Friday, January 15, 2010

فينومينولوجيا العنف السياسي

فينومينولوجيا العنف السياسي
طلال الناير
"نحن نناقش ظاهرة العنف وكأنها سبب وليست نتيجة لمجتمع مقهور وعدواني أصلاً في سلوكه اليومي".
(د. حيدر إبراهيم علي)
يعتبر العنف من أكثر الظواهر المتصلة بالحياة المعاصرة, فهو يرافق تحرك (الأنا) الإنسانية وتحركها تجاه (الآخر). وانسياقاً وراء فكرة (النار من مستصغر الشرر) فإن العنف يبداً أول ما يبدأ عند الأطفال باعتباره شكلاً من أشكال (الشغب البرئ), ولكن هذه البراءة تنفض يديها عنه بعد حين عندما يتمدد هذا الشغب واصلاً إلى حقول أوسع كالمدرسة والشارع ضارباً بجذوره في المجتمع الصغير لينمو متعملقاً لينال من المجتمع الأصيل ومؤسساته, داخلاً إلى دهاليز المؤسسسات العسكرية والمدنية ليصبح العنف بعد ذلك سمة أصيلة للمجتمع وعاملاً لا يمكن إغفاله أثناء تعاطي ومراجعة (يوميات البوليتيكا).
تبعاً لفكرة شمولية العنف ولما لبلادنا من تاريخ طويل مع العنف السياسي فإن إتساع رقعة تأثير العنف تجعل من ممارسته لوحة فيسفسائية بالغة التعقيد, فممارسة العنف تختلف باختلاف الفاعل: فقد يكون العنف موجهاً ضد الذات, وقد يكونه مقصده ضد جماعة وهي التي قد توجه عنفها تجاه الفرد نفسه أو ضد جماعة أخرى أو ضد النظام الحاكم, وهو ذاته النظام الذي قد يبادر بالعنف ضد أفراد وجماعات داخل الحدود القطرية, وقد يكون عنفاً يمارسه ضد جماعات أخرى في دولة أخرى أو ضد أنظمة حاكمة وحكومات تقع خارج إطار حدود البلاد. وبناءً على عمومية القول بأن العنف يشير إلى الشدة قولاً وفعلاً, فإنه يمكن أن نقول بأن العنف السياسي يشمل أعمالاً مثل القسر والإكراه وأعمال الهدم والتخريب والإتلاف والقتل والتعذيب الجسدي والنفسي, وكذلك الاغتصاب بغرض الإذلال - إما للضحية وإما لشخص له صلة بها – وغيره من الممارسات العنيفة.
إذا نظرنا لمؤشر العنف سنجده يتصاعد بقوة بعد وأثناء تولي الحكومات الشمولية للسلطة والتي صعدت لكراسي السلطة بعد اعتلائها للدبابات, ومع فوبيا تأمين الحكومة الجديدة ينظر القادمون الجدد للشعب من خلال أعين العسس ولا يسمعون الناس إلا من خلال المخبرين الذين يسترقون السمع في المواصلات والأسواق ولا يعرفون حالهم إلا من خلال التقارير الأمنية, فمثل هذه الحكومات لا تملك أجندة رؤية توافقية أو حتى مبدئية لشكل الحكم ومضمونه وذلك لأنها تمر بسلسلة من التغيرات والإحلال والإبدال والتبدل على مستوى البنية التنظيمية والمؤسساتية وطرحها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. إذا نظرنا للحكومات الشمولية الثلاث التي حكمت أغلب تاريخ السودان نجدها نظم تسلطية تتبنى عقيدة احتكارية السلطة وتمنع قيام أي تعددية سياسية (فاعلة وحقيقية), وهي نظم ذات فعالية محدودة وسط الجماهير رغم امتلاكها لوسائل الإعلام ومن قبله السلاح والتي هي أدواتها لمنع قوى المعارضة من القيام بأي نشاط قد يساهم في تغيير النظام أو على الأقل يساهم في خلخلة أركانه, وقد عملت الشموليات دوماً وتعمل على تجنيح قوى المعارضة وتقسيمها سواء بالدسائس أو باستغلال العناصر الضعيفة فيها إما للتخابر ونقل أسرار وتكتيكات المعارضة للأجهزة الأمنية, وإما بافتراع أجسام منشقة على الأحزاب تلعب دور (الدوبلير) في الممارسة السياسية التي كانت تتم آنذاك وهو ما عرف في تلك الفترة بـ(الأحزاب الكرتونية) أو أحزاب التوالي.
