكائن فيما بعد، خلال الفصل الأول. ستكون ـ في ذلك الفصل ـ جسداً منديلياً محترزاً من جرائه الصابئة، ويتأرجح لحائاً للغثيان وألاعيبَ الأصفر. كأحوال المصائد، يلتقيان بصحراءه عقب اقتراحها. تبدو بهيجة ومتطاولة لِمَسِّ سُكَّانهَا الآخرين، ويبدو ناقماً على الكائنات البشرية التي تشبهه لدرجةٍ لاتطمئن. يلتقيان فتتفتح أذرعه ويستحيل إلى خبازٍ لعجن المتاهات العاطفية والتهاماتها. حين يقبِّلها، عامداً لاقتناء رغباته في زجاجة شفتيها، يستحيل إلى خرقةٍ لجَلْيِ المواعين. تنمو له زوائدٌ عنقوديةٌ ممتلئةٌ بالمخاط المتلاصق على بعضه، والمتقطِّر بوحي الجاذبية على الرمل. يُجلِسُهَا على فخذيه ويقضم أذنها ويجرِّب لعناته المدَّخرة، ثم يحاول يائساً ثقب سرتها للنفاذ الى الداخل، لكنها تمنعه محذرةً مقاصده باقتراب المرايا الوشيك.

ـ" الآن، ربما نحن مَحضُ انعكاسها".

أخبَرَتْهُ ثم استدارت، ليقتنص السانحة، بوساطةِ دناوتِهِ الشهيرة، ويثقب، بقلم الرصاص، إحدى إليتيها، التى تخرج ما بجوفها من هواءٍ مضغوط. فسسسسس، ويصبح لديها ردفٌ منتفخٌ، وآخر مندغمٌ بعظامِ الإلية كرقعةِ جلدٍ منكمشةٍ على بعضها، جافة وقابلة للتقشّر كثمار الليف المتسلق، وبالتأكيد، غير قابلة للنفخ مجدداً. غازلها بطرق أخرى، لعق رئتيها، داعب بأنامله مصرانها الغليظ، مرر يده ببطء على الدهون التي تتراكب بين العضلة والعضلة، والبيضاء كاللبن الرائب. وعلى شطط المعاجنة، استباح قرص طحالها وإستجابت بتوجع متلذذ مهتاج.

في الفراغ المتروك لتوثيق المنادم، ذَكَرْتُ أن الكائن لم يندم مطلقاً. بدا ظافراً مستلقياً بين تجاويف الرمل، مُجهَّزاً للنوم كي يعلن عجزه، وحالماً بالعودة للمجلس العشريني على الردف النجَاتِيّ الممتلئ. في الفراغ المتروك لأحلام الكائن، دوَّنتُ:

البنات يرقدن على حافة سورة النَّجد، وآلهةٌ قدامٌ يتوسلون للآلهة المحدثين حصتهم في الطَمَع، رجلٌ ينثر سُمَّاً بالجمال اللائق لمندوب المتعدد، يبيح في مؤلفاته تزييف العملة لزيفها. الدلاقين الملونة تتدلى من سقف خيام البديهة، عليها مصابيح الغاز المرتجفة الحمراء، والمصانج. أشجارٌ تشتعل بقوةِ ثيرانها المعوجَّة الأنفس ذات الرؤوس الأسدية والأقدام الخلفية البشرية. تنحني الحمائم لسلطةِ الذبحِ وتتلو بيضاواتها بيان المعدن على الرقبة. تنجرف الجثث المسحوبة نهرياً للشاطئ، تغسلها بنات إبليس بالحنان اللائق، ومدى الرغبة الممنوح كرهاً للخيال. الكوابيس، بحبال أعناقها، تُسَاقُ لمسالخ الإستهلاك، حيث يتقطر دمها على الحشائش وأفواه المستطببين بالعزلة. تغمس الهياكل خبزها بدمها وتمضغ، ثم تبصق عظمة هنا ونواة تمر. يضحك البشري. يلعق بلسانه كل ما سبق مستطعماً الحبر، متطهراً بعواء اللسان، بينما يلهث كُهَّانُ المسافة لحاقاً بالوهلة. ينصب البشريّ في عضوية المجلس العشريني عضواً تناسلياً، وبينما لا يحاول البنيويين تلافي الكارثة، يقتص لله من بعضه، ويرفق مفردة "إشكالي" بحظيرة الحجر الصحيّ المكتظة بالأبله.

