Saturday, March 20, 2010

عنبر تسعة - طلال الناير


عنبر تسعة




كالعادة، بدأ اللحن الرتيب. الرياح النازحة إلى الشمال سرقت آخر وريقات التوت التى كان يتوارى خلفها القمر الذى وقف عارياً وسط ميدان السماء, وعلى جنبات الطريق كانت جميع النُجيمات تلمع عيونها فى خبث والسحابات تحزم متاعها فى رحلة نحو غياهب المجهول.

النظرات المُتفحصة لم تُربك القمر على الإطلاق فقد كان مُنشغلاً بالنظر إلى الأيدى المتخشبة وهى ترتجف بشدة، أنه يراها عبر نافذة عنبر تسعة القابع فى ذلك الطرف المهجور فى من المستشفى، ذلك الطرف الذى تتكئ عليه الشمس عند تسكعها اليومى فى الطريق نحو مهجعها السماوى. الهدوء الخانق يغطى تجاعيد الحائط، هدوء كسكون القبور لا يشقه إلا ذلك السُعال الجاف المتقطع؛ هدوء تقص اتصال تلك الهلوسة التى كتبت الحمى كلماتها غير المفهومة. هلوسة تحضر سوياً مع القمر الذى يجئ للإستماع لذلك اللحن الرتيب، لحن تعزفه الأيدى المتخشبة التى تتمسك بالسرير، لحن ممل أرغم القمر على النوم متوسداً صدر إحدى السحابات حتى الصباح.

جوقة الغربان اعتادت الغناء على ذلك اللحن الرتيب الذى يخرجه السرير، الغربان الثلاثة وقفت متثاقلة بخمول على المروحة المتعطلة فلم تبال بأسلاك الكهرباء التى تتدلى بكسل من السقف المصاب بالجدرى. فجأة, بدأ الجسد المتعرق بالتقافز بجنون على السرير الصدئ الذى ظل يصرخ ويئن طوال الليل من الألم، وفى تمام الساعة الثانية والثلاثون بتوقيت دنيا البؤس توقف اللحن الرتيب لتجد جوقة الغربان نفسها تغنى منفردة. شعرت الغربان الثلاثة بالإرتباك الذى لم يدم أكثر من دقيقة وذلك بعدما تبدل اللحن الرتيب بآخر متسارع ومجنون. حامت ثلاثة ظلال فى حماس محموم مع اللحن الجديد الذى أيقظ الأشباح من سباتها فى الفِراش الأخضر لترقص فى هياج حول الجسد الطريح الذى كان يعزف بقوة سيمفونية الإنتفاض.

العيون السوداء الغائرة خرجت من محاجرها لتبتلع كل العالم، جدران الشرايين ضاقت على الأشباح فلم تجد سبيلاً لدخول الجسد، شرايين ضاقت على الروح المعذبة فتعذر عليها الهروب .. الروح صرخت فى إرتياع مستجدية الخروج من سجنها الأبدى. ولكن لم يستجب لها أحد؛ فقد كان الجميع مشغولين، ففى الشرفة المقابلة كانت كل العيون تحدق. الدماء لمعت فى أعين الغربان وهى تحوم فى فضاء الغرفة الرمادية بحثاً عن اللحن الذى توقف .. النساء المسنات ينظرن إلى اللاشئ .. الرجال الراقدون على جنوبهم من القروح علقوا حدقات أعينهم على السقف المٌقشر وتركوا آذانهم معلقة على ذيول الرياح لتنقل إليهم آخر أهات الروح المعذبة.

عيون، أمتلات الغرفة بالعيون الجاحظة، الطبيب البدين يشاهد من وراء عدساته السميكة آخر فصول العرض الجديد القديم، الممرضة النحيلة سحقت براحة يدها الخشنة نقطة من العرق تسللت بين خصلات شعرها الأشيب الذى إنحسر من على تجاعيد جبهتها البارزة. الممرضة مرتبكة فهى لا تجد مكاناً لتدس فيه الحقنة. المشرط نصف الصدئ أصابه الملل من زيارة هذا الجسد الهزيل الذى أعلن إستسلامه. وإنفتحت بوابات الجسد المحطم لتدخل منها أشباح السرير الأخضر فى هياج مسعور إلى أعماق القلب الكسير لتزاحم الروح التى أختلط صراخها المسعور مع صيحات الغربان الثلاثة التى تقافزت فى غضب إعتراضاً على توقف العرض مجدداً.

القمر جلس القرفصاء وأعلن تذمره وجلس غاضباً خلف الأشجار السوداء الميتة التى ألقت بظلالها الكئيبة على النافذة التى تزاحمت عليها النسوة المسنات، ظللن يحدقن دوماً فى نقطة وراء الأفق. الرياح الكسولة نقلت للرجال المنبطحين نهاية العرض, جلست جوقة الغربان فى إستسلام وإنكسار على النافذة الخشبية نصف المحطمة والمحشوة بالسوس. فى الشباك الأخير لعنبر تسعة الغربان الثلاثة جلست بتكاسل في إنتظار لبداية العرض الجديد؛كالعادة.
Post a Comment