هذه الممارسات أضرت بالعمل السياسي وساهمت في إطالة عمر الشموليات ولكن كان ذلك على حساب السودان ككل فتسبب ذلك في إعاقة النمو الطبيعي لقوى المجتمع المدني ومؤسساته بالشكل الذي يضع ضوابط على إنفراد الدكتاتوريات واستبدادها واستغلالها للسلطة وثروات الشعب, وهذه الممارسات المتسلطة جعلت هذه الحكومات محدودة الفعالية في الكثير من أطروحاتها وهذا الفشل جعل الحكومات الشمولية عارية من المبررات التي تدعم استمرارها في السلطة فتجد نفسها في مواجهة احتقان شعبي دائم تتباين درجته من فترة للأخرى. ومع سيادة عقلية التأمين تبدأ الدكتاتوريات في استخدام العنف السياسي لترهيب كل من تسول له نفسه التفكير في تغيير النظام فيكون الاعتقال منهجياً وتتسع دائرته لتشمل فئات واسعة من المجتمع, وهذا الإتساع من الكبر بحيث يجعل القبض حتمياً على كل من له صلة بالمعتقل وأحياناً يصل الأمر لاعتقال كل من تواجد بجوار (المشتبه به) أو حتى من تصادف مروره أثناء عملية الاعتقال. ومن ناحية الانتشارية والتكرارية نجد أن الأعتقالات – القانونية وغير القانونية – هي الأكثر انتشاراً من بين ممارسات العنف السياسي. وهذا السلوك لا يدل فقط على غموض التهمة/ الجريمة ألا وهي معاداة النظام وإنما تدل على ضعف كفاءة الأجهزة المنوط بها القيام بهذه الإجراءات والتي من المفترض أن تقوم بأقل عدد من عمليات القبض وذلك طبعاً بعد تسليمنا مجازاً بأن معاداة النظام هي جريمة في حد ذاتها.
جرى ذلك ويجري نتيجة للاحتقان السياسي الذي تعيشه البلاد منذ مرحلة ما بعد الاستقلال وحتى الآن وهذا الاحتقان يتصاعد بشدة مع استيلاء الشموليات على الحكم بقوة السلاح مؤسسةً لآيديولوجيا سيادة العنف السياسي وحتمية استخدام القوة لتداول السلطة وهو ما أجبر الأحزاب السياسية المدنية لحمل السلاح وتكوين مليشياتها لقتال الشموليات, وفي الحد الأدني الضغط على النظام عن طريق التحرك من الشارع بوسائل عنيفة كالتظاهرات. وقد حصل كل ذلك لغياب سلطات حيادية تؤطر لمناخ سياسي حقيقي وحر لتشكيل نظام يؤمن للمواطن إشباع احتياجاته في حدِّها الأدنى, وهذه الأجواء المحبطة خلقت يأساً داخل الكثيرين الذين يعيشون في فقر وعوز وبطالة وتهميش اجتماعي واقتصادي والذين اتجهوا إلى خيار (العنف الشعبى) للمطالبة بحقوقهم المهضومة مرة وفي مرات أخرى لإسقاط النظام نفسه, ومنهم من فضل الإنعزال عن الشأن العام وتدثر بلحاف (الاستنكافية) الذي غطّاه حيناً عن الواقع المتأزم ولكنه غطاء لن يمنع عنه إعصار العنف عندما ينطلق كاسحاً كل ما في طريقه بلا فرز.