كما يتفق لناتج الإتفاقات الأعظم: الكائن، يحاول الكائن تسوية الإحتمال بليِّه لأراضٍ يجيد بها التوتر. يعمد لإشباع "نجاة" لُزُوجَةَ اللعاب المحمَّلِ بالباكتيريا، الخلايا الميتة، قطرات طفيفة من الدم، المحملات بلاعمد بالقبلة. ويهمس بالقضايا المألوفة ويخبرها عن جمال تبادل الزوجات، وأنوثة الرجال المفرطي الذكاء، والأخطاء الحبيبة، الحبيبة. يسليها بنكتة تحدث فروقاً بعالم يهتز.

مللت،

تركتهما على تلك الحال، وجرجرت الدلالات التي أحتقرها كمفهوم إلى نواحي "سبت الفار" المستلقي منذ خراءاتِ الفصل السابق على الرمل. إفترشتني وإستلقيت على طوبيَ المحروق، وبهدوءِ المجبول على اختفائه، أبادله ابتساماً بابتسام، مُعَرِّفاً ذاتي النصِّيةَ بذاته الميِّتة:

ـ "أنا مندوب السياق".

ـ "و أنا تلافيه".

نتبادل المحبة، ونربت على صدورنا بأيدينا علامةً على عظيم الشرف. وبحماسٍ، أعكف على مهمتي متمتعاً بواسع تقديره: أجز ـ بحذر ـ مواطن النبات المتسالكة بالشكّ المتبادل، المرصد الرئيس لعزلتنا المشتركة. أخبره:

ـ "العزلة بائسة".

يضحك:

ـ "اللطيف أنها لا تتحقق".

قلت، مُفَصِّلاً إياي بفخرٍ تعمدت مواربته خلف نبرة عادية:

ـ "أنا الرابع، ولست سوى راصدٌ لمستقبل الأبد".

ثم أردفت:

ـ "يمكنك أن تعاملني بلطف، كما تعامل خصيتيك".

و ضحكت:

ـ "أم كما أتمنى أن تعامل خصيتي؟".

ثم نظرت إلى الغصون والأوراق التي نبتت على عظمتيّ وجنتيه، والطحالب التي أنبتتها غدته الدرقية، وقلت:

ـ " إنك تَتَشجَّر".

قال:

ـ "بل أتشاجر".

قلت، محاولاً التوادد:

ـ "أعجبني بصقك للفاني".

قال:

ـ "إنه يقترب".

بثقةٍ في الدلالة، ذهبت إلى موت الكائن الوشيك، وإلى ما بدا لي ترحيباً به في مفردات الفار، قلت:

ـ " سأعمل بجدٍّ على نفاد صبر المجلس الموقر".

إستدار، ممزِّقاً بعض جذوره الممتدة في التربة، ثم واجهني متكئاً على جنبه بكوعٍ مغروسٍ بالأرض، تسند يده الفك السفلي:

ـ "إنظر، المجلس كرويّ، فلايسعك سوى الانزلاق عليه".

قلت:

ـ "لكن الكائن يزعجه".

و كدت أقول بأن ما يجري نتاجٌ لأزمةٍ في علاقة المجلس مع الكائن، تلك التي لا يُستطاعُ ضبطها لكل النوايا. ودعني أبسطها: لنفترض أن الكائن صنع نقطةً مبهمةً في الكون، وأطلق عليها الإسم "ميم"، وأقام بداخلها في اللحظة "نون"، ثم، وبالتزامن، نَشَأ المجلس من جسد اللحظة "نون" مبتلعاً النقطة "ميم"، وبمحض الصدفة نجد أن الكائن اقترف فعلاً آخراً في اللحظة "نون"، وهو ابتلاع اللحظة "نون" ذاتها. فإذا افترضنا بأن النقطة "ميم" تمتلك إرادةً تخصها، وهي الإرادة الصانعة لكل من الكائن واللحظة "نون"، وأن هذه الإرادة مصنوعةٌ في واقع الأمر بواسطة المجلس، حينها يمكننا وضع تقسيمات لا تنتهي لاحتمالاتِ العلاقةِ بين كليهما. ورغبةً مني في التماشي قلت لـ"سبت الفار":

ـ "التناقض، في واقع الأمر، ما يجعل العالم جديراً بالملاحظة".

