Monday, January 18, 2010

الدولة الشمولية بين تأمين السلطة والمجتمع




مر المجتمع السوداني بسنوات عجاف أهلكت أخضره ويابسه، سنوات تلقت فيه مفاصل هذا المجتمع، ضربات عنيفة أسقطت دعاماته المتصدعة أصلاً، وخلال هذه السنوات كانت السلطة المركزية ومازالت سلطة دكتاتورية شمولية ذات قبضة أمنية حديدية خانقة، قمعت الشعب السوداني بعنف منهجي غير مسبوق وغير مبرر ـ على الاقل عند البعض، وقامت السلطة المركزية بتهميش قطاعات واسعة، وهذا التهميش وصل إلى الحد الذي جعل المجتمع مجرد امتداد هامشي لأنموذج (الحزب- الدولة) الذي قامت الإنقاذ بتطبيقه في السودان خلال محاولاتها المستميتة لأدلجة المجتمع قسرياً، وتلوينه بصبغة الإسلام السياسي ذو الرؤى الإقصائية الموغلة في التطرف، وفي هذا العهد أضحى المجتمع محكوماً بإرادة (الحزب- الدولة) ولا يتكلم إلا بما يريده ذاك الكيان، ولا يفكر المجتمع إلا داخل الحقل الذي وضع حزب المؤتمر الوطني حدوده، فالتنظيم الإسلاموي سالف الذكر لا يرى في المجتمعإلا اعوجاجاً فكرياً وأخلاقياً بيناً، لن يستقيم إلا بـ(التأصيل والأسلمة)، وان هذه المهمة الدعوية المقدسة كرس التنظيم نفسه للقيام بها حتى ولو اقتضت استخدام القوة والإكراه والإرهاب (فقد يؤتى بالسلطان مالا يؤتى بالقرآن) و


واستمرت علاقة التبعية هذه رغم المقاومة التي أبدتها قطاعات واسعة من المجتمع، وهذه المقاومة جعلت المجتمع ينوء تحت وطأة حصار اقتصادي مزدوج، الأول حصار خارجي قُصد به الإحاطة بالنظام المارق على الشرعية الدولية والداعم والمستضيف لأكثر حركات الإسلام السياسي راديكالية وتطرفاً، وهو نفسه النظام الذي كان ومازال يشكل خطراًً محدقاً على السلم الأقليمى والدولي، وقد نجح النظام الإسلاموي في تلافي آثار الحصار الخارجي طويل الأمد والذي وقع بمجمله على عاتق الإنسان السوداني البسيط والفئات الأكثر فقراً بالمجتمع، أما الوجه الثاني للحصار فداخلي وقد قام به النظام ومنسوبوه لتركيع الشعب وإذلاله وهم يتذكرون مقولة (جوع كلبك يتبعك) وهذا الحصار الطويل ترك آثاره التخريبية المدمرة ليس فقط على البنيات الأولية للتنمية والتي قامت بصورة أساسية خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وتواصلت بصورة أقل –نوعياً وكمياً – خلال حقبة الثمانينيات، وقد أصبحت تلك البنيات التنموية في التسعينيات حطباً لسلسلة الحروب الملتهبة والنزاعات المسلحة التي اشتعلت في أنحاء البلاد بدءاً من الأطراف وصولاً للداخل. والتنمية كفعل لا يستمر ولا يؤثر إلا في بيئة يسودها الاستقرار والسلام، وفي حقبة الإنقاذ شهدت البلاد (عسكرة وتجييش) لا مثيل لها، حملة ممنهجة شملت جميع شرائح المجتمع بدءاً من رياض الأطفال عبر تحفيظهم الأناشيد الجهادية التي تحث على الموت في سبيل المشروع الحضاري، فأصبح الأطفال ينشدون كل صباح (يُما.. ما تلومينى ... عايز أموت في ديني)، مروراً المدارس وطلابها حينما يفتتحون طابور الصباح بـ(الصفا والانتباه) وكذلك تبدلت أزياء طلاب وطالبات المرحلة الثانوية التي اصطبغت بنقوش الملابس العسكرية انتهاءً بتفويج طلاب الجامعات للانخراط في كتائب المجاهدين والدبابين التي كانت وقوداً لحرب الجهاد المقدس في الجنوب، ومع النزاعات المسلحة طويلة الأجل ووقوع السودان في حزام إقليمي مثخن بجراحات الحروب العرقية والإثنية أصبح السودان مكباً أساسياً للسلاح في القارة السوداء، وكل ما سبق صاعد من حجم التحديات التي تواجه التنمية وصاعد كذلك من وتيرة العنف الموجودة، مما أدى إلا ضياع الجزء الأكبر من (القليل) الذي أنجزته الدولة في الماضي.