رغم سيادة الثقافة الإسلاموعروبية على أنحاء كثيرة من السودان إلا أن ذلك لم يصنع هوية موحدة للبلاد والتي هي عبارة عن تجمع كبير للأقليات, هويات حاولت الحكومات المتعاقبة حشرها قسراً في هوية مركزية قابضة لم تعرف كيفية إدارة التنوع الذي قلما يوجد في مساحة مثل السودان, فأظهرت تلك الحكومات مقداراً مضئيلاً من قبول التنوع والتعدد القائم على أسس أثنية ولغوية ودينية ولم تستطع استعياب لهذه الأقليات فاستخدمت النخب الحاكمة أولاً أدوات الاستلاب الثقافي والماكينة الإعلامية المركزية لتذويب هذه الكيانات داخل الثقافة الإسلاموعروبية والتي للمفارقة يمثل منسوبيها (الأصلاء) أقلية قياساً بالكل. ومن بعد ذلك استخدمت النخب الحاكمة أسلوب الدمج القسري والاستيعاب الإجباري عبر استخدام القوة المسلحة لإخماد أي تمرد تقوم به تلك الأقليات المهمشة والتي تعاني من عدم العدالة التوزيعية للسلطة والثروة وهو ما أدى لتأجج العنف السياسي في أماكن متفرقة من السودان, بدءً من الأطراف وصولاً للداخل, فالتهميش في شقه الاجتماعي مرتبط بعميلة التحضر والانتقال من عدمية الريف إلى انتعاش المدينة النسبي، وهذا الانتقال يخلق صدمة ويزيد من طموحات القادمين من الهامش وارتفاع سقف مطالبهم في حدها الأدنى بتعليم وخدمات صحية أفضل وارتفاع الأصوات للمطالبة بإنشاء مشاريع تنموية والتي هي حق أصيل لهم ولا يجب عليهم استجداؤه, ولكن ضعف الحكومات وضعف قدرتها على تلبية احتياجات المواطنين كانت سبباً لتبني خيار العنف لتحقيق المطالب والتي زادت منها التعبئة الاجتماعية والنفسية. ومع توفر وسائل الإتصال الحديثة تعرف المواطن السوداني على أنماط أخرى من الحياة وشاهد مستويات من الرفاهية يفصله منها مئات السنوات الضوئية وهو ما يخلق إحباطاً كامناً يشكل نواة من الغبن وهو أحد الشرارات التي تؤجج جذوة العنف السياسي.
التجارب التي خاضتها جماهير الهامش السوداني مع الحكومات الشمولية خلقت لديها وعياً متزايداً بقضاياها, وعي رفع من سقف المطالب بمتواليات هندسية يقابلها ترهل هيكلي وفكري للأنظمة يجعلها عاجزة عن مجرد الحراك من مكانها ناهيك عن مجراة سرعة المستجدات والمطالب التي تغيرت نوعيتها ووسائل المطالبة بها, فخطط التنمية المتكلسة عجزت عن استيعاب تلك المجتمعات وتنميتها وأحياناً كانت تلك الخطط كورقة ضغط لتركيع بعض المناطق المتمردة بحرمانها من الفتات الذي يصلها من (الكعكة الكبيرة) فيصبح خيار العنف المسلح واحداً من الخيارات الجاذبة للتغيير ويضحى العنف واحداً من المكونات (الكامنة) في حياتنا ولا يحتاج للإنفجار إلا لمحفز, فأضحى السودان كله على فوهة بركان معرض للأنفجار في أي لحظة.