و رحت من متكئي، رغبةً في تلافي الاسترسال، وشاعراً بإلهامٍ مفاجيء، أُدَوِّنُ احتمالاتٍ حول الكائن:

1/ سينجح الكائن في قهر المرايا، وسيمنحه ذلك انتعاظاً أعظم مما للمجلس العشريني نفسه.

2/ ستنجح المرايا في ترويض الكائن، مما سيجعله كائنا عادياً لا يرتقي لمهامي، فنتجاهله معاً: أنا، المجلس، العالم، "سبت الفار"، "نجاة"، المرايا والرواية. حينها، بالطبع، تخسر جميع الأطراف رهانها.

3/ ستصل المرايا والكائن إلى نقطة إتزان ما، حينها يصبح الكائن عاقلاً، وربما أصبح عسكرياً.

4/ سيموت الكائن، وهو احتمالٌ يشتمل على ما ورد أعلاه وغيره. وقياساً إلى الواقعة المتكررة لموت الآخرين، أكاد أجزم بصحته.

بالطبع، الكائن لن يموت الآن، إذ لن يسمح لفرصةٍ نادرةٍ مثل مضاجعة "نجاة" تفلتُ من يدِهِ لمجرد سببٍ تافهٍ وبلا معنى كالموت. أما عن المرايا، فبعد التَّشَجُّر الأخير لسبت الفار، أصبحت معالجة بيانات الكائن من بداهاتها. ومن أنا لأحكم على المرايا؟. إذ، وبرغم الفصاحة السالفة، لا أتجاوز كوني كاتباً حقيراً اختصه المجلس برحمته. تماماً مثلما الكائن، رغم وصم الأخير بما لا ي، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،

تقرير مرفق عن صلصال الكائن:

كان المندوب السامي حريصاً على حنجرته كثيراً، وسادت همهماتٌ في أوساط إحصائيي النَفَس جميعاً، وبخاصة المراهقات اللواتي يركض في أعينهن شبقٌ، وبخصورهن شُبهَة. واللواتي، ترويجاً لحسن صيتٍ من قد يغدو زوجاً لأياً منهن، صَنعنَ من الحنجرة الممتلئة بالشحم، المترامية كقربة ماء، أسطورةُ لفحولة لا تنفد. إذ تُذِيب بارتجاجاتها الخشنة حرمانات كل من عَبَرْنَ على قضيبه، إزاء تنفيذه لحق الليلة الأولى؛ الثقيل على قلبه كما يعلمن جميعهن.

لتلك الحنجرة الطموحة، أَخْلَت السلطات المعنية أفضل مقاعد البلاد، بصحبة مسئول مباشر عن رعايتها، وبالبداهة: أفضل وسائدِ رعايةِ الشَرَج، واللبوس الشهير الشافي من البواسير والحكَّة. على ذلك المقعد، صادفه الكائن، الكائن الحقير في أولى أيامه، ثم في يومه التاسع المخصص للمتابعة والتقييم. وما كان له أن يغفل عن ملاحظة النحافة الفائقة لخصر المندوب؛ بحيث يبدو في سُمك بنصر، بمقابل الامتداد الهائل الذي يعقبه. جالساً في الجهة الأخرى، يهرش كعادته، يتعرَّقُ، يسكبُ الصديد الأبيض والأصفر، يرتبك ويصغي للمندوب السامي، يتلو عليه السِّجلات الرسمية، ويسأل:

ـ "أهو أنت؟".

يجيب الكائن، محاولاً إبداء نبرة ثقةٍ مع التأدب الضروري كذلك:

ـ "نعم".

يفرد المندوب أوراقه على المائدة، بينما يحتفظ الكائن بشريط البول دون إخراجه. يفحص المندوب ملامحه مقارناً بصورة مهترئة في يده، ويسأل:

ـ "نمت لك ندبة؟".

يجيب:

ـ "إنه جرحٌ حديث".

و ملطفاً بيده:

ـ "الخيبات، تعلم، تُنجِبُ ندبات قاسية أحياناً، تعلم، بالطبع".