لربما إستطاعت الدولة الشمولية تقديم صورة ضبابية للنجاحات الظاهرية في الصناعة العسكرية ومشاريع استخراج البترول واقامة السدود والبعض شكك في جدواها ومقدرتها على توفير الحياة الباذخة او حتى المعقولة للمواطن، ولكن الدولة الشمولية فشلت فشلاً ذريعاً في (صناعة الإنسان)، فهذه الدولة لم تستطع أن تخلق من التنمية إلا قشورها، وبالرغم من مظاهر (توحد بنية المجتمع) التي جاءت عن طريق الإرهاب الأيدولوجى والقوانين القمعية المقيدة للحريات، إلا أن المجتمع ظل أسير الصراعات العرقية والثقافية والدينية، تلك الصراعات التي كان مثل الجمر تحت الرماد وتسارعت بصورة أكثر عنفاً في (عهد التمكين) وبذلك عند سعى النظام الإسلاموي لترسيخ أقدامه وتوطيد أركانه مستعيناً بكافة الوسائل الأخلاقية واللا أخلاقية، وهنا بانت ميكيافلية الجبهة القومية الإسلامية في أبشع صورها، وبانت عيوبها الخَلقية والخُلقية البشعة التي لا يستطيع الأسوياء الدفاع عنها، وهذه الإخفاقات أدت لتفاقم القبلية والجهوية وظهرت بشكلها الملموس في الحروب والنزوح والفقر، خاصة ان الجبهة لم تستصحب معها الآخر الديني والعرقي واللغوي، وهذا ما أفضى بالهامش للتحالف ضد المركز والشروع في ثورته.


وما يجب التأكيد عليه هو ان التنمية فعل مركب يبدأ بنقد وتحليل ما هو قائم في المجتمع، ومن ثم تقديم الحلول والبدائل، وهو فعل من المفترض أن يبدأ بـ(الإنسان) وينتهي به، فالإنسان هو أساس المجتمع الذي تدعي الدولة الشمولية إنها جاءت من أجل توطيد بنائه وتطهيره وتنقيته وتأصيله والعودة به من خلال كبسولة الزمن إلى عهد الصحابة ويوتوبيا دولة الرسول الأسطورية. وخلال محاولة الإسلامويين (الدون كوختية) تغيير بنية المجتمع حتى تلائم ما يحملونه من أفكار معلبة بدلاً أن يعدلوا أفكارهم لتلائم المجتمع، أصبحت التنمية ساحة للتنظير الأيدولوجى بصورة كوميدية تشبه الجدل البيزنطي العقيم، فخرجت علينا كتب ومحاضرات تتحدث عن (موافقة وتضاد التنمية مع المقاصد الشرعية للأمة الإسلامية)!