الكثير من المياه جرت تحت جسر السياسة العتيق منذ بداية عهد التمكين الذي غيّر شكل الممارسة السياسية وقواعد اللعب, ففي هذا العهد جرت تقلبات كبيرة في (مسرح البوليتيكا) فأصبحت الحركة الشعبية بعد توقيع إتفاق نيفاشا شريكاً في الحكم مشكلة واقعاً جديداً في الجنوب، وكذلك في الشمال, واقع فرض على قوى التجمع الوطني الديموقراطي نبذ خيار إسقاط النظام عسكرياً والدخول في برلمان النظام وأجهزته لتتغير قواعد اللعبة كلياً وتتبدل أدوات الضغط وتصبح الانتخابات هي الخيار الوحيد المطروح للتغيير, انتخابات يحدد مسارها بشكل حاسم جيل بأكمله من الشباب الذي تربَّى على يد الإنقاذ والذي وقع تحت تأثير أدلجتها الإسلاموية القسرية, انتخابات أضحى فيها ناخبو الدوائرالمغلقة للأحزاب الطائفية هم اللاعبون الجدد في الساحة وأصبحت بعض الحركات المسلحة في الشرق وحركات دارفور لها تمثيل في الحكومة المركزية والولائية وبعض الحركات التي لا تزال تحمل السلاح أصبح لها نفوذ وتأثير على الولاءات القديمة والقدرة على تشكيلها. بعد نيفاشا تغيرت المعادلة وأصبح الطريق الوحيد المطروح (على الأقل فوق الطاولة) هو الانتخابات والتي تتململ منها بعض قوى المعارضة بسبب القوانين المقيدة والممارسات القمعية والتسلطية من قبل الإنقاذ والتي هدفها الاستمرار في السلطة ولكن هذه المرة بشرعية (صندوق الانتخابات) بعد أن حكمت بشرعية (صندوق الذخيرة).
تمثل هذه الانتخابات نقطة مفصلية في تاريخ السودان ولأنها البديل الحضاري الذي من المفترض أن يكون موثوقاً به لإيقاف الدائرة الجهنمية (شمولية – ديمقراطية – شمولية) وذلك لمنع استمرار فكرة العنف الذي انتهجتها الأنظمة الشمولية, انتخابات من المأمول من نتائجها إجبار الإنقاذ على التخلي عن العنف والاستبداد والارتضاء بقبول حرية التعبير والرأي الآخر بغض النظر عن الانتماء وإعطاء الأحزاب السياسية الحق في الحرية وممارسة نشاطها السياسي وذلك بعد إنزال برامجها على أرض الواقع بدلاً أن تكون حبيسة أضابير فعاليات المؤتمرات والندوات والصالات المغلقة والمؤتمرات الصحفية, فعاليات يرفض النظام الشمولي حتى مجرد قيامها.
تنزيل هذه الحلول على أرض الواقع ولو في حدها الأدنى سيساهم في ترسيخ مفهوم الأمن والذي وضعه ماكدوجال وماسلو في قمة هرم الاحتياجات والدوافع الأساسية في الحياة بعد الأكل والشرب والتنفس, والفشل في إشباع (رغبة الأمن) لدى الإنسان الفرد يمنعه من الإنتقال للمستوى التالي في الهرم ألا وهو تقدير الذات وتحقيقها وصولاً للكمال الإنساني, فما بالك بالملايين من مواطني بلادي!!
إن مفهوم الأمن المتمثل في الأمن الشخصي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي لا يمكن تحقيقه من خلال تعايشنا وإهمالنا لنزعة العنف الذي أصبح سمة من سماتنا وسلوك يومي يكون في حالة كمون وتوجد الكثير من المخفزات لتفجيره, عنف تم تناقله بالتوارث عن طريق ثقافة الحرب المتجذرة بقوة والتي لا فكاك منها إلا بالاعتراف بوجود هذه المشكلة والتعامل معها على أنها سلوك جماعي جدير بالمراجعة بدلاً من أنها حالات فردية معزولة, فرؤية العنف السياسي بهذه الطريقة سيجعلنا مثل الذي أصيب بالعمى أثناء محاولاته المستمية لرؤية الفيل عبر المايكروسكوب!.
Post a Comment