ملامح المندوب لا تستجيب لمغريات السياق. في روايةٍ، خلاف البائسة هذه، أقول كحائطٍ ساخط، يجب على المندوب ابداء قطرةٍ أو إثنتين من الغضب، لكنه هنا لا يحب الميلودراما. يعقب:

ـ "أها".

يبرر الكائن:

ـ "الأشياء العابرة، تعلم، كثيراً ما تتراكم، بالطبع".

سؤال:

ـ "و ماذا تفعل بصددها؟".

دهشة:

ـ " ولكنني لا أشعر بها؛ بالطبع".

ـ "هذه أخطاء فادحة".

ينفعل الكائن:

ـ "ماهى الأخطاء؟".

يسخر المندوب:

ـ "هذا عملي".

ويصدر قراراً بإدانة الكائن، وتخفيض صلاحياته ببيِّنة الندبة. ثم يصدر الأمر بتعييني كبيراً للحوائط في ذات اليوم، وذلك لمدى إخلاصي للسائد ولإفادتي المندوب بالتقارير. ولأنني أول الجدران اللامرئية، ولأنني عظيم، ممتلكٌ لمقدراتِ روائييّ القرن التاسع عشر في سِبَاكَةِ سَرْدٍ مُحكمٍ رغم تقنيات بائسة.

يحاول الكائن التذمر، وتبدو عليه امتعاضات وغضب. لكنه (وهي ورطةٌ حقيقية) لا يستطيع الاعتراض على خيال المندوب، لأنه أولاً: لا يعلم بالضبط ما هي تُهمته، ثانياً: لجبنه؛ تظلُّ لدى الكائن دوماً مكتسبات غير ما أفقده المندوب، يخشى زوالها. وبينما يحافظ عليها بالصمت، يقضي على استمراريتها، لتناقصها المحتّم، باستسلامه. وهي الورطةُ التي تُدخِلُ الكائن في فخِّ السياسة الأزليّ: الحفاظ على الفَقْد، دون امتلاكٍ لأداة السياسة الأولى: ضَمَانُ تَحْوِيرِ النَّتَائِج. وهكذا ينتهي الكائن لمتسولٍ يتلقَّى الصفعات بإدارةِ خدودٍ لا يُجيدُهَا يسوع نفسه. وينتهي لاعتبار نفسه قديساً، وهو كذلك بصورةٍ من الصور، أو بانتفاء الغرض الرئيسيّ من الصور: تَنشيطُ المخيِّلة.

حسناً، في يومٍ مطير، ذي أزهارٍ وطيور (غالباً البجع، المعشوق لدى رومانسيين كُثُر، ليس دِيل بَيرون آخرهم) يمضي الكائن إلى تَسلّم تقليل مخصصاته المُرفَق ببوسترٍ دعائيٍّ مقرف: "حبّ المرايا وأمك، فالمجلس يحبهما"، مرفقةً بصورةٍ لشابٍّ أسمرٍ محفوفِ الرأس (وهي الصيحة الرائجة) يُقَبِّلُ أمه، قبلةٌ ـ لأسف الكائن ـ تبدو عذريةً تماماً. الفتاة التي تعمل في سكرتارية المكتب، ذات الشامة المبهجة، والتي تدعى "نجاة"، منحته أوراق التخفيض، بعدما استخلصت قيمةَ الدمغة ورسوم التخليص وابتسامةٍ بلهاء دلالةً على الإمتنان.