إن سرعة التحولات الإجتماعية التي شهدها السودان خلال حقبة الإنقاذ وتآكل البُنى التنموية الهشة التي تم تنفيذها خلال الستينيات والسبعينيات وانهيار الطبقة الوسطى وتدني مستويات المعيشة والإرتفاع الكبير لمعدلات الفقر، كلها عوامل أدت إلى زيادة التوترات والتي فتحت الطريق أمام المزيد من الإنتكاسات المتكررة التي ساهمت في تصدع البناء الإجتماعى وتضرر الفئات الأكثر عرضة للصدمات مثل العاطلين عن العمل والفاقد التربوي والنساء الفقيرات، وهؤلاء جميعاً هم الفئات الجديرة بتغطية مظلات التأمين الإجتماعى قبل أية فئة أخرى وذلك بتوفير الخدمات العامة ودعم الأسعار والسلع الأساسية وكفالة وضمان مجانية التعليم والصحة والغذاء والنقل وكذلك الرقابة على الأسعار. ومن واجبات مؤسسات التأمين الإجتماعى القيام بواجبها في سن تشريعات تبين أسُس التعاقد والمعاشات والضمان الإجتماعى في كافة مؤسسات الدولة بشقيها المدني والعسكري. إن قيام الحكومة بواجباتها تجاه التنمية الإجتماعية يخلق دولة سليمة ومعافاة من عيوب التمايز الإجتماعي والطبقي في صورتها المثالية، لكن معطيات الواقع الفعلي توضح تملص الدولة من أدوارها الطبيعية وأنشطتها التي يفترض أنها فاعلة في تخفيف المعاناة للشرائح الفقيرة. وقد خلقت الإنقاذ سياسات مزدوجة المعايير تبايناً ظاهراً من ناحية (النشاط شبه التنموي) والذي رغم ضعفه إلا إنه كان متبايناً نوعياً وكمياً بين المناطق الريفية والحضرية، نشاط تمركز في مناطق وانعدم في أخرى لأسباب بعضها جهوي يصب بأغلبية الناتج الإقتصادي في مناطق وجيوب المتنفذين في النظام وبعضها إقصائي تركيعي للمناطق (المتمردة) والتي لا تنال من التنمية إلا وعوداً موسمية لأغراض إنتخابية أحياناً أو لأغراض المساومة السياسية أحياناً، وللدعاية الحزبية والشخصية أحياناً، وهنا يستحضرنا محور سنار – دنقلا – كردفان أو ما أصبح يعرف لاحقاً بـ(مثلث حمدي)، وقد تبنت السلطة الشمولية سيناريوهات التنمية المرتبطة بالشخوص، فأصبحت حقوق المواطن الأصيلة تُجزأ وتُقسم إلى شكل تبرعات وهبات وصدقات يتبعها المن والأذى، وهذه الحقوق بعد ذلك لا ينال منها المواطن إلا فتات الفتات.


وبالرغم من الجهود الكسولة القائمة على أمر التنمية إلا إن قلة الموارد المالية المخصصة لدعم هذه الجهود تسهم في التعويل على دور الدولة الشمولية في إحداث التنمية، فالسلطة الدكتاتورية تكرس نصف الموازنة المالية لأجل تسيير الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهنا تظهر خطورة إحتكار الموارد وتمركزها في أيدي قلة يوجهونها لأجل التمويل الحزبي ولتكريس القبضة الأمنية، ولكن هذه الخطوة تزداد بسبب إتساع دائرة الفقر وإرتفاع النسبة المستهدفة قياساً بعدد السكان والتي هي تقترب من أن تنطبق عليها قريباً، فضلاً عن غياب التنسيق بين الجهات المعنية بتنفيذ الخطط التنموية المقترحة مما يؤدي للتداخل وإزدواجية البرامج مقابل حرمان مناطق وأقاليم كاملة من أشكال الضمان والمساعدة والتي يصبح التحدث عنها بلا جدوى في ظل (نهب) السلطة الشمولية لموارد تلك المناطق وتفريغها في أوطان المتنفذين. من أكبر معضلات التنمية في السودان هي ضعف الإستهداف، حيث أن آليات التنمية لا توجه إلى الفقراء توجيهاً دقيقاً، بل أن البعض منها يساوي في المعاملة بين الفقراء وغيرهم وبعض الآليات تٌكرس لتعميق الفقر مثل الإستثمار الرأسمالي الذي أصبح أداة لتوسيع الشقة بين الأغنياء والفقراء، أداة دحرجت الطبقة الوسطى إلى قاع المجتمع الذي يعج بالفقراء والمحرومين والعاطلين والذين سحقهم التضخم الإقتصادي ويعانون من اللا مساواة بكافة أشكالها، إستثمار جعل الأغنياء أكثر غنى والفقراء أكثر فقراً. ومما يحد من أية جهود مبذولة لتغيير هذا الواقع الذي لا مناص من تغييره بتخليق عقد إجتماعي جديد بين النظام السياسي والمواطن والسوق، وهذا العقد يجب أن يجبر النظام على التخلي عن فكرة السلطة المطلقة وهي الفكرة التي زُرعت في صميم العقل السياسي للتنظيم الإسلاموي الذي ظل قابضاً على مفاصل الدولة طوال عقدين، هذه الفكرة ظلت في ذهن نظام الإنقاذ رغم التخفيف الظاهري لها بالـ(تحور) الذي طرأ على شكل ممارسة السلطة وذلك بالمشاركة الصورية والمحدودة لقوى المعارضة والتي أعطت أكسير حياة للنظام العسكري وأضفت عليه شرعية كان النظام يفتقدها فأصبحت مشاركة المعارضة الهامشية في النظام بمثابة (الهبة الإلهية) التي كانت ينتظرها العساكر. ولن يصبح هذا العقد إلا بمشاركة الطرف الثاني (المواطن) والذي يجب أن يصبح مبادراً لفعل التنمية وليس تابعاً له، كما يجب ان تبنى شخصية المواطن على نمط من التنشئة التي تعزز مشاعر المسئولية تجاه المنشآت التنموية لكي يرى في العمل الإجتماعي واجباً مقدساً لا سيفاً مسلطاً عليه. ولن يكتمل العقد إلا بتحرر الطرف الثالث (السوق) من شراهة الربح وتحوله – طوعاً أو كرهاً – من إقتصاد (سوق الغابة) إلى إقتصاد المجتمع الإشتراكى، إن تلك الشراهة مهدت للإنفجارات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية الحالية ، وإذا وعى إقتصاديو سوق الغابة لدقة الوضع لاهتموا بتنمية (الأمن الإجتماعى) والذي هو بحسابية بسيطة أهم عوامل حياة أي سوق. إن التنمية في عهد الإنقاذ لم تحقق ما يتناسب ما ينفق عليها إن لم نقل إنها فشلت، ذلك لأن المطلوب ليس فقط الإنفاق (الدعائي). أن أي تصور مستقبلي للتنمية الإجتماعية لابد من أن ينطلق من تشخيص مصادر وعوامل الإخفاقات السابقة والتي أولها التصلب الأيدولوجى للنظام الذي جعله فاقداً للرؤية المرنة للواقع الإجتماعي محولاً التنمية إلى (بوق بروبوغاندي) للنظام ملبياً لحاجته للدعاية بدلاً من جعلها فعلاً إصلاحياً للمجتمع، وتعاظم الخطر على بنية المجتمع عندما أضفت السلطة الإسلامية الشمولية على أوامرها صفة (القداسة) التي أضحت أحد أركان المشروع الحضاري الأصيلة، فأصبحت الأخطاء الكارثية المتسلسلة عبارة عن إبتلاءات ربانية يجب على المجتمع الذي تفترض الإنقاذ بأنه مجتمع إسلامي يتوجب عليه قبول ذلك لأنه يفكر داخل الحقل الذي وضعته السلطة الشمولية فيه قسراً. لقد وطدت المشروع الحضاري في مرحلة التمكين أركان النظام الذي خنق المبادرات الفردية والطوعية وقضى على أفضل كفاءات البلاد تحت مقصلة (الصالح العام) وضيق ساحة المجتمع المدني ومنظماته بتطبيقه لسياسة مركزية خانقة، فالنظام هو المخطط والمنفذ والمٌقِيم هو الذي يضع معايير الفشل والنجاح لمشروعاته التنموية، فنجاح النظام كما ينظر له أتباعه رهين بنجاح السلطة الشمولية في البقاء على سدة الحكم بإستخدام كافة المبررات الأخلاقية واللا أخلاقية، وكذلك نجاح النظام في القمع الأمني للشعب ومواصلة تمكين الحزب من السلطة، ولن يحدث التغيير المنشود في السودان إلا بالوعي لخطورة الوضع الذي أدخل فيه البلاد، فأصبح السودان ومستقبله رهين بمستقبل السلطة الشمولية والمتنفذين فيها، إذن فلا بديل عن تفكيك منظومة الحزب الذي تعملق وإبتلع الدولة، إما ذلك أو الطوفان القريب.
Post a Comment