شَكَرَها ومضى للطريق الرئيسي، بالحكَّةِ ذاتها وسائر التفاصيل، بالنَّزَقِ ذاته والممحاكة بلا جدوى. عابراً من زقاقٍ إلى زقاق، باصقاً على الأرض بانتظامٍ تلقينيٍّ للازِمة. مجرِّباً المشي في دوائر، وبمستطيلاتٍ جافة الأركان، وفي أشكال هندسيةٍ يبتدعها لتجفيفِ قدرتِهِ على التفكير في الأمر. محاولاً اطلاق أسماء عليها: الشكل المعنطي، دلالة على الشكل الذي ينتجه المشي بمخروطاتٍ تتحركُ نحو قاعدةٍ واحدةٍ ومنها. الشكل الرماغي، وهو شكل لايقبل الوصف، وإن كان مفهوماً لدى رؤيته، وأشكالٌ أخرى أُجمِلُهَا مع سابقاتها في عنوانٍ وحيدٍ مباشر: "وصفات اقتناء الضرورة"، مفكراً في كون قصف المرايا يحتاج احتمالاتٍ تتجاوزُ الأشكال الهندسية المتاحة لراهن البشري. مصطحبة بالطبع بمتطلباتٍ داخليةٍ لابد من توفّرها في لحمِ الكائن: كاحتمالِ الضَّجر، ولامعقوليةِ الحياة، والتَّمكن من اجتناب الجَّذب الصوفيّ للإقتران بأنثى حمقاء من إحداهن، ماضياً في تفصيل نزاعٍ للتعميم حول ما يمكن أن تَعني مفردة "إحداهن". يوجد بالطبع ما يَهِبُ القَدر الملائم من اللذة لذلك: مثل البكاء المتواصل والتمخط في حضور صديقٍ محبٍّ ومُحاول، وهو ما يتعذر كثيراً في الشرط الإنساني الراهن.

هذه لذةٌ هزيلةٌ، لكن، عبثاً يمكن تخيل لذَّاتٍ أَخْرَقْ، كالقضاءِ على مُجمَلِ حياة فردٍ بشريّ في قارعة الطريق، فردٌ لا تعرفه، تُزهقه لغاياتٍ لاتعرفها. هكذا: ماشياً على قارعة طريقٍ محاطٍ بالمباني الإعتيادية التي تُحاطُ بها الطُرُق، وعلى شمسٍ عاديةٍ كتلك التجبرُ السالكين على محاذاة الظل، مُفكِّراً في المعتاد تماماً، كتناولِ طعامٍ أو إفراغ مثانةٍ أو فراشٍ ما، ثم تلتقط حجراً ثقيلاً من تلك المتاحة، وتلتفتُ للسائرِ بجوارك، بل للقادم من الإتجاه المقابل، شاجَّاً رأسهُ بثِقَلِ الحَجَر المدفوعِ بأقصى حركةٍ لعضلات الذراع. مستمتعاً بتذوق ناتج عنفك المبهر: الدماء، السوائل البيضاء، الشفافة، شذرات العظم المتناثر كأنما حطَّمت كوباً زجاجياً. الجثَّةُ المتحررةُ من الإرادة، المخذولة فجأة والمباعة، تتهاوى. تتهالك بفعلك. تصبح لك. حينها يمكنكَ، حقاً، تعرفها: أنثى، متوسطة الطول، تبدو كموظفة في مكان ما، بعيادة طبيب مثلاً. وقد يتضح بمصادفة ما أنها تدعى "نجاة". وقد تواربها ملتذاً بعرق الحفر بأطراف مزرعة مهجورة. وقد تقبلها، وقد تمتد.

لذةٌ طاغية. لذةٌ حاكمة، ومحرَّرة. لذةُ تدميرٍ متواصلٍ للآن. لذةُ اجتراحِ نهاياتٍ مباغتةٍ لمشاريع معظمة كمشروع الإنسان، لذةُ مدّ لسانك لكل المؤسسات التي تعبت في إعداده، ولو لوهلة صادقة. مد لسانك لكل المستبيحك. لذة أن تضحك قليلاً من كل احتمالات الآتي التي أوجدها لذاته، والتي دحضتها بشكل مبهج الفوضى. بعث صدفة جديدة تعبث بالضرورات. لذة الكشف. ألم يكن الكشف دوماً عبثٌ بالتكريس؟.

أما المرايا، حيث لذَّةُ التعرف المعكوس الأطراف، حيث الآخر كالمعتاد بكل انعكاس، فمحاولة خائبة. مكون يتألم لشقوق اللغة التي لا تنفذه. المرايا احتباس، أو عواء يائس، لذا، تثقب الكائن بطرفيها، المشابه والمختلف. كما يثقبه الآخر تماماً. كمن تفجؤه ضرورةٌ قاسية، يرتكب الكائن حماقاته إزاء المرايا والحياة. وحين يعجزه التشوه، يعمد إلى خيار تكريس الصدفة (في معاداة مستبطنة للضرورة)، أي إلى خيار القتل العشوائي المذكور أعلاه. الذي لن يتكرر بدعم الحجة التقليدية والخائبة التي أصدع بها "سبت الفار": التكرار عدو الصدفة، إذ تقل صُدَفِيَّتُهَا كلما تكررت، وتميل أذهاننا إلى تنظيمها، أي إلى منحها طابع الحتمية الكريه للضرورة.

بتقريري المتقن، كان الكائن مستحلب عزاءات لا أكثر، إذ لايمكن لصدفةٍ ـ مجرد صدفة ـ أن تجذب الكائن عن خطوط القدر الحتمية التي تحرك البشرية كلها في خطوط مستقيمة من السببية الخالدة. أين المرحوم "هيوم" ونقده للعلية الآن؟، أتسائل بتقريري هازئاً. أما للكائن، فقد بدت تقلبات الموتى كمصادر لانهائية للِّذة، وبدا كأنما تتروَّح لذَّتُه بكل الديدان المتخمة ببطن الجثة، مروجة بالعطر النافذ للتفسخ. كان يستلذ بكل معادن الصدفة من ضرورات تعقبها، ولم يكن يرى تناقضاً في الأمر.

بهذا، يجب إضافة تراصٍّ آخر من المفردات على التقرير، يوضِّح علاقة الكائن بموضوع التناقض الأزلي. فمنذ تجربته لأول قشرة الهلع المحيطة بعقدة النقص لدى طلاب الكمال، وهي ـ كالمألوف ـ أولى أزماتهم، انتبه للاجدوى مكافحة التناقض. كان الأمر كالتالي: قام في البدء بحب أمه، بل واشتهائها (و إلى هذه النقطة ينسب ولعه المؤقت بفرويد)، ثم جزَّ عنقها بموس تزجيج الحواجب الملقى وسط كومة الأمشاط وعلب الكركار تلك. هنا، والكائن يتسائل بكل الطفولة، بَرَزَ التناقض الأول بين الحب (الفعل المنزَّه دائماً لحماقة طريق البشرية الحالي) وبين ارتكاب فعلٍ اقصائيٍّ مرسخٍ ككراهية قصوى مثل فعل القتل. ولإزالة التناقض، المستنكف عنه لسنواتٍ بإنجاب النظريات الكبرى والجيوش، قدَّم عدداً لابأس به من الحُجَج كشفت له، وهو المستهدف الوحيد، عن يأس أخمج:

التبرير الأول، كان بأن الحبّ لا يصمد كثيراً أمام ما هو أكثر تعتُّقاً داخل البشري، كغريزة البقاء. إذ يعتمد الكائن المرايا كمؤثرٍ سلبيٍّ على بقائه، وعلى أن يستمر هو في ذاته. أما الأم، ففي أفضل حالاتها تُضفي أماناً على هذا البقاء، وهو أمانٌ زائفٌ بأغلب أحواله، ومستندٌ على ذكرى جنينية لرحمٍ جيد التبطين. بداهةً، تقترن جدوى الأم بشرط البقاء، بينما لا يقترن البقاء بشرط كونه آمناً. لذا أوجبت المفاضلة إقصاء الرحم الأُمَوِيّ، وإن جاء عنيفاً لمحض دواعي التحقق.

التبرير الثاني، يستلزم مراجعة مفهوميّ الحب والقتل، وهي المراجعة التي عَرَّفت الحب كطموحٍ متجهٍ للِّذة، بينما العنف تَعجَّل لنيلها. من هنا، يبدو العنف نتيجة لإزدياد الحب لا أكثر، ويبدو من البديهي أن درجة الحب، الحقيقية!، يجب أن تمهر بدرجة العنف اللازمة. هذه القاعدة، لدى تعميمها، تؤدي إلى انفصال البنات عن الحبيب الذي لا يستقبلهن، في فورة الشوق، بالخنجر. وهو ما منع رواجها لقرون، إذ أن محبي الحب في الغالب كارهين للخناجر. نمطٌ وحيد، كنمط أولئك العنيفين حقاً، الإنتحاريين العظماء: إرنست فان جوخ صاحب الأذن الأشهر، روميو، الراوي التعس، ومن جاورهم، ظلَّ يتغنَّى بالعنف الملازم للحب. وهو تغنٍ استقبلته البشرية بمحبةٍ غامرة، على أساس النُدرَة ومن باب التمتع بأفلام الرعب.

التبرير الثالث، بسيط ومباشر، إذ يعتمد على الزمن لحل التناقض، فبنظرةٍ صغيرةٍ لتاريخ البشرية، نرى أنها ظنت ـ ولقرون طويلة ـ في كروية الأرض، الظن الذي بوسع أحد أطفال اليوم اقناعك بخطله. ومثلما دارت الحوارات الكثَّة حول كون هنود أمريكا بشراً أم حيوانات أخرى، تدور الآن حول ما نعتقده تناقضاً. وسيكون على طفل نهاية قرن ما أن يضحك بهدوء وهو يستمع لهراء قرننا البائس العقيم. لوهلة باسمةٍ يبدو تبريراً ملائماً، بافتراض مجيء نهاية قرن قادمة، و، أيضاً، ببؤسٍ أقل عقماً، وهو تفاؤل مفرط آخر.

هكذا، قد يعتقد المهتم، بأن فراشة الكائن احترقت أخيراً في مكان ما، وأن بإمكانه حل تناقض وجوده هنا وفي المرايا بهدوء خبير وملله، بينما العجوز الأعمى يراقب في هدوء متلصص مسافدات ملساء. إلا أن الكائن مصابٌ بجدري النَّاحتين العظيم: القلق. لذا، لم يكن ما ذكرت بالأعلى سوى أمسية عابرة، بعدها، يَتَبَنْدَلُ الكائن في حقلِ أبو الدقيق بفوضى نظام العالم الذي شيَّدَهُ. ولا يجد مهرباً سوى في التنديد الأحمق بصُنَّاع صورة العالم المجنَّحين، الأرباب العشرينيين، الذين لم يخطئوا سوى في خلق أغاني الشايقية الحِنَّينَة، وحتى هنا، تظل هذه ذائقتي الشائهة كحائطٍ ما، أبعده عن غناء الكمالات الوثير.

ليست ما يؤرق الكائن الآن، لا، هذه محض ترهات ورفاهية تنتمي لعهد التأملات الباذخ. أما اللحظة، فهوامٌ عديدةٌ يُنبِتُهَا الجَّسدُ الموبوء بالوجود. ديدانٌ مرحةٌ تتنعَّمُ بالعَبَثِ أسفل الجلد، بَهَقٌ وقنواتُ صديدٍ على سَطحِهِ، مجاريرٌ لكتلٍ جيلاتينيةٍ بيضاء تخلقها أعضائه، بينما ينسلُّ الجلد تحت جنح أظافره كالمناديل الورقية. وبينما يمتلئ بالقيء الحمضيّ، لايملك الجسد سوى توجيه الكائن للإهتمام بالألم، كحقيقةٍ ودلالةٍ قاسية على اتساع العزلات. وكقاهرٍ مفردٍ لتصديقات الخيال، يظلُّ شاسعاً للخروج من متاهة الوجود مع الآخر القاسية.

نِهَايتُو؛ كل ما أعلم من حكمةٍ عرجاء، يقتضي أن هناك نهراً ما بهذا النص، يتوجب على أقدارنا بلوغه، حينها، يجب استلال كثافات الحبر جميعها لأغراض إغراق الكائن، والخلاص الأخير من ارتكاساته المضطردة وارتباكه المستمر. مسروراً، ومتخلصاً من دفاتر السَّرد اليوميّ الممل جميعها، كَأغرِس فتحتي الأنف المضحكتين في وابل عجزها عن استخلاص الأوكسجين. سأطارده مرةً تلو أخرى، مُحدِداً حتفه بغبطة خلاصه؛ لرحمتنا العظمى، وسأتمعن فى الحوجة الذليلة لرئتيه جوعاً للأكسجين؛ تلويحة كفه الأخيرة والإنقباضة العصبية لذراعه بآخر مقاومتها. أطربتني خاطرتي السالفة، فلوَّحت للمكان الأصفر صائحاً:

ـ "يا بورخس".

عالياً، محاولاً تجنب آذان المجلس:

ـ"سأرسله إليك مع خالص موته".

مرتفعاً بقامتي، متوهماً إجابة:

ـ " أيها الطاؤوس".

ثم ارتددت، سائراً لتسليمه قبل السابع.

اللوحة من أعمال رينيه ماغريت
Post a Comment